لالة بثينة
حركة عدم الانحياز 0213_f291b456b0ec1
لالة بثينة
حركة عدم الانحياز 0213_f291b456b0ec1



 
الرئيسيةbawabaأحدث الصورالتسجيلدخول
المواضيع الأخيرة
»  liاللحم المقلي المغربي ب توابل قليلة جدا وطريقة بسيطة و مذاق جديد
حركة عدم الانحياز I_icon_minitimeالثلاثاء سبتمبر 19, 2017 1:39 am من طرف لالة بتينة

»  غريبة باللوز و الكركاع / حلوى ملوزة الكركاع المغربية الشهية بخطوات سهلة و ناجحة Ghriba Walnut
حركة عدم الانحياز I_icon_minitimeالجمعة أغسطس 25, 2017 4:25 am من طرف لالة بتينة

» السكر كلاصي سبيسيال (الممتاز) في البيت بأسهل طريقة ل تزيين الحلويات
حركة عدم الانحياز I_icon_minitimeالخميس أغسطس 24, 2017 2:15 pm من طرف لالة بتينة

» شربة بالعدس الأحمر و الخضر و الدجاج صحية ومقوية وغنية بالحديد /soupe lentille corail/chorba 3dess ahmar
حركة عدم الانحياز I_icon_minitimeالأربعاء أغسطس 23, 2017 4:51 am من طرف لالة بتينة

»  حصريا و لاول مرة الجديد و العجيب في حلويات اللوز حلوى السيمانة (أسبوع) روعة في التعليكة ؛المذاق والرائحة منعاودش ليكم تعالو اكتشفوها معي
حركة عدم الانحياز I_icon_minitimeالثلاثاء أغسطس 22, 2017 2:46 pm من طرف لالة بتينة

» بريوش مظفور قطني سهل وسريع Brioche tressée moelleuse à la mie filante
حركة عدم الانحياز I_icon_minitimeالإثنين أغسطس 21, 2017 4:34 am من طرف لالة بتينة

» غريبة معلكة ب البرتقال إقتصادية بكل أسرار نجاحها مع طريقة تحضير سكر سبيسيال في البيت halawiyat l3id
حركة عدم الانحياز I_icon_minitimeالأحد أغسطس 20, 2017 9:36 am من طرف لالة بتينة

» الموز المجفف
حركة عدم الانحياز I_icon_minitimeالأحد أغسطس 20, 2017 9:27 am من طرف لالة بتينة

» ارز مبخربالكبدة او قطع الدجاج
حركة عدم الانحياز I_icon_minitimeالأحد أغسطس 20, 2017 9:23 am من طرف لالة بتينة

» صدر الدجاج المشوي
حركة عدم الانحياز I_icon_minitimeالأحد أغسطس 20, 2017 9:22 am من طرف لالة بتينة


شاطر
 

 حركة عدم الانحياز

استعرض الموضوع التالي استعرض الموضوع السابق اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
معلومات العضو
لالة بتينة

لالة بتينة

Admin

Admin
معلومات إضافية
كيف تعرفت علينا : غيره
الجنس : ounta
المهن : jami3i
الهواية : rkoub elkhayl
المزاج : ray9
الدولة : france
عدد المساهمات : 4981
تاريخ التسجيل : 14/05/2012
معلومات الاتصال
http://www.lalaboutayna.com/
مُساهمةموضوع: حركة عدم الانحياز   حركة عدم الانحياز I_icon_minitimeالأحد يونيو 02, 2013 5:24 pm

حركة عدم الانحياز 800px-Map_Non-Aligned_Movement

تعتبر حركة عدم الانحياز، واحدة من نتائج الحرب العالمية الثانية (1939-1945)، ونتيجة مباشرة أكثر، للحرب الباردة التي تصاعدت بين المعسكر الغربي (الولايات المتحدة الأمريكية وحلف الناتو) وبين المعسكر الشرقي (الإتحاد السوفيتي وحلف وارسو) حال نهاية الحرب العالمية الثانية وتدمير دول المحور، وكان هدف الحركة هو اللإبتعاد عن سياسات الحرب الباردة [1]
تأسست الحركة من 29 دولة، وهي الدول التي حضرت مؤتمر باندونج 1955 ، والذي يعتبر أول تجمع منظم لدول الحركة.
و يعتبر مؤسسي الحركة الأوائل هم الرئيس المصري جمال عبد الناصر و رئيس الوزراء الهندى جواهر لال نهرو و الرئيس اليوغوسلافي تيتو وأيضا الرئيس الأندونيسى أحمد سوكارنو.
وانعقد المؤتمر الأول للحركة في بلجراد عام 1961، وحضره ممثلو 25 دولة، ثم توالى عقد المؤتمرات حتى المؤتمر الأخير بكوالامبور فبراير 2003. ووصل عدد الأعضاء في الحركة الآن إلى أكثر من 116 دولة، وفريق رقابة مكون من 17 دولة و7 منظمات.

فهرس بحثنا



المقدمة
المبحث الأول: مفهوم حركة عدم الانحياز وعلاقتها بالحياد الإيجابي
المبحث الثاني: نشأة حركة عدم الانحياز وتطورها التاريخي
المبحث الثالث: الإطار المؤسسي لحركة عدم الانحياز
المبحث الرابع: تقويم مسيرة حركة عدم الانحياز حتى مؤتمر القمة السابع
المبحث الخامس: تقويم مسيرة حركة عدم الانحياز منذ مؤتمر القمة الثامن
المبحث السادس: حركة عدم الانحياز والعلاقات الدولية
المبحث السابع: تحديات حركة عدم الانحياز
المبحث الثامن: حركة عدم الانحياز والنظام العالمي الجديد
المبحث التاسع : العوامل التي أدت إلى تراجع حركة عدم الانحياز
الملاحق
تطور اهتمامات حركة عدم الانحياز
الهيكل التنظيمي لحركة عدم الانحياز
الدول الأعضاء والمراقبون والضيوف
أعضاء حركة عدم الانحياز


المقدمة



منذ مطلع القرن العشرين تعددت الأحداث العالمية، التي أدت إلى انتشار أفكار ومبادئ تحررية، تمثلت في استقلال العديد من المستعمرات في القارات الثلاثة أسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، خاصة بعد بداية انهيار النظام الرأسمالي العالمي، بسبب الأزمات المتتالية التي انعكست على هذا النظام نتيجة لتناقضاته الداخلية، كما ساعد على زعزعة أركان هذا النظام أحداث عالمية متتالية، أهمها كانت الحرب العالمية الأولى خلال الفترة بين عام 1914م وعام 1918م، كذلك ثورة أكتوبر الاشتراكية عام 1917م، وأيضا الحرب العالمية الثانية خلال الفترة بين عامي 1939م و1945م، وأخيراً كانت الثورة الصينية عام 1949م. ونتيجة لهذه الأحداث العالمية بدأت الدول حديثة الاستقلال تتطلع لدور حيوي في النظام العالمي، يقوم أساساً على عدم الارتباط بأي من الكتلتين شرقية كانت أو غربية، ومعارضة سياسات الحرب الباردة والتكتلات والأحلاف العسكرية، إضافة إلى إتاحة الفرصة للدول حديثة الاستقلال لتحقيق مزيد من التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ولم يكن أمام هذه الدول إلا المطالبة بوضع أسس جديدة للعلاقات الدولية تضع نهاية للسيطرة والهيمنة الأجنبية بمختلف أشكالها، على أن يكون التعاون الدولي القائم على مبادئ الاستقلال والمساواة بين المكونات السياسية للنظام العالمي شرطاً أساسياً لحريتها وتقدمها ونموها، كما أن مبدأ التعايش السلمي يكون القاعدة الأساسية لإقامة العلاقات الدولية.

وقد كانت للطبيعة الاستعمارية التي تعرضت لها معظم شعوب العالم دوراً فاعلاً في ظهور محاولات التضامن بين هذه الشعوب، ولم يتحدد أبعاد هذا الدور إلا مع ظهور الحركة التحررية التي اجتاحت المستعمرات في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وبالتحديد عند نشوب النزاع الإندونيسي ـ الهولندي خلال الفترة بين عام 1945م وعام 1949م، حيث اجتمعت خمسة عشر دولة في نيودلهي عام 1949م وقررت اتخاذ إجراءات جماعية ضد هولندا وتوحيد جهودها داخل منظمة الأمم المتحدة، وبعد انتهاء الحرب الكورية استمر التعاون الأفرو ـ آسيوي لتوطيد العلاقات فيما بين شعوبهم، ورغم أن المسيرة النضالية لم تتوقف منذ عقد مؤتمر الأجناس المضطهدة عام 1910م، إلا أن مؤتمر باندونج الذي عقد في 18 أبريل 1955م يعتبر تأكيداً للمواقف التي اتخذتها دول قارة أسيا وأفريقيا، وتواصلت هذه الجهود واتسعت لتشمل العديد من دول قارات أخرى عانت من الوضع الاستعماري، وبذلك تحولت الحركة من أفرو آسيوية تقوم أساساً على موقع جغرافي محدد، إلى حركة أوسع تقوم على أساس نضالي أشمل، وتمثلت هذه الحركة الجديدة في ظهور حركة عدم الانحياز في بلجراد في سبتمبر 1961م.

 
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معلومات العضو
لالة بتينة

لالة بتينة

Admin

Admin
معلومات إضافية
كيف تعرفت علينا : غيره
الجنس : ounta
المهن : jami3i
الهواية : rkoub elkhayl
المزاج : ray9
الدولة : france
عدد المساهمات : 4981
تاريخ التسجيل : 14/05/2012
معلومات الاتصال
http://www.lalaboutayna.com/
مُساهمةموضوع: رد: حركة عدم الانحياز   حركة عدم الانحياز I_icon_minitimeالأحد يونيو 02, 2013 5:25 pm



المبحث الأول


مفهوم حركة عدم الانحياز وعلاقتها بالحياد الإيجابي


كان للصراع الذي عرفه المجتمع الدولي في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، بهدف التحول من نظام عالمي يقوم على مبادئ سيطرة وهيمنة القوى الاستعمارية إلى نظام عالمي يقوم على مبادئ التعاون والتبادل والحرية والمساواة والعدالة، أثره في زيادة النشاط الاستعماري من أجل الحفاظ على مراكز نفوذه في العالم بصفة عامة وفي المستعمرات بصفة خاصة، واتبع الاستعمار عدة أساليب اتخذت أشكال متعددة، منها إقامة التكتلات السياسية والعسكرية والاقتصادية، وكذلك بث روح الفرقة والخلاف بين الدول حديثة النشأة والاستقلال والتدخل في شؤونها الداخلية. ولمواجهة هذه المخاطر، لم يكن أمام الدول حديثة الاستقلال إلا المطالبة بأسس جديدة للعلاقات الدولية تضع نهاية للسيطرة والهيمنة الأجنبية بمختلف أنواعها وأشكالها، حتى تتمكن من فرض وجودها على الساحة الدولية وتحرير المزيد من المستعمرات، وقد كانت محاولات التضامن بين شعوب هذه الدول منذ زمن بعيد، لكن هذه المحاولات لم تتبلور بشكل منظم وواضح إلا مع ظهور الحركة التحررية التي اجتاحت المستعمرات في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وتعددت اللقاءات الإقليمية الهادفة إلى توحيد الصف، وتوطيد العلاقات فيما بين الشعوب، حتى بدأت تتضح معالم التعاون الأفرو ـ آسيوي بعد انعقاد مؤتمر كولومبو عام 1954م، وبالرغم من أن التضامن الأفرو ـ آسيوي لم يكن ظاهرة حديثة، إلا أن هذا التضامن يستند إلى جذور عميقة في التاريخ، تتمثل في قيام حضارات وثقافات أفرو ـ آسيوية عرفتها شعوب القارتين في كل من وادي النيل ووادي دجلة والفرات وشبه الجزيرة العربية، وكذلك في الهند والصين وأفريقيا، حيث قامت في هذه المناطق حضارات وثقافات عريقة0

ولقد أثرت وتأثرت هذه الحضارات ببعضها البعض، ويفسر ذلك ظهور التضامن الأفرو آسيوي في هاتين القارتين، ولم تتوقف الحركة النضالية الأفرو ـ آسيوية عند مجرد عقد المؤتمرات الإقليمية، ولقد مرت محاولات التعاون الأفرو ـ آسيوية بعدة مراحل تمثلت في الآتي:

أولاً: مرحلة ما قبل مؤتمر باندونج:

عقدت عدة اجتماعات ومؤتمرات دولية في باريس عام 1920م، وفي لندن عام 1923م، ضمت ممثلين من شعوب إفريقيا وآسيا المضطهدة ، إلا أن ثورة أكتوبر الاشتراكية عام 1917م، كانت من أهم عوامل بلورة هذا التوجه المناهض للاستعمار وتحرر شعوب العالم الثالث، وكان مؤتمر باكو عام 1920م، ومؤتمر إركوتسك عام 1921م، قد مهدا لإنشاء رابطة مناهضة للإمبريالية عام 1924م، التي بادرت إلى الدعوة لعقد المؤتمر الأول للشعوب المقهورة في موسكو، وفي عام 1927م عقد مؤتمر بروكسل الذي شمل أول تعبير لفكرة عدم الانحياز، كذلك عقدت عدة مؤتمرات في الفترة ما بين الحربين العالميتين في القاهرة ومكة المكرمة عام 1926م، وفي مدينة القدس عام 1931م، وقد أدانت هذه المؤتمرات الاستعمار بكافة أشكاله.

ثانياً: مرحلة بعد الحرب العالمية الثانية:

كان نشأة جامعة الدول العربية عام 1945م، التي سبقها بروتوكول الإسكندرية وانعقاد المؤتمر العربي في القاهرة عام 1944م بمثابة خطوة أساسية نحو الأفرو ـ آسيوية، وفي الهند كان انعقاد مؤتمر العلاقات الآسيوية في نيودلهي عام 1947م، الذي حضره أكثر من 25 دولة آسيوية بهدف مكافحة الاستعمار، ويعتبر هذا المؤتمر خطوة تجاه بلورة التوجه التعاوني الأفريقي ـ الآسيوي، وخلال عام 1949م تشكلت في الأمم المتحدة كتلة من حوالي 12 دولة أطلق عليها في البداية المجموعة العربية ـ الآسيوية، ثم بعد انضمام مصر وأثيوبيا إلى المجموعة أصبحت تعرف بالكتلة الأفرو ـ آسيوية، وكانت هذه المجموعة تحاول انتهاج سياسة محايدة بين الكتلتين.

ثالثاً: مؤتمر باندونج عام 1955:

هو أول مؤتمر لتأسيس الحركة الأفرو ـ آسيوية كظاهرة مناهضة للاستعمار في باندونج بإندونيسيا وكان أبرز المشاركين فيه الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر، والزعيم الهندي جواهر لال نهرو Jawaharlal Nehru، والرئيس الإندونيسي أحمد سوكارنو Ahmed Sukarno، والسياسي الصيني شو إن لاي Chou En Lay[1]، ولقد أخذت التوجهات التعاونية الأفرو ـ آسيوية مدلولاً جديداً مع ظهور سياسة عدم الانحياز حتى كان مؤتمر القاهرة عام 1957م، والذي حضرته سبع وأربعون دولة بوفود شعبية غير رسمية، وأصدرت خلاله عدة قرارات أكثر تشدداً تجاه الغرب والاستعمار، وقرر هذا المؤتمر إنشاء أمانة عامة يكون مقرها القاهرة، ويكون هدفها نشر الفكر الأفرو ـ آسيوي التقدمي. وفي عام 1961م انعقد مؤتمر بلجراد بغياب كل من الصين والاتحاد السوفيتي، وتحددت خلاله فكرة عدم الانحياز، ومنذ ذلك التوقيت بدأ اختفاء الحركة الأفرو ـ آسيوية بسبب الصراعات المحلية بين بلدان العالم الثالث نفسها وتبعية العديد من الدول المستقلة للغرب، وقد ساهم ذلك في فقد الحركة لمضمونها الثوري، خاصة بعد تأجيل انعقاد مؤتمر الجزائر عام 1965م لأجل غير مسمى والذي وضع بذلك نهاية لهذه المرحلة، إلا أن معظم دول العالم الثالث بدأت استبدال المؤتمرات الأفرو ـ آسيوية بمؤتمرات دول عدم الانحياز، والتي أخذت تركز جهودها على البعد الاقتصادي للتحرر والاستقلال، وتشجيع حركات التحرر، وطرحت نفسها كممثل للدول الفقيرة في مواجهة الدول الغنية المتقدمة.

في إطار ممارسة الحق الشرعي لشعوب العالم في استقرار الأمن والسلم الدوليين، قامت معظم الدول فرادى أو مجمعة بانتهاج سياسة تكفل لها تحقيق أهدافها وغايتها القومية، وكانت لهذه السياسة سمات متعددة خلال عدة مراحل. فمنذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وفي المرحلة الأولى وخلال السعي لتحقيق التوازن النووي كان الاتجاه الشعبي أكثر ميلاً إلى سياسة عدم التوسط بين القوى الدولية مهما كانت الأسباب والظروف، وفي المرحلة الثانية والتي تحقق فيها توازن دولي قائم على سياسة الانتقام الشامل البعيد المدى، انتهجت معظم دول العالم سياسة الحياد الإيجابي في إطار تبنى توجهات خاصة حيال تصرف بعض الدول في مجال الانتقام بعيد المدى، وفي المرحلة الثالثة والتي تحقق فيها التوازن النووي الكامل، تبنت هذه الدول سياسة عدم الانحياز، تأكيداً على مشاركتها في الحفاظ على السلام العالمي والتعايش السلمي، كأحد الأهداف التي كانت تسعى إلى تحقيقها الدول غير المنحازة، ورغم التفسيرات المختلفة والمتباينة لمفهوم التعايش السلمي إلا أن اتجاهات عدم الانحياز والتعايش السلمي في ظهورها كسياسة جديدة دفعت إليها اعتبارات الحرب الباردة والتكتل العالمي، والصراع بين المعسكرين والأهوال التي تهدد العالم من احتمالات نشوب حرب، تستخدم فيها الأسلحة التقليدية وغير التقليدية.

ولقد أثبتت وقائع ما بعد الحرب العالمية الثانية عجز منظمة الأمم المتحدة في احتواء العديد من المشاكل، كذلك وضح تدخل مجلس الأمن لصالح الدول الكبرى والعظمى، ونتيجة لانحياز مجلس الأمن في مواقفه، وكذلك زيادة حدة الصراع بين المعسكرين الشرقي والغربي، بدأت بعض الدول المستقلة تتجمع تحت شعار الحياد، لتمارس الضغط على الكتلتين بهدف تحقيق السلام والأمن الدوليين، وفي هذا الإطار ظهرت سياسة الحياد الإيجابي وعدم الانحياز، والذي تعددت الآراء حول أشكاله وأقسامه، إلا أنه يوجد اتفاق عام على أن الحياد له أنواع محددة تتمثل في الآتي:

1. الحياد العرضي وهو ما يسمى الحياد بالإرادة المنفردة.

2. الحياد الدائم أو ما يطلق عليه الحياد الاتفاقي.

3. الحياد في حالة الحرب.

4. الحياد الملازم والمكون لكيان الدولة.

5. التحييد كصيغة لاتفاق الكتلتين وهو ما يعرف بالحياد الوسطي.

6. الحياد الإيجابي وعدم الانحياز.

رابعاً: المفاهيم المختلفة للحياد الإيجابي وعدم الانحياز:

إن الحياد الإيجابي من الناحية السياسية هو من صور الحياد، التي ترتب عليها ظهور الحرب الباردة والصراع بين المعسكرين الشرقي والغربي، في محيط العلاقات الدولية عقب الحرب العالمية الثانية، وفي إطار الحياد الإيجابي تتبنى الدولة سياسة محايدة تبعدها عن الحرب الباردة وتكتلاتها، حتى تتمكن من القيام بدور إيجابي تحقق من خلاله تخفيف حدة التوتر الدولي، وفض المنازعات بالطرق السلمية، والدول التي تأخذ بهذه السياسة تلتزم ببذل الجهد للتوفيق بين الأطراف المتصارعة أو المتنازعة، وتؤيد صاحب الحق في قضيته إعمالاً بنظرية الحرب العادلة والحرب الغير عادلة. ورغم اختلاف الأصول الفكرية والمدلولات اللغوية والسياسية للحياد التقليدي القانوني أو الحياد الإيجابي أو عدم الانحياز، إلا أن الهدف واحد وهو الرغبة في اتباع سياسة تبتعد عن النزاعات والحروب.

يوجد تمايز واضح بين الحياد الإيجابي المعاصر والحياد التقليدي القانوني، الذي يقصد به مجموعة القواعد والنظم القانونية الدولية التي تنظم العلاقات فيما بين الدول المتحاربة والدول الغير متحاربة، والذي بموجبه تبقى الدول الغير متحاربة بعيدة عن دائرة الصراع المسلح، وهو ما يطلق عليه حق الحياد، ولقد أرسى مؤتمر فيينا عام 1815م القواعد الأساسية لنظام الحياد، كذلك كان لتطبيق قواعد الحياد من جانب الولايات المتحدة الأمريكية منذ إعلان مبدأ مونرو عام 1823م، وحتى خروجها من عزلتها عام 1917م أثر كبير في تحديد وتطور مفهوم الحياد.

وخلال القرن التاسع عشر كان المعنى المقصود بالحياد هو المعنى العسكري، وقد حُدد بشكل خاص في مؤتمر لاهاي الخامس حول الحقوق والواجبات للدول المحايدة عام 1907م، والذي من خلاله وضعت قواعد الحياد في الحرب البرية والبحرية، وجاء إعلان لندن عام 1909م مكملاً لمؤتمر لاهاي الخامس بتنظيمه للحياد في الحروب البحرية، وقبل بداية الحرب العالمية الأولى تعرضت قواعد الحياد التقليدي القانوني إلى العديد من النقد، حيث لم يلتزم بها عدد كبير من الدول، وخلال الحربين العالميتين الأولى والثانية وضح أهمية تغيير النظام التقليدي للحياد، مما أدى إلى وضع معايير جديدة للحياد والتي تتفق مع مقتضيات ومتطلبات استقرار المجتمع الدولي، حيث لم يعد هناك حق للدولة ذات السيادة في استخدام القوة لحل مشاكلها، وأصبح إعلان الحرب عملاً غير مشروع، وترتب على ذلك مسؤولية دولية تعطي للغير الحق في اتخاذ مواقف معينة، والتمييز بين الأطراف المتحاربة ومعاملتهم وفقاً لمشروعية دعواه وحقوقه. ومن هذا المنطلق ظهرت فكرة الحياد الإيجابي الذي تنحاز فيه الدول إلى أحد طرفي النزاع أو الصراع.

واختلفت آراء مؤسسي سياسة الحياد الإيجابي حول المصطلح نفسه، فكان جواهر لال نهرو يعترض على هذا المصطلح، رغم أن الهند منذ استقلالها وهي تأخذ بسياسة الحياد الإيجابي، وكان نهرو يفضل استخدام مصطلح اللاالتزام، ويرجع ذلك إلى تخوفه من مصطلح حياد إذ يعني مدلولها اللغوي اللامبالاة. أما جمال عبدالناصر فكان يفضل استخدام كلا المصطلحين معاً؛ الحياد الإيجابي وعدم الانحياز، وكان يفضل أحياناً مصطلح الحياد الإيجابي، بينما كان الرئيس اليوغسلافي جوزيف بروز تيتو Josip Broz Tito يقتصر استخدامه على مصطلح عدم الانحياز مع تجنبه لاستخدام مصطلح الحياد الإيجابي، إلا أنه رغم اختلاف الأصول الفكرية والمدلولات اللغوية والسياسية لهذه المصطلحات الثلاث المتعلقة بالحياد التقليدي والحياد الإيجابي وعدم الانحياز فإن الهدف في جملته واحد، وهو الرغبة في الابتعاد عن النزاعات والحروب، سواء كانت حروباً كلاسيكية أو حروباً باردة، ومن ثم فإن تعبير الحياد الإيجابي له دلالة قاطعة على شكل الحياد بمعناه وشكله الحديث. وتتحدد مبادئ الحياد الإيجابي في الآتي:

1. عدم المشاركة في الأحلاف العسكرية، كذلك عدم الانحياز إلى أحد أطرافها في إطار الحرب الباردة.

2. التعاون والتعامل مع كلا المعسكرين الشرقي والغربي مع المحافظة على الاستقلال للدول المحايدة.

3. المشاركة في حل المشاكل والأزمات الدولية، مع مساندة الشعوب غير المستقلة وحديثة الاستقلال، ودعم منظمة الأمم المتحدة لتنفيذ قراراتها وإجراءات تنفيذها لصالح هذه الدول.

وفي إطار هذه المبادئ لا يكون هناك اختلاف بين الحياد التقليدي والحياد الإيجابي من حيث الامتناع عن الاشتراك في الصراعات المسلحة، إلا أن الاختلافات الأساسية بينهما تتمثل في أن الحياد التقليدي لا يوجد له دور في التعامل مع الأطراف المتصارعة، بهدف إيجاد الحلول واحتواء الصراع، بينما الحياد الإيجابي يقوم أساساً بالتعاون مع أطراف الصراع لاحتوائه، أما في حالة دعم ومساندة حركات التحرر، فإن دول الحياد الإيجابي ودول عدم الانحياز ملزمة بمساندة كافة حركات التحرر وتكون منحازة لها وتدعمها.

فضلت الدول المشاركة في مؤتمر بلجراد عام 1961م، استخدام مصطلح عدم الانحياز على مصطلح الحياد الإيجابي، الذي يفترض قيام الصراع المسلح، مع تأكيد الرغبة في الابتعاد عن هذا الصراع مهما كانت دوافعه أو طبيعته، أما في حالة تعرض دولة حديثة الاستقلال لاعتداء خارجي ودخولها في صراع مسلح سواء مع إحدى الكتلتين أو دولة منضمة إلى إحداهما، فإن الدول غير المنحازة لا يكون موقفها محايداً، بل تناصر وتساند الدولة حديثة الاستقلال، وبذلك لا يوجد تطابق بين مصطلحي الحياد الإيجابي وعدم الانحياز، سواء من الناحية اللغوية أو من حيث المدلول السياسي، لأن عدم الانحياز في الواقع يمثل جانب من جوانب الحياد الإيجابي، كما أن عدم الانحياز يمثل الناحية السلبية لمنطلق سياسي إيجابي، خاصة وأن مصطلح عدم الانحياز يعكس فكرة تقليدية قديمة، مؤداها رغبة بعض الشعوب في حصر آثار الحرب في مناطق معينة وعدم الاشتراك فيها. وبذلك يعتبر عدم الانحياز من الناحية اللفظية كلمة ناقصة فيما تعبر عنه، فمصطلح عدم الانحياز لا يعني أن الدول التي تتبنى هذه السياسة لا تهدف إلى تجريد نفسها من إمكانيات اتخاذ مواقف

لا تكون منحازة مسبقاً إلى أي منهما، بل انحيازها يكون بعد دراسة وتقييم مسبق للموقف، وبذلك يكون الانحياز كامن لكن تتضح معالمه على أساس كل قضية على حدة، ومن ثم يكون انحياز الدول والحركات الشعبية غير المنحازة تمليه المصلحة الوطنية لهذه الدول والحركات، وبذلك لا يكون هناك عدم انحياز ثابت ومستمر، وإنما توجد مواقف غير منحازة أي حياد إيجابي.

ومن منطلق المفهوم القانوني توجد اختلافات واضحة بين سياستي الحياد وعدم الانحياز، فبعد أن تطور مفهوم الحياد خلال القرنين الثامن والتاسع عشر، وتأكد خلال القرن العشرين، برزت سياسة عدم الانحياز، وكان يطلق عليها الحياد Neutrality وأحياناً Neutralism وأحياناً أخرى أضيف إليها تعبير إيجابي، إلا أن الحياد كمفهوم قانوني قد حُدد في مؤتمر لاهاي عام 1907م، حيث يفترض في الدول المحايدة الامتناع عن المساهمة في أي صراع مسلح، أو تقديم أية مساعدات للأطراف المتحاربة وتتمثل الاختلافات بين سياسة عدم الانحياز والحياد في الآتي:

أ. إن أساس الحياد هو اتفاقات دولية أو قوانين داخلية، أي أنه ينبع من أساس قانوني، في حين أن عدم الانحياز يقوم على اعتبارات سياسية وليست قانونية.

ب. إن الشاغل الأساسي للدول المحايدة هو الحرب، والابتعاد عنها في حالة اندلاعها واتباع سياسة تهيئ لهذا الموقف في حالة السلام، أما عدم الانحياز فهو سياسة شاغلها الرئيسي هو وقت السلم، وفي حالة نشوب الصراع المسلح فإن للدولة حرية اتخاذ قرارها.

ج. إن سياسة الحياد كما ظهرت في أوروبا هي سياسة سلبية في المقام الأول، أما سياسة عدم الانحياز كما تبلورت في العالم الثالث فهي سياسة إيجابية في المقام الأول، حيث اضطلعت بعدة مبادرات لتعزيز السلام وتخفيف حدة التوتر الدولي، وتغيير هيكل النظام السياسي والاقتصادي، فهدف الدول المحايدة هو مجرد الحفاظ على حيادها وقت الحرب، أما هدف الدول غير المنحازة فهو بناء عالم جديد.

د. إن الحياد كمفهوم قانوني يترتب عليه حقوق والتزامات بين الدول المحايدة والدول المتحاربة إزاء بعضها البعض، كما أنه يستلزم اعتراف الدول المتحاربة بحياد دولة ما، وإلا فإن ما يعرف بالحياد المسلح للدفاع عن النفس يمكن أن يظهر في الواقع الفعلي.

خامساً: مفهوم العقيدة الإسلامية للحياد الإيجابي وعدم الانحياز:

يقسم الفقه الإسلامي العالم إلى دار إسلام ودار حرب، ويجمع الفقهاء على أن ما دخل في محيط سلطان الإسلام ونفذت فيه أحكامه وأقيمت شعائره قد صار من دار الإسلام، ووجب على المسلمين في حالة الاعتداء عليه أن يدافعوا عنه وجوباً كفائياً بقدر الحاجة وإلا فوجوبها عينياً[2]، وكانوا كلهم آثمين بتركه، وإن الاستيلاء عليه من جانب أعداؤه لا يرفع عنهم وجوب القتال لاسترداده وإن طال الزمن، وبذلك تضم دار الإسلام كافة الأراضي والبلاد الإسلامية مهما كانت متباعدة، ورعاياها سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، أما دار الحرب، فطبقاً للفقه الإسلامي فهي البلاد التي لا يطبق فيها أحكام الإسلام الدينية والسياسية وليس فيها سلطة إسلامية، ولذلك فهي خارج نطاق السلطة الإسلامية، ولقد خرج الإمام الشافعي رضي الله عنه عن هذا التقسيم الثنائي بإضافة دار ثالثة، وهي الدار التي تتمثل في الدول المحايدة، أي التي لا تعتبر دار إسلام ولكنها لا تعادي دار الإسلام، بل تدفع لها الجزية، كما تعتبر دار حرب، دار العهد، أو دار الصلح، وهي الدار التي قصد بها الأمام الشافعي الدار التي لم يسيطر عليها المسلمون، وعقد أهلها الصلح بينهم وبين المسلمين على شيء يؤدونه في أرضهم يسمى خراجاً، دون أن تؤخذ منهم الجزية لأنهم في غير دار الإسلام، ولقد وضح ذلك خلال الفتوحات الإسلامية في بلاد النوبة وصلح أرمينية وكذلك نجران، فقد عقد رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم صلحاً مع نصارى نجران، أمنهم فيه على حياتهم، وفرض عليهم خراج وقيل أنها جزية.

ورغم اختلاف الفقهاء حول تقسيم العالم، حيث يعتقد بعضهم بعدم وجود ما يسمى بالحياد في الإسلام، والواقع أن الحياد كنظام سياسي قانوني من خصائص سيادة الدولة ولم يعرف إلا حديثاً، إلا أن من دراسة الفقه الإسلامي يظهر وجود فكرة لمبدأ الحياد، تشبه إلى حد كبير نظام الحياد الحالي حيث يوجد حالات حياد من الناحية التاريخية الإسلامية، قائمة على أساس اعتبارات عملية تكون قسماً مستقلاً من العالم يسمى دار الحياد أو عالم الحياد، وهي البلاد التي يوافق العالم على إعفائها من ال وهذا يختلف عن حياد اليوم، وبذلك يكون الحياد المفروض هو الشكل الوحيد من الحياد المسموح به في الإسلام، ويتمثل ذلك في حالة إثيوبيا الحيادية حيث لم يعتبر المسلمون الحبشة سابقاً دار حرب، نظراً للعلاقات الحسنة التي كانت قائمة بين المسلمين الأوائل والأحباش، فقد وفر النجاشي الحماية للمهاجرين إليه من المسلمين من بطش قريش، كما أحسن الرد على كتاب النبي محمد عليه الصلاة والسلام، الذي دعاه فيه إلى الإسلام فأسلم، ومن ثم فإنه لا يمكن اعتبار بلاد الحبشة من دار الإسلام حيث لم تكن أحكام الإسلام مطبقة فيها، كذلك لم تكن دار حرب لمواءمة الإسلام لها، كذلك لا يمكن أن يطلق عليها دار حياد، ولكن يوجد حالة مغايرة لأحكام دار الحرب ودار الإسلام معاً، وخير ما يمكن الاستشهاد به ما جاء في القرآن ]وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ[ w (سورة الحجرات، الآية 9). ومن هذه الآية الكريمة يبدو أن الخطاب الموجه إلى الدول التي تقف بعيداً عن الخلافات والنزاعات ويرسم لها الإسلام دوراً محدداً، ولعل هذا الدور الذي حدده الإسلام سابقاً وفي إطار المتغيرات العالمية من تكتلات وأحلاف، فإن أفضل ما يمثله هو الحياد الإيجابي وعدم الانحياز.

سادساً: أيديولوجية القومية العربية وسياسة الحياد الإيجابي وعدم الانحياز:

تستند القومية العربية في مجالها السياسي إلى مبدأي الاستقلال والوحدة كذلك تقوم على سياسة مستقلة تنبع من مصلحة الأمة العربية ذاتها، وتلك هي سياسة الحياد الإيجابي وعدم الانحياز إلى أي من الكتلتين الغربية أو الشرقية، ويرتبط بذلك المشاركة الإيجابية من أجل تحقيق السلام، وإقرار مبدأ التعايش السلمي بين دول العالم، مهما اختلفت العقائد والمذاهب بينها، وكذلك فإن القومية العربية باعتبارها قومية متحررة فهي قومية محررة في الوقت نفسه، من حيث إنها لا تعمل على التحرر من الاستعمار في الدائرة العربية فحسب، وإنما تحمل مسؤوليات تجاه حركات التحرر في العالم ـ خاصة في الدائرة الأفريقية، وما يتطلب ذلك من مناهضة الاستعمار حينما وجد. ومن خلال اختلاف مفهوم الحياد الإيجابي عن مفهوم الحياد المطلق، فالحياد الإيجابي الذي يعتبر إحدى القواعد الدولية في بناء المذهب القومي العربي يقوم على مبدأين أساسيين هما عدم الانزلاق أو الانحياز إلى أي من الكتلتين الدوليتين المتناهضتين والتعايش السلمي مع الجميع، والمبدأ الثاني إيجاد قاعدة ارتكاز أو جبهة عدم انحياز تحقق التوازن الدولي، بمشاركتها في حل المشكلات الدولية حلاً سلمياً، وتخفيف حدة الصراع الدولي، فالقومية العربية حين نادت بمبدأ وسياسة الحياد الإيجابي لا تعني أن يكون حياداً انفرادياً، وإنما تعني حياداً تحتفظ فيه بحرية حركتها وزيادة فعاليتها وإيجابيتها في إنكار سياسة الاعتداء، ومواجهة التنافس بين الكتلتين الهادف إلى السيطرة على الدول المختلفة، والعمل من جهة أخرى على نصرة قضايا الشعوب الساعية إلى تحررها، فلا يمكن أن يكون هناك حياد بين القومية والاستعمار، ولا بين التعاون القائم على أساس من عدم الاحترام المتبادل، وكذلك مع الاستغلال القائم على أسس غير متكافئة وفرض الهيمنة والسيطرة. والقومية العربية بمقوماتها وأهدافها ومنهجها تحقق فكرة التعاون الدولي والتفاهم الدولي في إطار مبادئ أساسية هي:

1. احترام الاستقلال السياسي لكل دولة، ومراعاة العدالة الإقليمية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.

2. حق كل دولة في اختيار ما تراه صالحاً لها من النظم السياسية والاقتصادية.

ويعتبر حزب البعث العربي الاشتراكي السوري أول حركة سياسية عربية قومية نادت بسياسة الحياد الإيجابي، حيث كان يعترض الحزب على سياسة الأحزاب الشيوعية التي تنادي بالوقوف اللا مشروط إلى جانب الكتلة الشرقية، كما كان يعارض الأحزاب اليمينية والدينية في مناداتها بالوقوف إلى جانب الكتلة الغربية، تحت ستار محاربة الزحف الشيوعي، ولقد حدد حزب البعث العربي الاشتراكي السوري مفهومه عن الحياد الإيجابي خلال المؤتمر القومي الثالث في عام 1959م، والذي تمثل في الآتي:

أ. الحياد الإيجابي هو طريق العرب إلى حماية جبهتهم الوطنية الداخلية، ولنجاح ثورتهم، ومكافحة السيطرة الاستعمارية والتسلط الأجنبي، فالتبعية لأحد المعسكرين الدوليين تؤدي إلى تفسخ هذه الجبهة وإخضاع الثورة العربية لتيارات الحرب الباردة.

ب. الحياد الإيجابي هو طريق العرب إلى ربط ثورتهم بالثورة التحررية المتعاظمة في آسيا وأفريقيا.

ج. الحياد الإيجابي هو طريق العرب للمساهمة في تخفيف حدة التوتر الدولي وإقرار التعايش السلمي، وإبعاد شبح الحرب نهائياً، فالحياد الإيجابي بتكوينه قوى شعبية ضخمة ترفض التبعية، وفكرة اقتسام العالم بين المعسكرين، كما أن فكرة الحياد الإيجابي تخفف من حدة هذا الانقسام، ويوجد منطقة سلام منيعة واسعة تساعد كل معسكر على مواجهة أزمته وتصحيح أوضاعه، وتفرز ظروف التعايش والتقدم الإنساني السلمي.

******************************

[1] يكتب الاسم في بعض المراجع هكذا: Zhou Enlai .

[2] فرض الكفاية يعني إن قام به البعض سقط عن الآخرين إلا في حالة الاحتياج فإنه يكون واجب على الجميع. أما فرض العين فيجب على كل مسلم أن يفعله وإن لم يفعله فهو آثم.

 
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معلومات العضو
لالة بتينة

لالة بتينة

Admin

Admin
معلومات إضافية
كيف تعرفت علينا : غيره
الجنس : ounta
المهن : jami3i
الهواية : rkoub elkhayl
المزاج : ray9
الدولة : france
عدد المساهمات : 4981
تاريخ التسجيل : 14/05/2012
معلومات الاتصال
http://www.lalaboutayna.com/
مُساهمةموضوع: رد: حركة عدم الانحياز   حركة عدم الانحياز I_icon_minitimeالأحد يونيو 02, 2013 5:26 pm


المبحث الثاني


نشأة حركة عدم الانحياز وتطورها التاريخي


نشأت حركة عدم الانحياز في ظل ظروف متعددة ومتغيرة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، حيث اشتدت حدة التنافس والصراع بهدف فرض النفوذ، وظهرت الحرب الباردة خلال نهاية عقد الخمسينيات وبداية عقد الستينيات، وكان للتيارات الفكرية والفلسفية التي سادت بعض مناطق العالم لها تأثير واضح على ظهور الحركة الأفرو ـ آسيوية وحركة عدم الانحياز، حيث بدأت تتضح المعالم السياسية والأيديولوجية لهاتين الحركتين، ولقد ساهمت المؤتمرات القارية سواء كانت مؤتمرات آسيوية أو مؤتمرات أفريقية، في إرساء الأسس السياسية للحياد الإيجابي وعدم الانحياز (أُنظر جدول مؤتمرات دول قارتي آسيا وأفريقيا قبل انعقاد مؤتمر باندونج)، حتى انعقاد مؤتمر باندونج بعد أن أدركت شعوب القارتين بأنها تعاني من مشاكل واحدة ومعبرها واحد وتواجه عدو واحد، ولقد تعددت المؤتمرات القارية التي سبقت مؤتمر باندونج، الذي يعتبر نهاية لمرحلة المؤتمرات الإقليمية محدودة العدد والمحصورة في إطار القارة الواحدة، وهي في أغلبها مؤتمرات آسيوية، بسبب محدودية الدول الأفريقية المستقلة خلال فترة الأربعينيات، وبصفة عامة اتسمت هذه المؤتمرات بعدة ظواهر تمثلت في الآتي:

1. محدودية عدد الدول المشاركة، وهو ما يعكس الاهتمام الإقليمي أكثر من الاهتمام العالمي، وكانت معظم الدول المتواجدة دول آسيوية. كذلك كانت بعض الدول منتظمة في حضور هذه المؤتمرات، والبعض الآخر كان متغير وفقاً لأهمية وأهداف المؤتمر.

2. تحددت أهداف المؤتمر في مناقشة قضية أساسية واحدة، كان منها قضايا حرب الهند الصينية وقضية إندونيسيا، وكذلك قضايا التفرقة العنصرية والاستعمار الغربي.

3. لم يكن لمعظم الدول الآسيوية ميولاً كبيرة لإقامة تنظيمات إقليمية، ويرجع ذلك لرغبتها في إيجاد دوراً فاعلاً في السياسيات العالمية، وبالتالي كان حضورها لتحقيق هذا الهدف.

4. كانت معظم الدول الأفريقية ذات نشأة حديثة، ولذلك كانت نظرتها إلى الوحدة الأفريقية تفوق في جديتها نظرتها إلى الاجتماعات والمؤتمرات الأفرو ـ آسيوية.

بدأت مرحلة التضامن الأفرو ـ آسيوي في إطار سياسة التشاور والتقارب بين الشعوب والدول في قارتي آسيا وأفريقيا، بهدف تحقيق التعاون على كافة المستويات، ومكافحة الاستعمار، وتأييد حق الشعوب في تقرير مصيرها، ولقد تعزز هذا التضامن في مؤتمر باندونج عام 1955، وأخذت الشعوب الآسيوية ـ الأفريقية على عاتقها مهمة تدعيم هذا التضامن، فأنشئت منظمة هي منظمة تضامن الشعوب الأفريقية ـ الآسيوية، وأقامت لها أمانة عامة، وعقدت مؤتمراتها في القاهرة عام 1957م، وكوناكري عام 1960م، وتنزانيا عام 1963م، وغانا عام 1965م، وعلى الرغم من الأهمية التاريخية لبدايات التضامن الآسيوي ـ الأفريقي فإنه حقق أهدافه عندما تجاوز حدوده الإقليمية، وتجسد في حركة عدم الانحياز وتضامن دول القارات الثلاث بدخول دول أمريكا اللاتينية. لكن وضح منذ تأسيس منظمة تضامن الشعوب الأفريقية ـ الأسيوية عام 1957م، تأثير الاتحاد السوفيتي والصين عليها، ومع زيادة حدة الخلاف الصيني ـ السوفيتي والصراعات المحلية بين بلدان العالم الثالث نفسها وتبعية العديد من هذه البلدان المستقلة حديثاً شكلياً للغرب، قد ساهم في التأثير على فكرة التضامن الأفرو ـ آسيوي وتفريغها من مضمونها، وكان تأجيل انعقاد مؤتمر الجزائر عام 1965م لأجل غير مسمى قد وضع حداً لهذه المرحلة، حيث اتجهت معظم دول العالم الثالث لاستبدال المؤتمرات الأفرو ـ آسيوية بمؤتمرات بلدان عدم الانحياز.

أولاً: الأسباب المنطقية لسياسة عدم الانحياز:

1. بدأت معالم سياسة عدم الانحياز تتضح في ظل متغيرات عالمية، وضح خلالها زيادة انتشار التوجهات الاشتراكية والشيوعية بينما اختفت الإمبراطوريات الاستعمارية الغربية، ومن ثم تحتم على الغرب بصفة عامة والولايات المتحدة الأمريكية بصفة خاصة السعي لإيقاف انتشار التوجهات الشيوعية. إلا أنه كان هناك رفض واضح للدول المستقلة حديثاً للانضمام إلى الأحلاف المختلفة في توجهاتها، ويرجع ذلك لرغبتها في أن تظل في منأى عن المنازعات، إلا في الحالات التي يطلب إليها أن تتدخل فيها كوسيط، كما أنها رغبت في الابتعاد عن اشتباكات الحرب الباردة، فقد كان هناك في السابق شكلان للسياسة المناهضة للأحلاف، إلا أن سياسة الحياد قد أضافت شكل ثالث مما يؤكد تزايد العداء تجاه الأحلاف بصفة عامة، فكان الشكل الأول المناوئ للأحلاف يقضي بمناهضة أي تحالف مع بلاد معينة، وإن كان يؤيد أو يتسامح مع سياسة الأحلاف بصورة عامة، حيث كان الرفض لحلف بالذات مع إمكانية توسيع نطاق البحث عن حلفاء لتعبئتهم ضد أعدائها. ويقضي الشكل الثاني من السياسات المناوئة للأحلاف بالامتناع عن الدخول في أي حلف مهما كان شكله، ويمكن اتباع هذه السياسة بعد دراسات تشمل الموازنة بين السلبيات والإيجابيات التي قد تتحقق باتباع أي سياسات أخرى، وهذا ما تتبعه دول الحياد التقليدية، ولا تتطلب هذه السياسة في الواقع أن تعارض الدولة التي تتبعها في وجود الأحلاف بين الدول الأخرى، أما الشكل الثالث من الحياد المناوئ للأحلاف فيقوم على معارضة أية تحالفات تعقد حتى ولو كانت بين دول أخرى، وحتى إن لم يكن لا شأن لها بها، حيث ترى أن التنافس على الحلفاء قد يكون سبباً في التوتر الدولي، ومن ثم الوصول إلى حالة الصراع المسلح، خاصة وأن التحالفات تضاعف مجموع القوى وتشجع على استخدامها وتحرض على سباق التسلح، والذي ينعكس بالقطع على معدلات التنمية الداخلية، ولما كانت الأحلاف تقوم على الاشتراك في العداء وليس في الصداقة، فإنها تميل في الغالب إلى التفكك والتمزق، وآنذاك تصبح الحرب وسيلة للحيلولة دون هذا التفكك بين أعضاء الحلف، فإذا كانت سياسة الأحلاف لها انعكاساتها على سياسة الدولة الخارجية، فإنها تؤثر كذلك على الأوضاع الداخلية، ومن ثم فإن تبنى سياسة عدم الانحياز يقوم عل ضوء التقديرات العقلانية للأوضاع التي يتطلبها الأمن القومي والاستقرار الداخلي.

2. لقد تعددت دوافع اتباع سياسة عدم الانحياز، فمع زيادة الصراعات الدولية زاد تخوف الدول الصغرى حديثة الاستقلال من أن تجرفها سياسة الأحلاف إلى اكتساب أعداء جدد، ومما لاشك فيه أن الثمن السياسي للحلف يصبح كبيراً عندما يتجاوز نطاق التفاهم الأولى مع الحليف، ويصل إلى حد اكتساب عداء أعدائه كذلك، ولقد وجدت دول الحياد ودول عدم الانحياز أن تبنيها لفكر مناهض للأحلاف كان في إطار الفكرة الحيادية، التي تؤكد على عدم إمكانية الدول النامية حديثة الاستقلال من خلال جهودها الفردية أو الجماعية في تحقيق أمنها وسلامتها، وخاصة ضد أسلحة الدمار الشامل، وبذلك يكون التضامن الذاتي للدول التي تتبنى سياسة عدم الانحياز في معارضتها للدول العظمى للتحالف معها هو في حد ذاته حلف فعال في الأجواء النووية المحيطة لها. كذلك رأت الدول حديثة الاستقلال التي عملت ضد سياسة الأحلاف أنه يوجد علاقة تربط بين سياسة الأحلاف الغربية وبين الاستعمار الغربي، حيث رأت أن الغرب كان يسعى لإقامة أحلاف تربط بينه وبين الدول التي كانت تستعمرها، وقد تشمل دول لم تكن من المستعمرات في السابق، ومن ثم فإن هذه الأحلاف ستكون صورة جديدة للاستعمار، الذي سيجعل الوجود الغربي دائماً وأزلياً، ولذلك كانت معظم التوجهات والرؤى للدول الحديثة الاستقلال أن أخطار الأحلاف الاستعمارية الجديدة قد تهدد بصورة غير مباشرة كافة دول المنطقة.

3. أدى افتراض تحقيق النصر في الحرب الباردة إلى زيادة الشعور ضد الانحياز، حيث وضح أن معظم حركات التحرر الاستقلالية نجحت إلى حد كبير بسبب الحرب العالمية الثانية التي منيت خلالها الدول الغربية بهزائم أولية، ولكنها تمكنت من الانتصار، وقد أكد ذلك للحياديين إمكان انتصار الغرب على الكتلة الشرقية في النهاية ولذا فهو ليس في حاجة إلى أية مساعدة، ومن ثم أصبح لزاماً على الدول التي نالت استقلالها بعد الحرب العالمية الثانية أن تستخدم نفس أساليبها في نيل استقلالها، حتى تثبت دعائم هذا الاستقلال وتأكيده. ومن ثم كان تفهم الدول حديثة الاستقلال بخطورة الحرب الباردة والتي هي في الأصل بديلاً عن الحرب العالمية الثالثة والتي كانت في صورة تنافس اقتصادي أثرت على بناء الدول النامية.

4. وكان إعلان العديد من قادة دول عدم الانحياز عن خوفهم من السيطرة الشيوعية، وكذلك سخطهم على الإرهاب النووي السوفيتي جزءاً لا يتجزأ من سياسة عدم الانحياز، ومن ثم دفعهم هذا الخوف إلى الحيطة والحذر وكان سبباً واضحاً من أسباب المواقف اللا انحيازية، لكن انعدام الخوف يمكن أن يكون كذلك سبباً من أسباب اللا انحياز، خاصة عندما يكون الابتعاد عن الكتلة الشيوعية أحد العوامل التي تحقق المناعة من مخاطرها، ومن ثم فإن جوانب كثيرة من العقائد الحيادية في الأمن الدولي ترتكز إلى درجة متفائلة من الثقة في الحماية الذاتية.

5. وفي إطار ميل العديد من الدول حديثة الاستقلال إلى تدويل سياساتها الخارجية، على غرار التركيب الحزبي الداخلي التي كانت تتحالف مع مختلف القوى الخارجية وتتلقى العون المادي والمعنوي منها، فإن سياسات عدم الانحياز والحياد الإيجابي ليست إلا من وسائل المعارضة لمثل هذه الاتجاهات، ومن المفروض أن يؤدي عدم الانحياز إلى تعزيز الوضع الدولي للدولة، ومن ثم إلى تقوية السلطة الداخلية لنظام الحكم، كما تؤدي هذه السياسة كذلك إلى تحقيق الاستقرار على المدى القصير، ويستهوي الأساس اللاانحيازي الأحزاب الوطنية والتقليدية، كما يعمل على عزل الصراعات الحزبية والإقليمية في البلاد عن مشاكل التدخل الخارجي، وكلما كانت المتاعب الداخلية أكثر حدة زاد الميل إلى تجاوز حدود عدم الانحياز إلى سياسة الحياد النضالي، ومما لاشك فيه أن الخوف من الانقسامات الداخلية هو أحد الأسباب في تنمية الروح النضالية التي تسيطر على حكومات الدول الحديثة التي لم تتعزز وحدتها الداخلية بعد، ويوفر الحياد كسياسة خارجية فعالة محوراً للتماسك الداخلي، كما يحد من المعارضة الداخلية للحكومات، يضاف إلى ذلك أن سياسة الحياد النضالي كانت تستهوي الكثير من الدول الحديثة كرد فعل طبيعي لتبعية أيام الاستعمار السابقة.

ثانياً: رؤية الزعامات التاريخية لسياسة عدم الانحياز:

لم يكن العداء الاستعماري إلا رد فعل سياسي ونفسي للسيطرة السياسية الأوروبية السابقة والتسلط الاقتصادي، فكان تمجيداً للاستقلال الذي تحقق، وكذلك مطالبة بالحرية والاستقلال للدول التي مازالت تعاني من التبعية للاستعمار، أما في الإطار الأفريقي ـ الآسيوي كان انعكاساً لصراع سياسي ومذهبي يتحتم خلاله أن يتعزز الموقف بين الانحياز وعدم الانحياز، وكذلك موقفها من الحرب الباردة التي اعتبرها الزعماء التاريخيين لسياسة عدم الانحياز، جمال عبدالناصر وجواهر لال نهرو والسياسي الغاني كوامي نكروما Kwame Nkrumah أنها لا تقل خطورة عن الاستعمار، وقد اختار كل منهم سياسة عدم الانحياز لرغبته في الاحتفاظ باستقلال بلاده وحيادها الذي لا يميل إلى الكتلة الشيوعية ولا إلى التحالف الغربي، ولقد رأى الزعماء التاريخيين لسياسة عدم الانحياز التي تعبر عن مصلحة ذاتية متفتحة، تحقق العديد من المزايا للدول الغير منحازة على الصعيد العسكري تتمثل في الآتي:

1. تضمن سياسة عدم الانحياز الحرية السياسية والاستقلال، كما تسهم في تعزيز المكانة الوطنية.

2. تتيح سياسة عدم الانحياز حرية العمل، بعكس الانتماء إلى الأحلاف التي تحد من هذه الحرية.

3. تحقق سياسة عدم الانحياز الابتعاد عن التورط في الصراعات الكبرى التي تعنيها.

4. يزيد الانحياز من المشاكل المحلية الداخلية ويجعلها عسيرة الحل.

5. تحول الأحلاف بما تنطوي عليه من التزامات عسكرية، عن متطلبات التنمية الاقتصادية الضرورية والملحة، في إطار موارد محدودة لدى الدول حديثة الاستقلال.

6. تكون الدول اللا منحازة في موقف أفضل يمكنها من تقبل أو تطلب العون الاقتصادي من طرفي الصراع في الحرب الباردة.

رغم أن زعماء حركة عدم الانحياز يعللون اتباعهم لهذه السياسة بمقتضيات الحاجة والمصلحة القومية، والمبادئ الأخلاقية السامية، ويؤكد كل منهم أن الرغبة في عدم الانحياز هي ثمرة طبيعية لتاريخ شعبه المميز، كما يعترفوا بأن متطلبات السياسات العالمية والاهتمام بالمصالح القومية تشير كلها إلى أن سياسة عدم الانحياز هي أفضل السياسات، إلا أنهم لم يتشابهوا كل التشابه في تقديراتهم لسياسة عدم الانحياز، فكان نهرو يميل إلى تبرير سياسته على صعيد المبادئ الأخلاقية العالمية الشمولية، لا على صعيد المصالح القومية، أما عبدالناصر ونكروما فكانا أقل ميلاً إلى مثل هذا التبرير، حيث أكد كل منهما على أن سياسة عدم الانحياز وتأييدهما للتعايش السلمي سيؤثران على أوضاع الصراع بين الشرق والغرب، ويحدان من احتمالات الحرب النووية، بل وتضع حداً كبيراً للحرب الباردة.

حدد زعماء حركة عدم الانحياز أربعة أهداف أساسية يسعون لتحقيقها هي تثبيت دعائم استقلالهم السياسي، والقضاء على الاستعمار الأوروبي، وتنمية اقتصادهم الوطني، والقيام بدور خاص إما فرادى أو مجتمعين في محاولة لتسوية الصراعات بين الدول الكبرى، وقد تعرضت سياسة عدم الانحياز لعدة اختبارات وإن كان تطبيقها قد تأثر ببعض الأحداث، إلا أن الزعماء الثلاثة قد استمروا على سياستهم الحيادية، وكان كل منهم يؤمن بأن نظريته قد باتت عميقة الجذور، بحيث تمكنه من دعم سياساته المتبدلة، التي كان يرسمها أحياناً لمواجهة الظروف السريعة التغيير والتحول على الساحة الدولية. وقد كان نهرو أكثر اهتماماً من عبدالناصر ونكروما باحتواء الأخطار الناجمة عن الاستقطاب النووي، إلا أنهما قاما بتأييد جهوده السلمية في الأمم المتحدة، ويعتبر نهرو من المنفذين لسياسة الوساطة كأسلوب أمثل لحل المشاكل العالمية واحتواء منازعات الحرب الباردة، أما عن نكروما فإنه لا يؤيد كثيراً قيام دول عدم الانحياز بدور الوساطة في الحرب الباردة، ولكن طالب بإيجاد قوة ثالثة غير نووية تضم دول عدم الانحياز، وتعمل كقوة عازلة للحروب بين الكتلتين الشرقية والغربية، وكان يرى أنه على الكتلة الثالثة التي تضم الدول الأفريقية والآسيوية أن تدعم القضايا التي تعزز السلام والأمن الدوليين، وأن تقوم بالضغط الأوروبي على الكتلتين الرئيسيتين لمنعهما من دفع الدول المختلفة إلى حرب مفجعة، ويعارض نهرو، نكروما في تكوين قوة ثالثة منظمة، حيث كان يعتبر نفسه الفاعل الأساسي والناطق الرئيسي باسم تجمع حيادي طارئ ويتعمد الإبقاء عليه غامضاً، كما إن عبدالناصر لم يظهر اهتماماً كبيراً باقتراح نكروما الخاص بتكوين قوة ثالثة أو بجهود نهرو للوساطة لاحتواء الحرب الباردة، إذ أن اهتمامه كان منصرفاً إلى قضايا أخرى أكثر صلة ببلاده، وكان يعارض تكوين كتلة حيادية ويطالب بتطبيق سياسة عدم الانحياز أولاً، قبل أن يصبح العالم ثلاث كتل بدلاً من اثنتين.

عارض كل من نهرو وعبد الناصر ونكروما النشاط العسكري الذي ينطوي على المواثيق والتعاون العسكري، فلقد رأى نهرو أن المواثيق العسكرية في كافة صورها تؤدي إلى زيادة التوتر والمخاوف، ولذلك كان يعارض جميع الأحلاف العسكرية بما فيها حلف شمال الأطلسي، وحلف جنوب شرق آسيا، وحلف بغداد، وحلف وارسو، والميثاق السوفيتي ـ الصيني، كما عارض سباق التسلح والمنافسات بين الدول الكبرى، كما أكد عبدالناصر على أن سياسة الكتل والمواثيق العسكرية تؤدي في النهاية إلى سباق تسلح، يخلق مزيد من التوتر، لذلك فإنه عارض حلف بغداد، حيث طالب بأنه إذا كان لابد من عقد مواثيق دفاعية في العالم العربي، فإن هذه المواثيق يجب أن تكون عربية خالصة. كما كان يصر نكروما على أن سياسة الكتل والمنافسات ستزيد حدة الخلافات الدولية وكان يحذر الدول الأفريقية من الدخول في مواثيق دفاعية مع دول خارجية، لأن ذلك يهدد الوحدة الأفريقية وينقل ساحة الحرب الباردة إلى القارة الأفريقية.

أجمع أبرز زعماء عدم الانحياز الثلاثة على معارضتهم للتسلح النووي، وتأييدهم لاقتراحات نزع السلاح، وبالرغم من أن الآراء المتعلقة بنزع السلاح والتي أعلنوها في دورة الأمم المتحدة عام 1960م، كانت تتفق بصورة عامة مع مواقفهم، حيث أيد نهرو عقد اتفاق على منع التجارب النووية كما طالب عبدالناصر بوضع حد لهذه التجارب مع إيجاد نظام للإشراف والمراقبة يؤدي إلى تحقيق السلام والأمن الدوليين، كما دعا إلى الخفض المستمر في نفقات التسليح. كما أكد نكروما على النتائج الاقتصادية السلبية الناجمة عن سباق التسليح والدور الذي تستطيع دول عدم الانحياز أن تؤديه في مجال الإشراف على التسليح ومراقبته.

من تحليل آراء نهرو وعبد الناصر ونكروما في سياسة عدم الانحياز نجد أنها تميزت بعدة خصائص أثرت على السياسات الخارجية لكل من الهند ومصر وغانا في الآتي:

أ. كانت القومية هي الهدف الأساسي لجميع دول عدم الانحياز، حيث كانت تسعى لبناء دولة قومية قادرة على توطيد استقلالها السياسي وتأمين تنميتها الاقتصادية، ولذلك كان النضال الأساسي لدول عدم الانحياز هو صراع بين القومية والاستعمار، وليس الصراع بين المعسكر الشرقي والغربي، حيث كان يعتبر الاستعمار هو الخطر الرئيسي الذي يهدد مصالحها وأهدافها.

ب. لم تكن سياسة عدم الانحياز إلا انعكاس للحرب الباردة، حيث عملت دول عدم الانحياز على نشأة كتلة ثالثة تمثلت في الحياد الأفرو ـ آسيوي، خاصة بعد تأثر السياسات الخارجية للدول الحديثة الاستقلال بالماضي الاستعماري من جانب، وبالحرب الباردة من جانب آخر، إلا أن بعض الدول كان لها ميلاً واضحاً إلى جانب المعسكر الشرقي، على حين تميل دول أخرى إلى جانب المعسكر الغربي.

ج. وضح اقتناع قادة الدول الحديثة الاستقلال ذات التوجهات اللاانحيازية أن هذه السياسة هي المثلى لتحقيق مصالحهم القومية، وعلى الرغم من أن زعماء حركة عدم الانحياز نهرو ـ عبدالناصر ـ نكروما يعترفون بأن الحكمة والحاجة تمليان السياسة الحيادية، إلا أنهم كانوا يفسرون دائماً عدم انحيازهم في السياسات الخارجية والداخلية ويبررونه على صعيد المبادئ الأخلاقية السامية وأن هذه السياسة هي السبيل الأمثل لإسهام بلادهم في السلام العالمي.

د. رغم انعكاس آثار الحرب الباردة على معظم الدول، ومنها دول عدم الانحياز، إلا أن بعضها تمكن من تحقيق نفعاً محدوداً على المدى القصير، حيث تلقت بعض المعونات الاقتصادية من المعسكرين الشرقي والغربي، ولو لم تكن هناك حرب باردة، لكانت المساعدات التي تلقتها دول عدم الانحياز أقل بكثير مما حصلت عليه فعلاً. كما أن بعض دول عدم الانحياز استطاعت التمتع بميزة اقتصادية من جراء عدم ارتباطها العسكري بأي من الكتلتين، إذ أن بقاءها غير منحازة أدت إلى خفض نفقاتها العسكرية.

هـ. كان إسهام دول عدم الانحياز في الحفاظ على السلام العالمي والاستقرار محدوداً بعض الشيء، حيث لم يكن هناك جهوداً للتوسط في خلافات الدول الكبرى بفاعلية إلا عندما تكون الدول الكبرى راغبة في تسوية خلافاتها، حيث كان يجري التوصل إلى اتفاق من طريق الوسائل الدبلوماسية العادية دون الحاجة إلى وساطة، ويتحدد بذلك دور دول عدم الانحياز بالمشاركة في فرق المراقبة الدولية التابعة للأمم المتحدة.

و. كانت تتوقف درجة وحدة الكتلة الأفرو ـ آسيوية في سياستها الخارجية ضمن كتلة عدم الانحياز على أبعاد المشكلة المعروضة، حيث كانت تقترع هذه الدول كثيراً في الأمم المتحدة ككتلة واحدة لأنها كانت تتجاوب إما مع قضايا مناهضة الاستعمار، أو مع إقرار عام يتناول شؤون السلام، ولكن هذه الوحدة المرتكزة على عداء الاستعمار والرغبة في تحقيق السلام العالمي كانت تنهار وتظهر الاختلافات عندما تكون المشكلة مؤثرة على مصالح وصراعات محلية وإقليمية.

ثالثاً: الإطار الدولي لنشأة سياسة عدم الانحياز:

إن عدم الانحياز ليس مفهوماً سلبياً فهو ليس حياداً، ولم يكن سياسة القوى أو الانعزال، بل هو تعبير عن حركة دول آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية تهدف إلى تحويل النظام الدولي بما يحتويه من صراعات إلى نظام يقوم على العدالة لخدمة مصالحهم القومية، من أجل بناء اجتماعي واقتصادي قوي، وكذلك إقامة نظم سياسية صالحة، ولقد كانت البيئة الدولية السائدة سواء قبل الحرب العالمية الثانية أو بعدها ذات تأثير بالغ على نشأة سياسة عدم الانحياز، حيث تميز الوضع السياسي في المرحلة الأولى اللاحقة على الحرب العالمية الثانية، وخاصة في نهاية الأربعينيات وفترة الخمسينيات بالآتي:

1. ظهرت القوة النووية كأداة للصراع المسلح حيث ألقيت أول قنبلة ذرية على مدينة هيروشيما في 6 أغسطس 1945م، وألقيت القنبلة الثانية على مدينة ناجازاكى في 9 أغسطس 1945م ، وانعكس ذلك على أساليب الحرب، مما أدى إلى تسابق في تطوير وسائل التدمير، حيث أمكن التوصل لصناعة القنبلة الهيدروجينية عام 1952م.

2. انقسم العالم إلى معسكرين، وظهرت معالم الحرب الباردة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث انقسم الحلفاء لاختلاف توجهاتهم الأيديولوجية، حيث كانت بداية انتشار الفكر الشيوعي في أوروبا الشرقية منذ عام 1949، وبدأت الثورة الشيوعية في الصين عام 1949م، وبدأت حركة التحرر الوطني في فيتنام ونشبت حرب كوريا عام 1950.

3. أدى تسابق المعسكرين الشرقي والغربي من أجل التسلح والسيطرة وإيقاف توسع المعسكر الآخر إلى وضوح معالم الحرب الباردة، والتي كانت عبارة عن صراع دولي غير مسلح يقوم على التهديد باستعمال القوة، وكان ينعكس ذلك على زيادة حدة التوتر التي تجعل من الصراع المسلح احتمال قريب الحدوث، ولقد تمثلت معالم الحرب الباردة في الإذاعات العدائية والدعايات المثيرة، وتناول الاتهامات والتصرفات العدائية بين الزعماء والقادة، وتوجيه الإنذارات والتهديدات بين الدول، وسرعة حشد القوات العسكرية في مناطق التوتر.

4. حققت الولايات المتحدة الأمريكية سبقاً نووياً في بداية الحرب الباردة حتى استطاع الاتحاد السوفيتي تحقيق تفجيره النووي عام 1953م، ثم تسابق الطرفان في تفجيراتهما الهيدروجينية عام 1954م، إلا أن الاتحاد السوفيتي حقق تفوق في الفضاء بإطلاق أول قمر صناعي عام 1957م.

5. ظهرت بعض الدول التي كان لها موقف خاص في بداية الحرب الباردة ومنها يوغسلافيا، حيث سعى جوزيف بروز تيتو منذ عام 1948م للمحافظة على استقلالية بلاده من النفوذ السوفيتي رغم توجهاته الشيوعية، وواجه عداء الكتلة الشيوعية، كذلك لم يقبل المساعدات التي عرضتها عليه الولايات المتحدة الأمريكية، ولقد ساعد ذلك على تبلور سياسة الحياد وعدم الانحياز.

6. برزت معالم سياسة الأحلاف العسكرية خاصة بعد سلسلة المعاهدات التي أبرمها الاتحاد السوفيتي في عام 1943م، مع تشيكوسلوفاكيا، وفي عام 1945م مع يوغسلافيا وبولندا، الأمر الذي اعتبر قيام تجمع دولي يقوده الاتحاد السوفيتي، وتمثل الرد الغربي في معاهدة بروكسل للضمان الجماعي عام 1948م بين كل من بريطانيا وفرنسا وبلجيكا وهولندا ولكسمبورج، ثم كانت معاهدة حلف شمال الأطلسي بين دول معاهدة بروكسل وكندا وإيطاليا والدانمارك والنرويج والبرتغال وأيسلندا إضافة إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

7. مع تبلور معالم الحرب الباردة وآثارها عملت الولايات المتحدة الأمريكية على إيقاف المد الشيوعي واحتوائه بسلسلة من الأحلاف والمعاهدات الدولية والتي تمثلت في الآتي:

أ. معاهدة شمال الأطلسي عام 1949م، وانضمت إليها كل من تركيا واليونان عام 1951م، ثم ألمانيا الغربية عام 1955م، وعمد هذا الحلف إلى تعزيز ودعم قوة أعضائه العسكرية حيث تبنى سياسة عسكرية تقوم على التسلح النووي.

ب. حلف البلقان بين تركيا واليونان ويوغسلافيا عام 1953م، وبهدف إيجاد تعاون دولي ضد الحظر الشيوعي. إلا أن هذا الحلف سرعان ما تفكك بسبب نبذ يوغسلافيا لسياسة الأحلاف

ج. حلف جنوب شرق آسيا، والذي سعت الولايات المتحدة الأمريكية من خلاله حصار النجاح الشيوعي في الصين، وتعاظم حركات التحرر الوطني في آسيا، وتكون هذا الحلف من استراليا وفرنسا ونيوزيلندا وباكستان والفليبين وتايلاند والولايات المتحدة الأمريكية، ووقعت هذه الدول على معاهدة جنوب شرق آسيا للدفاع الجماعي في مانيلا عام 1954م.

8. اعتمد الأسلوب السوفيتي في التوسع على مساعدة الأحزاب الشيوعية في شرق أوروبا، وبوصولها للسلطة تعقد الاتفاقات معها، حيث تمكنت من توقيع معاهدات ثنائية مع كل من تشيكوسلوفاكيا ويوغسلافيا وبولندا خلال عامي 1943م ـ 1945م، كذلك قامت يوغسلافيا بعقد عدة معاهدات مع كل من بولندا وتشيكوسلوفاكيا وألبانيا والمجر وبلغاريا خلال عامي 1946م ـ 1947م، كذلك تمكن الاتحاد السوفيتي من عقد معاهدات ثنائية مع كل من رومانيا والمجر وبلغاريا وفنلندا عام 1948م. وتلاحظ خلال هذه المرحلة انفصال يوغسلافيا عن الكومنفورم الشيوعي، ومن ثم ألغى الاتحاد السوفيتي معاهدته معها عام 1948م.

9. إزاء قيام حلف شمال الأطلسي ونشأته ككتلة يضم ألمانيا ، بدأ الاتحاد السوفيتي في الشعور بأن المعاهدات الثنائية أصبحت غير مناسبة، لذا عمل على تكوين حلف وارسو عام 1955م، والذي تكون من الاتحاد السوفيتي وألبانيا وبلغاريا وتشيكوسلوفاكيا وألمانيا الشرقية وبولندا ورومانيا، إضافة إلى إعلان الاتحاد السوفيتي عن مشروع مولوتوف للتعاون الاقتصادي مع دول شرق أوروبا لمواجهة مشروع مارشال، ثم أنشأ مجلس المعونة الاقتصادية المتبادلة "الكوميكون" عام 1949م للإشراف على مشروع مولوتوف. كذلك كون الكومنفورم.

10. كان نشأة عصبة الأمم عام 1920م بهدف تحقيق السلام الدولي ومنع الحروب وتنشيط التعاون بين الدول، إلا أن اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939م واستمرارها لمدة ستة سنوات، حتى أمكن عقد مؤتمر سان فرانسسكو عام 1945م، لوضع نظام دولي جديد والتوقيع على ميثاق الأمم المتحدة عام 1945م، والذي أوضح أهدافها في الآتي:

أ. حفظ السلم والأمن الدوليين.

ب. إنماء العلاقات الودية بين الأمم على أساس المساواة بين الدول.

ج. تحقيق التعاون الدولي في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

لكن رغم الآمال التي كانت معقودة على الأمم المتحدة كمنظمة دولية تستطيع القيام بدور فعال في حفظ السلام زادت حدة التوترات والصراعات الدولية ومنيت خلالها بإخفاقات متعددة.

رابعاً: الإطار العربي لنشأة سياسة عدم الانحياز:

لقد عانت المنطقة العربية من السيطرة الاستعمارية، حيث تقاسمتها العديد من الدول الاستعمارية بريطانيا ـ فرنسا، ونظراً لوضوح معالم الحركات الوطنية العربية المطالبة بالاستقلال، عملت القوى الغربية لإقامة الأحلاف الهادفة إلى فرض سيطرتها على المنطقة، ومن ثم عرضت أشكال مختلفة لهذه الأحلاف تختلف في الآتي:

1. مشروع قيادة الشرق الأوسط، على أساس إنشاء منظمة للدفاع عن الشرق الأوسط تضم الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا والدول العربية وإسرائيل وجنوب أفريقيا واستراليا ونيوزيلندا، على أن تكون مصر مقر قيادة قوات المنظمة التي تخصصها الحكومات، إلا أن مصر عارضت هذه المنظمة عام 1951.

2. حلف بغداد، الذي تطورت الدعوة لإقامته عبر مراحل مختلفة، أولها كان عقد اتفاقات ثنائية بين العراق وتركيا في فبراير عام 1955م لإقامة حلف بينهما للمساعدة في الدفاع الجماعي عن النفس طبقاً لميثاق الأمم المتحدة، وانضمت المملكة المتحدة للحلف في مايو 1955م، وتبعتها باكستان في يوليه 1955م، ثم إيران في نوفمبر 1955م، وانضمت الولايات المتحدة للجنة العسكرية واللجان الأخرى في عام 1957م، وكانت هي المصدر الأساسي لتسليم أعضاءه ورسم إستراتيجيتهم.

3. مبدأ إيزنهاور، الذي أعلن أثر إخفاق العدوان الثلاثي على مصر عام 1956م، والذي يسمح من خلاله استخدام القوات الأمريكية في الشرق الأوسط إذا كانت هناك ضرورة، على أن يرتبط ذلك بتقديم مساعدات اقتصادية وعسكرية لدول الشرق الأوسط التي توافق على المبدأ ولقد قام مبدأ أيزنهاور على أساس عدة اعتبارات هي:

أ. ملء الفراغ الذي نتج في الشرق الأوسط بعد انتهاء الاستعمار الإنجليزي والفرنسي ويجب على الولايات المتحدة الأمريكية أن تشغل هذا الفراغ.

ب. عدم تحديد المقصود بالشرق الأوسط لذا اختلفت حدود منطقة الشرق الأوسط والتي شملت المنطقة من مضيق جبل طارق حتى بحر العرب ومن تركيا حتى المملكة العربية السعودية، كما قد تمتد لتشمل إثيوبيا وغيرها.

ج. تترك عملية تحديد ضرورة التدخل الأمريكي حسب تقدير السلطة الأمريكية.

ولقد قبلت المشروع كل من لبنان ودول حلف بغداد، وقد عارضه كل من مصر وسورية والأردن واليمن، وطرح جمال عبدالناصر نظرية الحياد وعدم الانحياز كبديل أساسي لنظرية الأحلاف التي سعت الكتلتين لفرضها على المنطقة.


المبحث الثالث


الإطار المؤسسي لحركة عدم الانحياز


اتسمت حركة عدم الانحياز منذ نشأتها بأنها تجمع اختياري حر للدول حديثة الاستقلال والتكوين، والتي سعت إلى الحفاظ على استقلالها وسيادتها، ومن ثم كانت معارضة أعضاء هذه الحركة لسياسة التكتل والأحلاف الدولية، ولقد تميزت سياسة عدم الانحياز بوجود إطار مؤسسي له خواصه ومميزاته التي تختلف عن التنظيمات الإقليمية والدولية التي اتصفت بالآتي:

1. وجود تنظيم إقليمي أو دولي له إطار مؤسس، ونظام للعضوية محدد يختص بالقبول والفصل والإيقاف، وأسلوب الإدلاء بالأصوات واتخاذ القرارات، واللوائح المنظمة للإجراءات.

2. كان الهدف الأساسي للتنظيمات الإقليمية والدولية هو توفير الحماية العسكرية للدول الأعضاء من خصومهم، وارتبط ذلك بالصراع والاستقطاب الدولي.

3. رغم أن التنظيمات الإقليمية والدولية تأخذ بقاعدة المساواة، إلا أنه من الناحية العملية تقوم على أسلوب الدولة القائدة، وبذلك يكون هناك اختلافات وتمايز بين أطراف التنظيم أو التحالف من حيث القوة الاقتصادية أو العسكرية أو النفوذ السياسي، وانعكس ذلك في أداء المنظمات الدولية والإقليمية.

لم يقنع بالاعتبارات السابقة مؤسسي حركة عدم الانحياز، حيث رأوا أن معظم أشكال وصور التجمعات الإقليمية والدولية ليست إلا دعوة للاستقطاب الدولي، الهادفة إلى فرض السيطرة الإقليمية أو الدولية، ولذلك وجهوا اهتمامهم إلى الأهداف والغايات أكثر من اهتمامهم ببناء الهيكل التنظيمي والمؤسسي، ولم يستقر على تحديد التوصيف منذ اللقاءات الأولى، من حيث كونه حركة أو جماعة أو تنظيم، واكتفي عند النشأة بتسمية مؤتمر كتعبير محايد عن نوعية اللقاء، وبذلك تكون حركة عدم الانحياز منذ نشأتها تُعبر عن اتجاه سياسي تمثل في الآتي:

1. إن سياسة عدم الانحياز تمثل التوجهات السياسية للدول النامية حديثة الاستقلال.

2. تطورت سياسة عدم الانحياز بعد الحرب العالمية الثانية، ووصلت إلى مرحلة التأثير الدولي في ظل الحرب الباردة، وطورت من برامجها لتحقيق مبادئها في الاستقلال الشامل.

3. حظيت سياسة عدم الانحياز باهتمام التجمعات الدولية بعد أن كانت تعتبرها منذ نشأتها انتهازية، ورجع هذا الاهتمام بعد تعميق جذورها وتزايد عضويتها ودورها الذي تؤديه.

أولاً: نظام وقيود العضوية في حركة عدم الانحياز:

في المؤتمر التحضيري لحركة عدم الانحياز الذي عقد في القاهرة في 5 يونيه 1961م، وحضره 22 دولة، تحددت معايير العضوية في حركة عدم الانحياز، والتي على أساسها وجهت الدعوة للدول المشتركة في مؤتمر بلجراد، وتمثلت هذه المعايير الخمسة في الآتي:

أولاً: أن تكون الدولة قد انتهجت سياسة مستقلة مبنية على التعايش السلمي بين الدول ذات النظم السياسية والاجتماعية المختلفة، وأن تكون قد أظهرت اتجاهات نحو هذه السياسة.

ثانياً: أن تكون الدولة مؤيدة باستمرار لحركات التحرر الوطني.

ثالثاً: ألا تكون الدولة عضواً في حلف عسكري متعدد الأطراف، في نطاق الصراع بين الدول الكبرى.

رابعاً: إذا كانت الدولة طرفاً في اتفاقية عسكرية ثنائية مع دولة كبرى، أو إذا كانت عضواً في حلف إقليمي، فإن الاتفاق أو الحلف يجب ألا يكون قد عقد في نطاق منازعات الدول الكبرى.

خامساً: إذا كانت الدولة قد سمحت بوجود قواعد عسكرية لدولة أجنبية كبرى، فإن هذا السماح يجب ألا يكون في نطاق منازعات الدول الكبرى.

وقد تميزت هذه المعايير بالمرونة بدرجة كبيرة، حيث إنها لم تستبعد الدول التي كانت بها قواعد عسكرية، ولكن اشترطت ألا تكون هذه القواعد في إطار سياسات القوى الكبرى، كذلك لم تؤكد على أهمية انتهاج الدولة سياسة مستقلة، بل اكتفت بأن تعلن الدولة رغبتها عن تبني هذه السياسة، كذلك يلاحظ أن هذه المعايير التي حُددت لم تكن مرنة في صياغتها فقط، بل كانت مرنة في إطار التطبيق العملي أيضاً، فلم تُثار التساؤلات حول العديد من الدول التي كان لها توجهات مخالفة لسياسة عدم الانحياز، وبعد تحديد هذه المعايير عُقدت لجنة على مستوى السفراء للدول المشتركة في المؤتمر التحضيري بالقاهرة يوم 21 يونيه عام 1961م، لتحديد الدول التي ستوجه الدعوة إليها لحضور مؤتمر عدم الانحياز، ولقد قامت كل من مصر ويوغسلافيا وإندونيسيا بالدعوة للمؤتمر الذي عُقد في بلجراد أول سبتمبر 1961م، واشتركت فيه 25 دولة بصفة عضواً، وهي مصر ويوغسلافيا والهند وإندونيسيا وأفغانستان والجزائر وبورما وكمبوديا وسيلان وكوبا وقبرص وإثيوبيا وغانا وغينيا والعراق ولبنان ومالي والمغرب ونيبال والمملكة العربية السعودية والصومال والسودان وتونس واليمن والكونغو، إضافة إلى ثلاث دول حضروا كمراقبين وهم بوليفيا والبرازيل والإكوادور.

أخذت عملية الانضمام لعضوية حركة عدم الانحياز عدة صور من خلال حضور مؤتمرات الحركة، فكانت الصورة الأولى مشاركة الدول كأعضاء عن طريق دعوة الدول ذات العضوية الدائمة، ويقوم بتوجيه الدعوة نيابة عنها إما مجموعة الدول الداعية أو الدولة المضيفة، وكانت تجرى كافة المراحل الإجرائية للانضمام للحركة خلال مؤتمر تحضيري، يعقد قبل عقد مؤتمر قمة الحركة، أما الصورة الثانية فكانت الحضور بصفة مراقب وكانت توجه الدعوة للدول التي تنطبق عليها معايير العضوية، ولكنها بمحض إرادتها لم تكن راغبة في الحضور، وكذلك الدول التي لا تنطبق عليها كافة معايير الانضمام، ولكنها ترغب في المشاركة، أما الصورة الثالثة للمشاركة فكانت الحضور بصفة ضيف، وفي مقدمة المشاركين في هذه الصفة حركات التحرر الوطني، إلا أنه يلاحظ عدم وجود معايير خاصة بالمشاركين بصفة مراقبين أو ضيوف، كذلك اختلف التوصيف بالنسبة لحركات التحرر، فكانت تدعى للحضور دون توصيف في مرحلة من مراحل الحركة الأولى، ثم يُجرى توصيفها كضيوف في مراحل تالية، حيث إن صفة المشاركة والعضوية لم تكن واضحة لقادة الحركة المؤسسين، وإنما تطورت بتطور الاجتماعات، إلا أن توجيه الدعوات للحضور والمشاركة كان يتقرر خلال المؤتمرات التحضيرية، التي كانت تسبق مؤتمرات القمة للحركة، ونظراً لأن حركة عدم الانحياز ظهرت وتطورت أساساً كحركة مناهضة لاختلال التوازن السياسي والاقتصادي والاجتماعي في المجتمع الدولي، لذا فإنها لم تضع قواعد ملزمة لعضويته، وكذلك لم تحدد حالات إيقاف العضوية أو فصل أحد أعضائها أو المطالبة بذلك، وكذلك حالة الانسحاب من الحركة.

لقد مرت عملية الانضمام للحركة بعدة مراحل، حيث كان هناك تزايد مستمر للدول الأعضاء في الحركة، ففي عام 1961م كان هناك ثلاث دول ذات عضوية دائمة في الحركة قامت بتوجيه الدعوة لعقد مؤتمر القمة الأول التأسيسي، لحركة عدم الانحياز في بلجراد واشترك فيه خمس وعشرون دولة بصفة عضو، كذلك شارك في المؤتمر ثلاث دول بصفة مراقب، وفي الفترة من 5 – 10 أكتوبر 1964م من خلال مؤتمر القمة الثاني للحركة الذي عقد في القاهرة ارتفع عدد الدول الدائمة العضوية إلى عشرة دول معظمها من أمريكا اللاتينية باستثناء فنلندا، وبينها دولة اشتركت في المؤتمر الأول ولم تشترك في المؤتمر الثاني وهي الإكوادور، واشترك في المؤتمر سبعة وأربعون دولة بصفة عضو، أما عدد الدول المشاركة بصفة مراقب كانت عشرة دول، وبذلك كان هناك زيادة اثنين وعشرون دولة في عدد أعضاء الحركة، ويلاحظ أنه من بين الدول التي انضمت للحركة خلال هذه المرحلة ستة عشر دولة أفريقية حصلت على استقلالها، إضافة إلى ستة دول عربية ودولة آسيوية، وتعتبر هذه المرحلة هي قمة المد التي وصلت إليها حركة عدم الانحياز في إطار تصديها للاستعمار في كل المناطق التي تنتمي للعالم الثالث، وقد شعرت الولايات المتحدة بخطورة حركة عدم الانحياز وتفاعلاتها الدولية في أمريكا اللاتينية وفي أفريقيا، التي كان الاستعمار الأمريكي يرى أنه الوريث الطبيعي للاستعمار الأوروبي فيها، ولقد تبلور موقفها في انقلاب البرازيل الذي سبق مؤتمر بلجراد، والذي كان هدفه منع اشتراك البرازيل كعضو عامل في حركة عدم الانحياز، واعتبر ذلك إنذاراً لكل دول أمريكا اللاتينية، ومن ثم كان أحد الأسباب التي جعلت دول أمريكا اللاتينية تكتفي بعضوية الحركة كمراقب فقط، ويلاحظ خلال هذه المرحلة أنه أمام شعبية قيادة الحركة ومواقفهم المناهضة للاستعمار، أصبحت هذه السياسة ذات جاذبية خاصة لدول العالم الثالث حتى أصبحت كل دولة تحصل على استقلالها لا تجد أمامها سبيلاً لتأكيد استقلالها سوى الإعلان عن انضمامها لحركة عدم الانحياز، وخلال هذه المرحلة فقدت الحركة قبيل عقد المؤتمر الثاني واحداً من أبرز قادتها وهو الزعيم الهندي نهرو.

في الفترة من 8 - 10 سبتمبر 1970م انعقد مؤتمر القمة الثالث في لوساكا عاصمة زامبيا، واشتركت فيه أربعة وخمسون دولة بزيادة سبع دول عن مؤتمر القمة الثاني، ولكن كان الانضمام الفعلي ثلاثة عشر دولة، حيث كان هناك دولاً لم تحضر المؤتمر الثالث رغم اشتراكها في المؤتمر الأول ببلجراد والمؤتمر الثاني بالقاهرة، وهذه الدول بورما ـ المملكة العربية السعودية، وكذلك كان هناك دولاً اشتركت في المؤتمر الثاني ولم تحضر المؤتمر الثالث، وهي الداهومي، كما أنه يوجد دولاً انقسمت إلى دولتين وهي الكونغو واليمن، ويلاحظ خلال هذه المرحلة غياب معظم قادة حركة عدم الانحياز، حيث لم يحضر مؤتمر القمة الثالث كل من نكروما وسوكارنو بسبب تعدد الانقلابات الداخلية في بلادهم، كذلك كان غياب جمال عبدالناصر بسبب أحداث سبتمبر ضد الثورة الفلسطينية في الأردن، كذلك سقط عدداً من دول عدم الانحياز في دائرة مناطق النفوذ الاستعماري وإن لم تعلن تخليها عن مبادئ الحركة، وأمام هذه العوامل بدأ شعور عام ينتاب دول عدم الانحياز بعدم فاعلية الحركة، وطرحت بعض الاقتراحات الهادفة إلى إنشاء جهاز ثابت يختص لمتابعة قرارات مؤتمرات القمة لدول حركة عدم الانحياز وتنسيق العمل بين دول المجموعة، إلا أن العديد من الدول عارضت فكرة إنشاء هذا الجهاز، إذ اعتبرته الأغلبية أنه سيكون رمزاً للتكتل الذي قامت المجموعة أساساً لتعارضه، واستقر الرأي على انتخاب أحد رؤساء الدول رئيساً للحركة خلال الفترة بين المؤتمرين، على أن يقوم بمتابعة قرارات وتوجيهات مؤتمرات الحركة، على أن يقوم ممثلو الحركة في الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة بالتعاون وتنسيق جهودهم لتنفيذ قرارات الحركة.

وفي الفترة من 5 - 9 سبتمبر 1973م انعقد مؤتمر القمة الرابع لحركة عدم الانحياز في الجزائر، وحضره ستة وسبعون دولة أي بزيادة إحدى وعشرون دولة عن المؤتمر السابق، ويلاحظ خلال هذه المرحلة اشتراك كل الدول العربية، كما أن مشاركة دول أمريكا اللاتينية عدا كوبا كانت بصفة مراقبين، كما أن شيلي اشتركت بوفد شعبي بعد أن أيدت الولايات المتحدة الأمريكية الانقلاب الذي انتهى باغتيال رئيس شيلي والاستيلاء على الحكم، وسُمح خلال هذه المرحلة بمشاركة حركات التحرير المختلفة، كما تقرر عقد مؤتمر وزاري سنوي في نيويورك خلال شهر سبتمبر من كل عام بهدف التنسيق بين دول حركة عدم الانحياز داخل الأمم المتحدة، كما تقرر تشكيل لجنة دائمة من سبعة دول أعضاء يُجرى انتخابهم سنوياً على أساس جغرافي في المؤتمر السنوي لوزراء الخارجية، وعملها الأساسي هو دراسة الأعمال التحضيرية لمؤتمر وزراء الخارجية في نيويورك.

انعقد مؤتمر القمة الخامس لحركة عدم الانحياز في كولومبو، الفترة من 16 ـ 19 أغسطس 1976م اشترك فيه سبعة وثمانون دولة أي بزيادة عشر دول، منهم سبع دول أفريقية نالت استقلالها، كما انضمت دولة من أمريكا اللاتينية هي بنما، كذلك تقرر اعتبار منظمة التحرير الفلسطينية عضواً كاملاً في حركة عدم الانحياز، كذلك استمر حضور دول أمريكا اللاتينية بصفة مراقبين، وخلال الفترة من 3 – 9 سبتمبر 1979م انعقد المؤتمر السادس لقمة حركة عدم الانحياز في كوبا، وقارب عدد المشاركين خلال هذه المرحلة مائة دولة كاملة العضوية، وبلغ عدد المراقبين اثنتي عشر دولة من دول العالم الثالث، وكان التوزيع الجغرافي للدول الأعضاء كالآتي 33% من آسيا، 55% من أفريقيا، 9% من أمريكا اللاتينية، 3% من أوروبا، وفي الفترة من 7 - 12 سبتمبر 1983م انعقد المؤتمر السابع لقمة حركة عدم الانحياز في ني ودلهي، بعد نقله من بغداد بسبب الحرب العراقية ـ الإيرانية، وبلغ عدد الأعضاء خلال هذه المرحلة مائة وواحد عضواً، ومع تعدد مؤتمرات القمة لدول عدم الانحياز كانت هناك زيادة مستمرة في العضوية حتى كان مؤتمر القمة العاشر الذي عُقد في جاكرتا في الفترة من 1-6 سبتمبر 1992م، والذي وصل فيه عدد الأعضاء إلى مائة واثنتي عشرة دولة، وخلال مؤتمر القمة الثاني عشر والذي عُقد في الفترة من 2 – 3 سبتمبر 1998م في ديربان بجنوب أفريقيا، وصل فيه عدد الأعضاء إلى مائة وثلاثة عشر دولة بصفة أعضاء دائمين، ولقد وصل عدد الدول التي حضرت بصفة مراقب حوالي ثلاثة عشرة دولة.

ثانياً: الهيكل التنظيمي لحركة عدم الانحياز:

من السمات الرئيسية لحركة عدم الانحياز هي معارضتها في وضع هياكل تنظيمية وإطارات محددة تماثل الأحلاف والتكتلات الدولية، ومن ثم كان هناك عدة تقسيمات تطلق على الدول التي تبنت هذه السياسة، فكان يطلق عليها منذ النشأة مجموعة عدم الانحياز أو دول عدم الانحياز، إلا أنه منذ السبعينيات تحدد الاسم الذي يطلق عليها ليكون حركة عدم الانحياز، وعارضت الحركة لفترة طويلة الدعوة لإنشاء سكرتارية لها، خشية أن تتحول الحركة إلى تكتل دولي، إلا أنه في مؤتمر القمة الرابع لدول عدم الانحياز والذي عقد في الجزائر عام 1973م جرت الموافقة على إنشاء مكتب للتنسيق والذي يعتبر الجهاز التنفيذي الدائم الوحيد للحركة، وكان عدد أعضاء هذا المكتب سبعة عشر عضواً، زاد عددهم في مؤتمر كولومبو عام 1976م ليكون 25 عضواً، وفي مؤتمر هافانا عام 1979م أصبح عدد أعضاؤه ستة وثلاثون عضواً جرى توزيعهم على أساس جغرافي بحيث شغلت الدول الأفريقية سبعة عشر مقعداً والدول الآسيوية اثنا عشر مقعداً، بينما شغلت دول أمريكا اللاتينية ستة مقاعد، أما المقعد الرابع والثلاثين فتناوب عليه كل من الدول الأفريقية والأوروبية المنتخبة لمدة سنة ونصف، وفي قمة نيودلهي أصبحت العضوية لمكتب التنسيق مفتوحة لكافة الأعضاء ولذلك أصبح يضم أربعة وسبعون عضواً، وقُصد بهذا العدد الكبير تحقيق توازن جغرافي في داخل مجموعة عدم الانحياز حيث خصص ستة وثلاثون مقعداً للدول الأفريقية وثلاثة وعشرون مقعداً للدول الآسيوية واثني عشر مقعداً لدول أمريكا اللاتينية وثلاثة مقاعد للدول الأوروبية.

تعقد اجتماعات مكتب التنسيق لحركة عدم الانحياز إما خلال اجتماعاتها الدورية على مستوى المندوبين الدائمين، وتُجرى هذه الاجتماعات في نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية، أو قد تكون اجتماعات استثنائية وتُعقد في إحدى دول عدم الانحياز، ومعظم هذه الاجتماعات تكون على المستوى الوزاري، وتكون بهدف دراسة مشكلة محدودة. ولقد تقرر خلال مؤتمر قمة كولومبو عام 1976م تشكيل وتحديد اختصاصات مكتب التنسيق للحركة، حيث تحددت مهام المكتب في تنسيق عمل الحركة بين أعضائها في الفترة ما بين انعقاد مؤتمرات القمة، كما يكلف بتنفيذ البرامج والقرارات التي تتخذها مؤتمرات القمة، ويجري اختيار أعضاء مكتب التنسيق لحركة عدم الانحياز من خلال مؤتمرات القمة، ويتولى رئاسة مكتب التنسيق ممثل الدولة التي استضافت القمة الأخيرة، ويكلف الرئيس بمهام دعوة المكتب للانعقاد للتنسيق والتشاور في نشاطات الحركة والقضايا السياسية والاقتصادية الهامة والتي ستطرح على الأمم المتحدة.

تحددت الخطوط الاسترشادية لمهام أعضاء مكتب التنسيق وأسلوب عملهم في الآتي:

1. لا يوجد تميي
 
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معلومات العضو
لالة بتينة

لالة بتينة

Admin

Admin
معلومات إضافية
كيف تعرفت علينا : غيره
الجنس : ounta
المهن : jami3i
الهواية : rkoub elkhayl
المزاج : ray9
الدولة : france
عدد المساهمات : 4981
تاريخ التسجيل : 14/05/2012
معلومات الاتصال
http://www.lalaboutayna.com/
مُساهمةموضوع: رد: حركة عدم الانحياز   حركة عدم الانحياز I_icon_minitimeالأحد يونيو 02, 2013 5:27 pm



المبحث الرابع


تقويم مسيرة حركة عدم الانحياز حتى مؤتمر القمة السابع


كان انتهاء الحرب العالمية الثانية والتطورات التي تلتها من ضعف القوى الاستعمارية، وظهور الاشتراكية كنظام عالمي، وريادة الولايات المتحدة الأمريكية للدول الإمبريالية في العالم، وسعيها في احتواء المد الاشتراكي ودحر الثورات التحررية، وارتكازها في ذلك على إمكانياتها الاقتصادية والعسكرية، ولكي تتمكن من تحقيق أهدافها عملت على تكوين أحلاف عسكرية، فبدأت بتشكيل حلف شمال الأطلسي عام 1949م، وتبع ذلك حلف شرق آسيا وحلف بغداد والذي أُطلق عليه فيما بعد الحلف المركزي، كما تَشَكَّل حلف يضم كل من أستراليا ونيوزيلندا والولايات المتحدة الأمريكية، وواجهت دول أوروبا الشرقية الاشتراكية الموقف بتكوين حلف وارسو الذي كان بمثابة رد فعل لإقامة حلف شمال الأطلسي.

ووجدت الدول حديثة الاستقلال في أفريقيا وآسيا نفسها في موقف صعب، حيث رفضت الارتباط بأي من الكتل والأحلاف العسكرية، ولذلك زادت الضغوط الخارجية لربطها في الأحلاف العسكرية التي أُنشئت، إلا أن الدول حديثة الاستقلال كان رفضها للانضمام لهذه الأحلاف هو السمة الرئيسية لتوجهاتها، وزادت خلال هذه المرحلة حركات التحرر الوطني حيث استقلت الهند وباكستان وبورما وسيلان ودول الهند الصينية، وانتصرت القوى المعادية للفاشية في كوريا، ونجحت الثورة الصينية عام 1949م، كما شهدت أفريقيا في نفس الحقبة اندلاع حركات التحرر الوطني فكان نجاح ثورة مصر عام 1952م، وحصول غانا على استقلالها بقيادة نكروما دعماً لحركات التحرر الأفريقية، وفي إطار هذا المناخ عُقد مؤتمر العلاقات الآسيوية في نيودلهي عام 1947م، وتلاه عقد المؤتمر الثاني في منتصف العام، وكان الهدف من المؤتمران هو تأييد حركات التحرر الوطني، ومناهضة الإمبريالية والاستعمار بكافة صورة.

وبدأ تشكيل المجموعة الآسيوية الأفريقية عندما انعقد مؤتمر نيودلهي عام 1949م، بدعوة من نهرو وحضره تسع عشرة دولة، ولقد أكد المؤتمر على ضرورة تنسيق نشاط الدول الآسيوية والأفريقية لمواجهة الاستعمار، وإنشاء هيئة اتصال دائمة بين الدول، وبدأت الدول الآسيوية ـ الأفريقية تظهر على الساحة الدولية، خاصة بعد عقدها لمؤتمرها عام 1950م في الأمم المتحدة، وكانت المجموعة الآسيوية ـ الأفريقية تتشكل في ذاك الوقت من مصر والمملكة العربية السعودية والعراق ولبنان وسورية وباكستان وإيران وتركيا وتايلاند وأفغانستان وبورما والفليبين والهند، ثم انضمت إليها إثيوبيا وليبريا، وفي أبريل عام 1954م، عُقد مؤتمر كولومبو الذي دعت إليه سيلان، وفي ديسمبر عام 1954م، عُقد مؤتمر بوجور في بورما، وخلال هذا المؤتمر وُجهت الدعوة لعقد مؤتمر باندونج بإندونيسيا. (أُنظر جدول مؤتمرات قمة دول عدم الانحياز منذ باندونج 1955 حتى نهاية القرن العشرين).

أولاً: مؤتمر باندونج 18 ـ 24 أبريل 1955م:

كانت الخطوة الأساسية والرئيسية في ظهور الفلسفة السياسية للعالم الثالث هي انعقاد مؤتمر باندونج خلال الفترة من 18 ـ 24 أبريل 1955م، والذي دعت إليه الدول الآسيوية الخمس التي نادت بالحياد الإيجابي، وهي الهند وإندونيسيا وباكستان وسيلان وبورما، ويعتبر هذا المؤتمر في الأساس مؤتمر آسيوي ـ أفريقي وليس مؤتمراً لدول عدم الانحياز، حيث إن الأغلبية من الدول التسع والعشرون التي حضرت هذا المؤتمر دولاً منحازة ومرتبطة أساساً بالمعسكر الغربي، ولم يكن من هذه الدول إلا ست فقط كانت ملتزمة بسياسة عدم الانحياز وهي الهند وإندونيسيا وبورما وأفغانستان ومصر وسورية، ولقد أنهى المؤتمر مباحثاته بإعلان مقررات باندونج، هي تعتبر نقطة تحول تاريخية في بلورة فكرة الحياد الإيجابي والتحول بتجمع الدول الآسيوية ـ الأفريقية من تعبير جغرافي إلى تعبير سياسي له قوته وثقله الدولي في الجمعية العامة للأمم المتحدة، ولقد تمثلت مقررات باندونج في الآتي:

1. احترام حقوق الإنسان الأساسية ومبادئ وأهداف ميثاق الأمم المتحدة.

2. احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها.

3. الاعتراف بالمساواة بين جميع الأجناس وبين جميع الأمم كبيرها وصغيرها.

4. الامتناع عن أي تدخل في الشؤون الداخلية لبلد آخر.

5. احترام حق كل أمة في الدفاع عن نفسها انفرادياً أو جماعياً وفقاً لميثاق الأمم المتحدة.

6. الامتناع عن استخدام التنظيمات الدفاعية الجماعية لخدمة المصالح الذاتية لأية دولة من الدول الكبرى، وامتناع أي دولة عن الضغط على غيرها من الدول.

7. تجنب الأعمال أو التهديدات العدوانية أو استخدام العنف ضد السلامة الإقليمية والسيادة السياسية لأي دولة من الدول.

8. تسوية جميع المنازعات الدولية بالوسائل السلمية، كالتفاوض أو التوفيق أو التحكيم أو التسوية القضائية أو أية وسيلة سلمية أخرى تختارها الأطراف المعنية وفقاً لميثاق الأمم المتحدة.

9. تنمية المصالح المشتركة والتعاون المتبادل.

10.احترام العدالة والالتزامات الدولية.

ثانياً: مؤتمر بريوني 1956م:

تأييداً لسياسة عدم الانحياز عُقد مؤتمر ثلاثي في بريوني في يوغسلافيا في يوليه عام 1956م، بحضور كل من جوزيف بروز تيتو وجواهر لال نهرو وجمال عبدالناصر، وتستند أهمية هذا المؤتمر إلى عدة عوامل تمثلت في الآتي:

1. إن عدم الانحياز لم يعد يشمل فقط المعيار الجغرافي المقتصر على العالم الأفرو ـ آسيوي، بل أصبح يشمل دولاً أوروبية وهي يوغسلافيا.

2. إن سياسة عدم الانحياز لم تعد تضم الدول حديثة الاستقلال عن الاستعمار الغربي، ولكن أصبحت تضم الدول التي استطاعت الابتعاد عن دائرة السيطرة السوفيتية.

3. كان اشتراك يوغسلافيا في المؤتمر تأكيداً على أن سياسة عدم الانحياز يمكن أن تأخذ بها أي دولة مهما كان نظامها السياسي والاقتصادي والإيديولوجي.

وقد أكدت قرارات بريوني على مبادئ مؤتمر باندونج، كما طالبت بحظر السلاح وحظر التجارب النووية ومنح المزيد من المعونات الاقتصادية للدول النامية، وقبول الصين في الأمم المتحدة وتوحيد شطري ألمانيا، وتنفيذ قرارات الأمم المتحدة الخاصة بعودة الشعب الفلسطيني، كما استنكرت قرارات المؤتمر الاستعمار الفرنسي في الجزائر.

ثالثاً: مؤتمر القمة الأول التأسيسي لحركة عدم الانحياز في بلجراد:

عقد مؤتمر تحضيري في القاهرة خلال الفترة من 5 - 12 يونيه 1961م تمهيداً لمؤتمر بلجراد، لتحديد مفهوم عدم الانحياز وبلورة مبادئه، ووُجهت الدعوة لمؤتمر بلجراد بوساطة الجمهورية العربية المتحدة ويوغسلافيا وإندونيسيا، على أن يعقد في بلجراد خلال الفترة من 1 - 6 سبتمبر 1961م، وحضره خمس وعشرون دولة، وتركزت مقررات المؤتمر التأسيسي في الآتي:

1. إن الشعوب لها الحق في تقرير مصيرها بنفسها.

2. حق كل دولة في الاستقلال وحرية التصرف بمواردها.

3. إدانة أعمال القمع العسكرية التي تتعرض لها الشعوب التي ما تزال تطالب بحريتها واستقلالها. واستنكار الأعمال العدوانية الإسرائيلية، كما طالب المؤتمر استكمال الاستقلال الجزائري.

4. استنكر المؤتمر التمييز العنصري بكل أشكاله.

5. أكد المؤتمر على ضرورة التحرك الإيجابي، والعمل على نزع السلاح ومنع التجارب النووية، وكلف المؤتمر كل من الرئيس الإندونيسي أحمد سوكارنو ورئيس جمهورية مالي موديبو كيتا Modibo Keita بالاتصال بالرئيس الأمريكي جون كيندي John Fitzgerald Kennedy ومناشدته الاجتماع برئيس وزراء الاتحاد السوفيتي، إلا أن نيكيتا خروتشوف Nikita Khrushchev أرسل خطاب إلى المؤتمر يؤكد فيه على استمرار الاتحاد السوفيتي في إجراء التجارب النووية.

لقد كان توقيت انعقاد مؤتمر بلجراد مناسباً جداً، حيث كان العالم يقف على حافة الهاوية، نظراً لأن خطر الحرب كان حقيقة واقعة، كما أن الدول الكبرى لم تتمكن خلال هذه الفترة من مجابهة المحن الكبرى، ولذلك يعتبر مؤتمر بلجراد انتصاراً تاريخياً كبيراً لسياسة عدم الانحياز، ودليلاً صادقاً على قوة هذه الدعوة على الساحة الدولية ومدى انتشارها وجدوى مبادئها السلمية الهادفة.

رابعاً: مؤتمر القمة الثاني لحركة عدم الانحياز في القاهرة:

عقد المؤتمر في 5 أكتوبر 1964م بحضور سبعة وأربعون دولة، وتضمن الإعلان النهائي للمؤتمر الذي أطلق عليه برنامج السلام والتعاون الدولي، واتفق أعضاء حركة عدم الانحياز على الآتي:

1. العمل المشترك لتحرير الدول غير المستقلة والقضاء على الاستعمار، واستنكار عدم تنفيذ إعلان الأمم المتحدة الخاص بمنح البلدان والشعوب المستعمرة استقلالها.

2. تأييد كفاح شعب فلسطين للتحرر من الاستعمار والعنصرية، وشجب سياسة الإمبريالية الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط، ويقرر وفقاً لميثاق الأمم المتحدة تأييد استعادة حقوق الشعب العربي في فلسطين كاملة غير منقوصة، وحقه الطبيعي في تقرير مصيره، ونضاله من أجل التحرر من الاستعمار.ض

3. اعتبار التمييز العنصري انتهاكاً للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ومبدأ المساواة بين الشعوب، وندد في هذا الإطار بحكومة جنوب أفريقيا العنصرية.

4. إن حق الاستقلال التام هو حق طبيعي يجب الاعتراف به فوراً ودون شروط، وتطبيق مبدأ المساواة في السيادة بين الدول، والامتناع عن أي تهديد باستعمال القوة، ويشير إلى وجوب حل جميع المنازعات الدولية بالوسائل السلمية، وبالتزام الدول للتعاون من أجل دفع عجلة التنمية الاقتصادية في الدول النامية والعالم أجمع.

5. إن مشكلة الأمم المقسمة سبب أساسي للتوتر الدولي، ولذلك يعلن المؤتمر تعاطفه مع هذه الشعوب إشارة إلى مشكلة تقسيم ألمانيا، كما يعلن المؤتمر قلقه بشأن المسألة القبرصية، كما طالب المؤتمر رفع الحصار الاقتصادي الأمريكي المفروض على كوبا.

6. طالب المؤتمر بحل المنازعات الدولية بالطرق السلمية وفقاً لميثاق الأمم المتحدة دون التهديد باستعمال القوة أو باستخدامها، وقد أشار المؤتمر إلى احترام السلام والاستقرار في شبه جزيرة الهند الصينية.

7. حتمية نزع السلاح، واستخدام الطاقة الذرية للأغراض السلمية، وتحريم جميع التجارب النووية، ومنع انتشار الأسلحة النووية وإلغائها، وإنشاء مناطق خالية من الأسلحة النووية، وطلب المؤتمر من الدول الكبرى أن تتخذ خطوات عاجلة نحو تحقيق نزع السلاح تحت رقابة دولية فعالة ودقيقة، ويناشد المؤتمر جميع الدول أن تنضم إلى معاهدة موسكو للحظر الجزئي لتجارب الأسلحة النووية.

8. أكد المؤتمر على أن وجود الأحلاف العسكرية قد زادت من حدة التوتر الدولي وتصاعد الحرب الباردة، كما اعتبر أن استمرار وجود القواعد العسكرية الأجنبية في أراضي بعض الدول يمثل انتهاكاً لسيادة الدول وتهديداً للحرية والسلام العالمي، وأوصى المؤتمر بإزالة القواعد الأجنبية من قبرص، وندد بعزم الدول الاستعمارية على إنشاء قواعد في المحيط الهندي بهدف الضغط على الدول الناشئة في أفريقيا وآسيا.

9. رأى المؤتمر أن تقوم الأمم المتحدة بوظائفها بشكل فعال، وأن تراعي في أعمالها المبادئ الأساسية للتعايش السلمي وطالب بانضمام الصين الشعبية إليها.

10. أهمية وضع برنامج للعمل من شأنه أن يعالج مشاكل الدول النامية، ويتحقق في إطاره تعاون أفضل بين الدول الصناعية والدول النامية، ويطالب بالتعجيل بإنشاء وكالة متخصصة للتنمية الصناعية.

11. طالب المؤتمر بتعزيز مجالات التعاون الثقافي والعلمي والتربوي بين دوله والدول المتقدمة، ويدعو الدول الصناعية الكبرى لتزويد الدول النامية بمزايا التقدم العلمي والتكنولوجي لتحقيق التنمية الاقتصادية.

خامساً: مؤتمر القمة الثالث لحركة عدم الانحياز في لوساكا:

عقد مؤتمر القمة الثالث لدول عدم الانحياز في الفترة من 8 - 10 سبتمبر 1970م، بعد انقطاع استمر حوالي ستة سنوات، وحضره أربعة وخمسون دولة، وقد تركزت أعمال المؤتمر حول عدة قضايا منها:

1. تدعيم التضامن بين الدول الأعضاء.

2. اتخاذ موقف موحد في معالجة القضايا الدولية وخاصة داخل الأمم المتحدة.

3. التأكيد على الدور الذي يجب أن تقوم به دول عدم الانحياز مستقبلاً، حتى تظل بعيدة عن تأثير الكتلتين الشرقية والغربية.

4. معالجة قضايا الاستعمار والتمييز العنصري والشرق الأوسط.

5. تدعيم إمكانيات الاكتفاء الاقتصادي والتنمية في المجتمع.

وتمثلت قرارات المؤتمر في الآتي:

1. طالب المؤتمر بضرورة إسراع الأطراف المعنية في الشرق الأوسط بتطبيق قرار مجلس الأمن الرقم 242 الصادر في 22 نوفمبر 1967م.

2. إدانة الاعتداء الإسرائيلي على الأراضي اللبنانية.

3. دعوة الانسحاب الفوري للقوات الأمريكية من أراضي فيتنام، وكذلك الحل السلمي لمشكلات لاوس وكمبوديا بما يضمن للدولتين الاستقلال والوحدة الوطنية.

4. أهمية تصفية الاستعمار، ومناشدة الدول الكبرى أن تمتنع عن مساعدة النظم الاستعمارية والقهر العنصري في العالم.

5. إعلان المساندة الكاملة والتضامن بكافة الوسائل مع الشعوب المضطهدة في جنوب أفريقيا.

6. يدعو المؤتمر الدول الكبرى إلى عدم مساعدة البرتغال في استمرارها لقمع الشعوب الأفريقية التي تستعمرها وتسيطر عليها.

7. المطالبة بإنهاء نظام الانتداب غير المشروع الذي تمارسه حكومة جنوب أفريقيا على إقليم ناميبيا.

8. المساندة المعنوية والمادية لحركات التحرر الوطني في زيمبابوي من الحكم الأبيض العنصري.

سادساً: مؤتمر القمة الرابع لحركة عدم الانحياز بالجزائر:

عقد المؤتمر في الفترة من 5 - 9 سبتمبر 1973، وحضره ممثلو ست وسبعون دولة وأربع عشرة حركة تحررية وثلاث دول أوروبية، وصدر في نهاية المؤتمر بيانان أحدهما سياسي والآخر اقتصادي وتضمن البيان السياسي الآتي:

1. ضرورة قيام دول حركة عدم الانحياز بعمل أكثر حزماً في سياسته التوفيقية.

2. أدان المؤتمر سياسة إسرائيل التوسعية العدوانية وضم الأراضي التي تحتلها بالقوة، وممارسة القمع ضد سكان المناطق المحتلة.

3. طالب المؤتمر بانسحاب إسرائيل الفوري غير المشروط من جميع الأراضي المحتلة، وتعهد بمساعدة مصر وسورية والأردن على تحرير أراضيهم بكل الوسائل.

4. طالب المؤتمر من جميع الدول وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية إيقاف دعمها السياسي والاقتصادي والعسكري لإسرائيل، الذي يمكنها من مواصلة سياستها العدوانية والتوسعية.

5. اعتبر المؤتمر منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي الوحيد لشعب فلسطين، ومُنحت صفة عضو مراقب في حركة عدم الانحياز.

6. التأكيد على إقامة مناطق سلام وتعاون دولي في مختلف أنحاء العالم، وعلى أساس مبادئ ميثاق الأمم المتحدة.

7. شجع المؤتمر الجهود التي تبذلها الشعوب العربية في الخليج العربي، الهادفة لتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة وتعزيز استقلالها، ومواجهة التدخلات الأجنبية في شؤونها الداخلية.

وتضمن البيان الاقتصادي عدة توصيات كان أهمها مراقبة نشاطات الشركات متعددة الجنسيات، والعمل على تشكيل منظمات تهدف إلى الدفاع عن مصالح الدول المنتجة للمواد الأولية، والتصرف بكامل سيادتها على مواردها الطبيعية.

سابعاً: مؤتمر القمة الخامس لحركة عدم الانحياز في كولومبو:

عقد المؤتمر في الفترة من 16 - 19 أغسطس 1976م، باشتراك وفود سبعة وثمانون دولة، وخمسة عشر دولة بصفة مراقب، إضافة إلى ست دول لها صفة الضيوف وتضمنت قرارات المؤتمر الآتي:

1. إنشاء مصرف للعالم الثالث.

2. الدعوة إلى تجديد فعالية ونشاط حركة عدم الانحياز، ليكون قادراً على مواجهة الإمبريالية والاستعمار بأشكاله المختلفة الجديد والقديم.

3. دعوة المؤتمر إلى توقيع عقوبات رادعة على إسرائيل إذا لم تلتزم بتنفيذ قرارات الأمم المتحدة، مع احتمال طردها من الأمم المتحدة إذا دعت الحاجة.

4. تجديد الدعوة على اعتبار المحيط الهندي منطقة سلام، لاستبعاد التنافس الدولي من الكتلة الشرقية والغربية عليه، مع أهمية إعلان حرية الملاحة غير العسكرية فيه.

5. مساعدة الدول على إعادة البناء والتعمير.

وخلال هذا المؤتمر جرى دراسة وتقييم الوضع الاقتصادي الدولي ومشاكل التنمية، وموضوع إقامة نظام اقتصادي دولي جديد، كما حُددت الوسائل الكفيلة بدعم التضامن والتعاون والتنسيق بين دول حركة عدم الانحياز في كافة الميادين سواء كانت ثقافية أو إعلامية أو علمية، وكذلك دُرس دور وآليات حركة عدم الانحياز في مجال العلاقات الدولية، ودعم منظمة الأمم المتحدة في تنفيذ مهامها، كما جرى تنظيم وتأسيس مكتب التنسيق الخاص بحركة عدم الانحياز وتحديد دوره ومهامه ومسؤولياته.

ثامناً: مؤتمر القمة السادس لحركة عدم الانحياز في هافانا:

عقد المؤتمر في الفترة من 3 - 9 سبتمبر 1979م، وبحضور مائة دولة كاملة العضوية في المنظمة، وخلال هذا المؤتمر بدأ يتضح العديد من المشاكل ومنها مشكلة جنوب أفريقيا، وجزر فوكلاند والصحراء الغربية، وقد عكست نتائج المؤتمر طبيعة الموقف السائد في ذاك الوقت، حيث اقتربت الحركة من مشاكل أمريكا اللاتينية، ونددت بالسياسة الأمريكية، كما صدر إعلان هافانا عن حقوق الإنسان وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها واستقلالها، كما رفضت الحركة محاولات كوبا لتأكيد العلاقة بين حركة عدم الانحياز وبين الكتلة الشرقية، كذلك كان هناك نقد واضح وصريح لاتفاقية كامب ديفيد، والدعوة لتعليق عضوية مصر باعتبارها قد خرجت عن مقررات حركة عدم الانحياز، إلا أنه لم يمكن التوصل إلى قرار بهذا الشأن ولم يكن هناك توافق في الآراء، ومن ثم اعتبرت المشكلة الخاصة بالطعن في عضوية مصر مرفوضة مع استمرار دول عدم الانحياز على رفضها لاتفاقية كامب ديفيد.

كما أكد المؤتمر في نهايته على وحدة الأراضي اللبنانية، وأدان بشدة العدوان والغزو الإسرائيلي المستمر على جنوب لبنان، كما أدان المحاولات الإسرائيلية الهادفة إلى تكريس احتلال إسرائيل لبعض المناطق اللبنانية بوساطة عملائها، وطالب كافة الدول مساعدة ومساندة الشعب اللبناني في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية، كما شدد المؤتمر على أن البحث عن السلام العالمي مرتبط ارتباطاً كاملاً بالنضال ضد الإمبريالية والاستعمار والتمييز العنصري بما في ذلك الصهيونية، كما ناقش المؤتمر قضية كمبوديا، وأُخذت الموافقة على إبقاء مقعدها شاغراً حتى عام 1982م، كما لم يتخذ قرار بشأن قضية الصحراء الغربية.

تاسعاً: مؤتمر القمة السابع لحركة عدم الانحياز في نيودلهي:

كان انعقاد القمة السابعة في ظل متغيرات دولية متلاحقة خلال الفترة ما بين عام 1982م ومارس 1983م، والتي خلالها أثقلت العالم بمزيد من القضايا والمشاكل، ووسط عودة توترات الحرب الباردة بين القوتين العظميين، حيث تشابكت أزمة الشرق الأوسط مع تعقيدات القضية اللبنانية والانعكاسات الدولية التي أفرزها الغزو السوفيتي لأفغانستان، والتي تداخلت كذلك مع الحرب العراقية الإيرانية، كذلك استمرار الصراع في إطار المحيط الهندي والقرن الأفريقي، كما كان تجدد حدة الصراع في السلفادور والقرار الأمريكي بالتصدي لسياسية الاتحاد السوفيتي في امتداده إلى أمريكا الوسطى وأمريكا اللاتينية، والتي تداخلت في قضية نشر الولايات المتحدة الأمريكية لصواريخها النووية المتوسطة في دول حلف شمال الأطلسي رداً على نشر الاتحاد السوفيتي لصواريخه تجاه دول أوروبا الغربية، والتي كانت من عوامل نقل الصواريخ إلى دائرة المحيط الهادي خاصة بعد التهديد السوفيتي النووي لليابان في 20 يناير عام 1983 إذا قبلت تواجد أمريكي عسكري بها، أو إذا اتخذت إجراءات دفاعية أكثر مما هي عليه[1]، كما كان للحرب الإعلامية بين القطبين دورها في الإعلان عن عودة سباق التسلح بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي، كذلك بدأت معالم الأزمات الاقتصادية العالمية في الظهور، بسبب تصاعد أزمة الديون الدولية وزيادة التضخم والركود في العديد من الدول الصناعية الكبرى، في إطار هذا التوتر تقرر نقل مكان انعقاد القمة السابعة لدول عدم الانحياز من بغداد عام 1982 ليكون في نيودلهي عام 1983م.

عُقد مؤتمر القمة السابعة في ظل المتغيرات الدولية المتشابكة، وحضرها حوالي سبعون ملكاً ورئيس دولة ورئيس حكومة يوم 7 مارس 1983، وبذلك يكون قد وصل عدد أعضاء الحركة إلى مائة وواحد عضو، منهم سبعة وأربعون دولة أفريقية، وثلاثة عشر دولة من أمريكا اللاتينية، وسبعة وعشرون دولة آسيوية، كذلك ثلاثة دول أوروبية، وكان مقرراً أن تختتم القمة السابعة أعمالها يوم 11 مارس، إلا أن تعذر الوصول إلى توافق الرأي حول مكان انعقاد القمة الثامنة، وكذلك الخلاف حول الحرب العراقية ـ الإيرانية، قد أدى إلى تأخير أعمال المؤتمر حتى يوم 12 مارس، حيث أُعلن البيان الختامي للمؤتمر والذي شمل على الآتي:

1. إن السلام العادل في منطقة الشرق الأوسط لا يمكن أن يقوم إلا على أساس انسحاب إسرائيل الكامل من جميع الأراضي العربية المحتلة، وإعادة الحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني، بما فيها حقه في العودة إلى أراضيه وفي تقرير المصير دون تدخل أجنبي، وكذلك حقه في إقامة دولته المستقلة. كما أكد المؤتمر على أن القدس هي جزء من الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولابد من انسحاب إسرائيل الكامل منها وإعادتها إلى السيادة العربية، كما أكد على أن المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة بأنها غير شرعية، وتشكل عقبة أمام تحقيق السلام، ولذا يجب إزالتها فوراً ومنع إقامة مستوطنات جديدة.

2. أدان المؤتمر الاحتلال الإسرائيلي للأراضي اللبنانية، والجرائم التي ترتكبها إسرائيل من قتل وتدمير إحدى دول عدم الانحياز، كما ندد برفض إسرائيل الامتثال لقرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن مرتفعات الجولان السورية المحتلة، كما أدان المؤتمر سياسة الولايات المتحدة الأمريكية التي تساعد إسرائيل على استمرار احتلالها للأراضي الفلسطينية والعربية، كما تساعد إسرائيل داخل الأمم المتحدة وفي مجلس الأمن باستعمالها لحق الفيتو.

3. أكد المؤتمر على التزام دول عدم الانحياز بزيادة المساعدات لدول المواجهة العربية ولمنظمة التحرير الفلسطينية، وطالبوا الدول الأوروبية بالدعم السياسي والدبلوماسي للشعب الفلسطيني والدول العربية في جهودها لاستعادة جميع الأراضي والحقوق العربية والفلسطينية.

4. أدان المؤتمر العدوان الإسرائيلي على المنشآت النووية العراقية باعتبار أن ذلك عملاً من أعمال الإرهاب الدولي، وأعرب عن التضامن مع العراق وجميع الدول النامية في ممارسة حقوقها المشروعة، وحيازة وتطوير التكنولوجيا النووية اللازمة للأغراض السلمية والبرامج الإنمائية.

5. أعرب المؤتمر عن قلقة من التصعيد المتواصل للوجود العسكري للدول الكبرى في منطقة المحيط الهندي، وطالب باستئناف المفاوضات الثنائية بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي لتخفيض وجودهما العسكري وجعل المحيط الهندي منطقة سلام.

6. أعرب المؤتمر عن تأييده للجهود التي بذلتها منظمة الوحدة الأفريقية من أجل حل نزاع الصحراء الغربية وفقاً لقرار مؤتمر القمة الأفريقي الثامن عشر الذي عقد في نيروبي الفترة من 24 - 27 يونيه 1981م.

7. أكد المؤتمر على حق شعب ناميبيا في الاستقلال وتقرير المصير وإقامة دولة مستقلة، كذلك أعلن تأييده لكفاح شعب جنوب أفريقيا من أجل تقرير المصير، وكفاحه ضد القهر والاستغلال والسيطرة العنصرية.

8. أكد المؤتمر على حق شعب كمبوديا في تقرير مصيره، وأعرب عن أمله في التوصل من خلال المفاوضات إلى تهيئة مناسبة لحق تقرير المصير، كما أيد الجهود المخلصة التي يقوم بها الأمين العام للأمم المتحدة من أجل التسوية السياسية في أفغانستان، أما بالنسبة لكوريا فقد أعرب المؤتمر عن أمله في أن يعزز انسحاب جميع القوات الأجنبية من المنطقة تحقيق رغبة الشعب الكوري في إعادة وحدته بالطرق السلمية.

9. طالب المؤتمر إشراك حركة عدم الانحياز في مؤتمر الأمن والتعاون الأوروبي، وأثار وجود ارتباط وثيق بين المسائل الأمنية في أوروبا ومنطقة البحر المتوسط، كما أعرب عن قلقه من تصاعد التوتر في أوروبا ودعا إلى مفاوضات فورية تهدف إلى الخفض الملموس في التسليح.

10. أكد المؤتمر على دعمه المستمر لنضال دول أمريكا اللاتينية من أجل استقلالها، كذلك أعلن دعمه ضد الإمبريالية والاستعمار في جميع صوره الهادفة إلى السيطرة والهيمنة والتدخل في الشؤون الداخلية للدول، كما طالب بوقف جميع أشكال العدوان والتهديد ضد كوريا وانتهاك مجالها الجوي ومياهها الإقليمية، وأعلن دعمه لمطالب كوبا الخاصة باستعادة قاعدة جوانتانامو البحرية من الولايات المتحدة الأمريكية، كذلك أكد البيان على دعمه لشعب بورتريكو في تقرير المصير والاستقلال، كما أكد على تأييده لسيادة الأرجنتين على جزر فوكلاند.

11. في المجال الاقتصادي أكد المؤتمر على أهمية إعادة جدولة الديون الأجنبية للعالم الثالث، والتي بلغت في ذاك الوقت حوالي 540 مليار دولار، وطالب بإعادة إصلاح البنك الدولي وصندوق النقد الدولي على ألا يسيطر عليهما الغرب. كما طالب المؤتمر بإنهاء القيود التجارية، وإلى المعاملة التفضيلية لصادرات دول العالم الثالث، واقترح المؤتمر إنشاء عدة مؤسسات تهدف إلى دعم التعاون الاقتصادي بين الدول النامية.

[1] جاء التهديد السوفيتي لليابان بعد تصريح رئيس الوزراء الياباني ناكاسوني لدى زيارته للولايات المتحدة الأمريكية في يناير 1983، حيث أكد على أهمية توفير دفاع قوي ضد القاذفات السوفيتية.
 
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معلومات العضو
لالة بتينة

لالة بتينة

Admin

Admin
معلومات إضافية
كيف تعرفت علينا : غيره
الجنس : ounta
المهن : jami3i
الهواية : rkoub elkhayl
المزاج : ray9
الدولة : france
عدد المساهمات : 4981
تاريخ التسجيل : 14/05/2012
معلومات الاتصال
http://www.lalaboutayna.com/
مُساهمةموضوع: رد: حركة عدم الانحياز   حركة عدم الانحياز I_icon_minitimeالأحد يونيو 02, 2013 5:33 pm


المبحث الخامس

تقويم مسيرة حركة عدم الانحياز منذ مؤتمر القمة الثامن


أولاً: مؤتمر القمة الثامن لحركة عدم الانحياز في هراري

عُقد المؤتمر الثامن في مدينة هراري عاصمة زيمبابوي في الأول من سبتمبر 1986م، بهدف الإعراب عن حرص الحركة على متابعة نضالها من أجل تحقيق التصفية الكاملة للاستعمار، وكذلك تأكيدها على مواصلة الدعم للقضاء على الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، واستمر المؤتمر لمدة ستة أيام، جرى خلالها الاحتفال بالذكرى الخامسة والعشرين لتأسيس حركة عدم الانحياز، وكذلك إصدار إعلان خاص بجنوب أفريقيا، وتوجيه نداء لكل من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي للحد من سباق التسلح، وتخلل جلسات المؤتمر هجوم الرئيس الإيراني على العراق خلال الكلمة التي ألقاها، وتحديده لشروط إنهاء الحرب وطالب بالتعويضات، كذلك كان موقف الزعيم الليبي معمر القذافي الذي هاجم حركة عدم الانحياز ووصفها بالعجز والشلل، كذلك لم تُطرح مشكلة عضوية الصحراء الغربية على المؤتمر، لتجنب حدة النقاش وإضافة المزيد من مظاهر الانقسام بين صفوف الحركة.

تضمنت وثيقة المؤتمر الاقتصادية على استعراض حالة الاختلال وعدم التوازن في الوضع الاقتصادي الدولي، وتأكيد ضرورة إعادة تشكيل النظام الاقتصادي الدولي ليقوم على أساس المساواة في السيادة والعدالة والتكافؤ والمصلحة المشتركة والنفع المتبادل، وأكد المؤتمر على العلاقة بين السلام ونزع السلاح والتنمية، وأهمية الدخول في المفاوضات العالمية لإقامة نظام اقتصادي دولي جديد، كما أعرب المؤتمر عن قلقه من الانخفاض الحاد في أسعار السلع الأساسية وظهور الاتجاهات الحمائية، وانخفاض معدل المساعدة الإنمائية الرسمية وتفاقم مشكلة الديون الخارجية، وضرورة إجراء الحوار بين الشمال والجنوب، كما أعرب المؤتمر عن قلقه للتباطؤ في تنفيذ ما تضمنه ميثاق حقوق الدول وواجباتها الاقتصادية والقصور في تحقيق أهدافه الإستراتيجية الإنمائية، كما وافق المؤتمر على إنشاء لجنة وزارية دائمة للتعاون الاقتصادي.

كما أكد المؤتمر على أهمية التنسيق بين مجموعة السبعة والسبعون وبين مجموعة الأربعة والعشرون ومجموعة العشرة المتعلقة بالنظام النقدي الدولي، (أُنظر جدول مجموعات اقتصادية مطلوب أن تنسق حركة عدم الانحياز معها)، وزيادة نسبة أصوات الدول النامية ومستوى مشاركتها في عملية صنع القرار الخاص بالمؤسسات النقدية والمالية، وربط حصص حقوق السحب الخاصة باحتياجات التنمية، وضرورة إدخال تعديلات كبيرة في معاييره المشروطة الخاصة بصندوق النقد الدولي، كما ناشد المؤتمر الدول المانحة لزيادة المساعدة الإنمائية الرسمية وتعزيز دور البنك الدولي، كذلك أوضح المؤتمر المخاطر والتهديدات التي تتعرض لها تجارة الدول النامية وتدهور أسعار السلع، وأكد ضرورة دعم الاتفاقات السلعية القائمة، عن طريق التعاون بين الدول المنتجة والدول المستهلكة، كما تعرض المؤتمر لقضايا الأغذية والزراعة والطاقة والعلوم والتكنولوجيا والتصنيع والاتصالات السلكية واللاسلكية، والسيادة على الموارد الطبيعية وقانون البحار والشركات غير الوطنية والبيئة، ودور المرأة في التنمية الدولية لإيواء المشردين والتصحر وتقديم المعونة لضحايا الجفاف، وحالة اللاجئين والمشردين في أفريقيا، والأحوال المعيشية المتدنية للفلسطينيين في الأراضي المحتلة، وكذلك قضايا التعاون بين الدول النامية.

ثانياً: مؤتمر القمة التاسع لدول عدم الانحياز في بلجراد

عُقدت القمة التاسعة لدول عدم الانحياز في العاصمة اليوغسلافية بلجراد خلال الفترة من 4 - 7 سبتمبر 1989، ودُرست خلالها مشروعات قرارات سياسية تناولت بؤر الأزمات في العالم، ومن بينها الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية ومشكلات لبنان وقبرص وأمريكا اللاتينية، وكذلك الأزمات التي تواجه أفريقيا ودول العالم الثالث وخاصة مشكلات جنوب أفريقيا والوضع الاقتصادي المتأزم في القارة، ومشكلة الأغذية والزراعة ومشكلة البلدان الأقل تطوراً، والتعاون بين الدول النامية، كما جرى مناقشة تأثير النفقات العسكرية الضخم وأعباء الديون للدول النامية وانعكاسها على مجالات التنمية للدول الفقيرة، وأهمية الدعوة إلى نزع السلاح الكامل خاصة من جانب الدول الكبرى، ووقف التجارب النووية لتدعيم الأمن الدولي، وتعزيز دور البنك الدولي والبنوك الإنمائية الإقليمية في تمويل المشروعات الإنمائية لدول حركة عدم الانحياز، ومساعدة الدول المدينة في التخلص من أعباء ديونها الخارجية، باعتبارها أكبر معوق لحركة تنميتها اقتصادياً واجتماعياً، ومنح دول عدم الانحياز الفرصة للمشاركة في مشروع وقف اختلال التوازن البيئي، وفي إطار أعمال اللجنة السياسية المنبثقة عن قمة عدم الانحياز، جرى مناقشة تأسيس تجمع لخبراء ومؤرخي التاريخ والثقافة في دول عدم الانحياز، يكون هدفه ومهمته دراسة التطورات السياسية في العالم على ضوء الانفراج بين القوتين العظميين.

وبعد مناقشات استمرت أربعة أيام أنهى قادة دول عدم الانحياز مؤتمرهم بإصدار عدد من الأوراق السياسية والاقتصادية، إضافة إلى البيان الختامي حول القضايا التي تناولتها جلسات المؤتمر، وطالب خلالها القادة ورؤساء الوفود بضرورة تدعيم دور حركة عدم الانحياز في تعزيز الأمن والسلام الدولي، ودعم الانتفاضة الفلسطينية، والمطالبة بتحقيق سلام شامل وعادل ودائم، وتأييد موقف منظمة التحرير الفلسطينية والدعوة إلى استمرار الحوار بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية، كذلك طالبت الرئاسة الأمريكية بالتأثير على إسرائيل لقبول مبادرات السلام الفلسطينية، كذلك أكد المؤتمر على ضرورة ضمان حرية الأراضي المقدسة، والدعوة إلى عقد مؤتمر دولي للسلام تحت رعاية الأمم المتحدة وبمشاركة جميع الأطراف، ووضع الأراضي العربية المحتلة تحت إشراف دولي كجزء من عملية السلام الشامل بمنطقة الشرق الأوسط، كما أعرب المؤتمر عن قلقه إزاء تدهور الوضع في الشرق الأوسط نتيجة استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والجولان السوري والأراضي العربية الأخرى، وأكد المجتمعون على اقتناعهم بأن القضية الفلسطينية هي لُب الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وطالبوا بالسلام العادل الشامل القائم على أساس انسحاب إسرائيل الكامل من كافة الأراضي الفلسطينية، وأدانوا إنشاء المستوطنات الإسرائيلية. وطالب المؤتمر في بيانه إلى أهمية قيام إسرائيل بتغيير موقفها وقبول مبادرات السلام الفلسطينية، مع الحفاظ على أمن جميع الدول في المنطقة بما فيها دولة فلسطين، وكذلك حل مشكلة اللاجئين على أساس قرار الجمعية العامة الرقم 194 الصادر في 11 ديسمبر 1948م.

وأكد المؤتمر في بيانه على ضرورة التوصل إلى وقف إطلاق النار بصورة دائمة وفورية في لبنان من أجل توفير المناخ المناسب لعمل مؤسسات الدولة اللبنانية، وطالبوا بتنفيذ قرارات مجلس الأمن التي تدعو إلى انسحاب القوات الإسرائيلية. كما أعرب البيان عن تضامن دول عدم الانحياز مع الشعب اللبناني، وأيد تحقيق الوحدة والسيادة الكاملة للدولة اللبنانية، وفيما يتعلق بالنزاع بين العراق وإيران طالب المؤتمر كلا من الدولتين بإجراء التفاوض لإنهاء أسباب النزاع والتوتر بين البلدين، كذلك طالبت دول عدم الانحياز من المجتمع الدولي تقديم الدعم السياسي والمالي لحركات التحرير المكافحة ضد نظام التمييز العنصري، وأيدوا كل من أنجولا وموزمبيق في مواقفهم من أجل تحقيق السلام في أفريقيا الجنوبية، كما أعربوا عن ارتياحهم لبدء تطبيق مخطط الأمم المتحدة من أجل استقلال ناميبيا، وأعرب قادة حركة عدم الانحياز عن أهمية القضاء على التمييز العنصري في جنوب أفريقيا، كما أيدوا الحوار بين الأطراف المتنازعة في قبرص، وطالبوا بالانسحاب الفوري لقوات الاحتلال والمستوطنين وعودة اللاجئين إلى ديارهم، كذلك أعرب بيان القمة التاسعة لدول عدم الانحياز عن أهمية استكمال انسحاب القوات السوفيتية من أفغانستان، ودعوا كل الأطراف المعنية بالمشكلة إلى مواصلة وتكثيف جهودهم لتحقيق تسوية عادلة تقوم على تنفيذ اتفاقيات جنيف.

أما القرارات الاقتصادية لمؤتمر قمة دول عدم الانحياز، أكد البيان على أهمية دعم التعاون الاقتصادي بين الدول النامية، وخاصة دول عدم الانحياز، على أساس برنامج العمل للتعاون الاقتصادي، وكذلك برنامج عمل يتركز على مجموعة السبعة والسبعون، كما أكد البيان على أهمية مشاركة المرأة في مشروعات التنمية، أما عن الوضع الاقتصادي المتأزم في جنوب أفريقيا فقد ناشد القادة المجتمع الدولي التعديل الفعلي لبرنامج عمل الأمم المتحدة من أجل الإنعاش الاقتصادي والتنمية في أفريقيا، أما في مجال العلوم والتكنولوجيا، أكد المؤتمر في بياناته حتمية الدعم الدولي للجهود التي تبذلها الدول النامية من أجل تحقيق مزيد من التنمية التكنولوجية، كذلك طالب المؤتمر ببذل المزيد من الجهود لمصلحة المنتجين والمستهلكين معاً في إطار مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، والتوصل إلى اتفاقات تحقق استقرار السوق والأسعار ودعم التسهيلات التجارية القائمة، كما أيد المؤتمر الدعوة إلى عقد دورة للجمعية العامة للأمم المتحدة في أبريل 1990م للتخطيط للتعاون الاقتصادي، وأن تعمل على تحقيق اتفاق حول المشاكل التي تواجه الدول النامية وأسلوب مواجهتها.

ثالثاً: مؤتمر القمة العاشر لحركة عدم الانحياز في جاكرتا

عُقد مؤتمر القمة العاشر خلال الفترة من 1 - 6 سبتمبر 1992م، في إطار مناخ دولي جديد، حيث انهار نظام القطبية الثنائية، كذلك أصبحت دول العالم الثالث مهددة بالتهميش والاستبعاد أكثر مما كانت عليه، خاصة بعد التقدم التكنولوجي والصناعي مما أدى إلى تناقص الطلب على ما تنتجه هذه الدول من المواد الأولية، فضلاً عن أن التجارة والاستثمار أصبح لا يوفر القدر اللازم من الأمان المطلوب، كذلك لا يحقق الربح الذي تسعى إليه الدول المستثمرة، ومع الانقسام الذي أخذت تشهده دول العالم الثالث والاختلافات المتباينة فيما بينها، ورغم أن بعض الدول استطاعت الخروج من حالة التخلف، إلا أن الغالبية العظمى أصبحت أكثر تخلفاً مما أدى إلى مزيد من تهميشها وإهمالها سياسياً واقتصادياً، كذلك بدأت حالة من الصراعات الداخلية والحركات الانفصالية تهدد العديد من مناطق العالم الثالث، في إطار هذه الظروف عقدت القمة العاشرة وصدر عنها رسالة جاكرتا، ولقد بلورت هذه الوثيقة توجه الحركة في الظروف العالمية الجديدة، مما يمكن أن يجعلها أساساً صالحاً لوضع إطار جديد للحركة.

رأت وثيقة جاكرتا أن الوقت الحالي الذي يشهد تغيرات غير محدودة وإن كان يبشر بآمال كبيرة، إلا أنه في ذات الوقت يذخر بالعديد من التحديات والتهديدات، فلم يتحقق حتى الآن السلم والعدل والأمن، فالصراعات المحلية والإقليمية والدولية مازالت مستمرة، والاحتلال والسيطرة والهيمنة أصبحت من سمات هذه المرحلة، كذلك تأكدت سياسة التدخل في الشؤون الداخلية للعديد من الدول، كما تعددت أشكال وحالات النزاع العرقي والتعصب الديني، والنزعة القومية ضيقة الأفق، ولقد انعكست كل هذه العوامل كعقبات اعترضت سبيل تعايش الدول والشعوب في ظل الوئام الذي كان منشوداً، وأصبحت السياسة التي كانت تنتهجها حركة عدم الانحياز ورفضها للاستقطاب الدولي وحققت لدول عدم الانحياز الابتعاد عن الصراع بين المعسكرين، ولكن الاستقطاب الثنائي بعد أن بدأت تخف حدته تدريجياً مع سياسات الوفاق، ثم اختفي نهائياً مع تفكك الاتحاد السوفيتي وانهيار المعسكر الشرقي، ومن ثم لم يعد هناك معسكرين تقف بينهما حركة عدم الانحياز، مما بدا معه أن الحركة فقدت مبررات وجودها.

وفي مواجهة هذه المشكلات حددت رسالة جاكرتا أهمية ارتكاز النظام العالمي على أساس ثابت من حكم القانون الدولي ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وكذلك على المسؤولية المشتركة وبصورة منصفة والالتزام بالتعاون والتضامن العالميين، كما أكدت على ضرورة أن تكون بنية النظام الدولي في مرحلته القادمة تهدف إلى تحقيق السلم والعدل والأمن والتنمية والديمقراطية داخل الدول وكذلك فيما بينها، كما تعزز الحقوق والحريات الأساسية للفرد والأمم على السواء، مع كفالة احترام سيادة الأمم والتمسك الشديد بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.

حددت قمة جاكرتا موقفها حيال القضايا الدولية مثل المشكلة الفلسطينية، والفصل العنصري، والحد من التسلح النووي، والتنمية الاقتصادية والاجتماعية حيث أكدت تأييدها ودعمها الثابت للكفاح المشروع للشعب الفلسطيني من أجل تقرير المصير والاستقلال وتحرير الأراضي المحتلة، كما طالبت بانسحاب إسرائيل من جميع الأراضي العربية المحتلة بما فيها القدس، كما أيدت مساعي السلام والوصول إلى تسوية عادلة ودائمة للقضية الفلسطينية، استناداً إلى مبادئ وقرارات الأمم المتحدة، كما شددت قمة جاكرتا على أهمية النمو الاقتصادي والاجتماعي وعلى حقيقة أن كلا من النفقات العسكرية العالمية والهياكل الدولية الجائرة والعلاقات غير المتكافئة أسفرت عن تفاوتات عميقة ومظالم غير مقبولة ستظل توسع من الفجوة بين الدول المتقدمة والنامية، ولذلك طالبت بمواجهة البيئة الاقتصادية الخارجية غير المواتية، التي تتسم بانعدام التكافؤ في العلاقات الاقتصادية بين الشمال والجنوب، كما طالبت قمة جاكرتا كذلك بالاهتمام بتعزيز التعاون متعدد الأطراف من أجل التنمية، وأهمية التعاون بين دول الجنوب، وإقامة أشكال محددة وعملية من التعاون في المجالات المختلفة، مع تحديد الوسائل الكفيلة بوضعها موضع التنفيذ، كما أيدت تنسيق جهود حركة عدم الانحياز مع مجموعة السبعة والسبعون من خلال إقامة لجنة تنسيق مشتركة لهذا الغرض.

ركزت وثيقة رسالة جاكرتا على القضايا العالمية ذات الأهمية الخاصة، والتي تمثلت في دعم حقوق الإنسان والحريات الأساسية والاتجاه المتنامي نحو الديموقراطية، وحماية البيئة وتدعيم التنمية الاجتماعية، كذلك أكد المؤتمر على الدور المحوري والأساسي الذي تقوم به الأمم المتحدة، باعتبارها التجسيد العالمي للتعددية والمكان الذي تعبر فيه حركة عدم الانحياز عن آرائها، ومن ثم أكدت الحركة على أهمية دعم الأمم المتحدة وتأييد دورها المتنامي في حفظ السلام والأمن الدوليين واحترام القانون الدولي.

رابعا: مؤتمر القمة الحادية عشرة لحركة عدم الانحياز في قرطاجنة

عُقدت القمة الحادية عشرة لدول عدم الانحياز قى قرطاجنة بكولومبيا خلال الفترة من 18 - 20 أكتوبر 1995، وتركزت أعمالها حول إعادة تجديد دور الحركة وتطوير أساليب مكافحة الفقر والعنف والإرهاب، كذلك عرض أسلوب التفاعل بين حركة عدم الانحياز والمتغيرات الدولية مع المحافظة على مبادئها، ولقد طالب زعماء الحركة خلال مؤتمرهم إلى ضرورة إصلاح مجلس الأمن الدولي من أجل منح الدول النامية صلاحية اتخاذ القرار في الشؤون الدولية، وتغيير أسلوب احتكار السلطة في مجلس الأمن من جانب الدول الكبرى، كما أكد المؤتمر على ضرورة مكافحة الإرهاب بكل أشكاله، كما طالب إسرائيل بالتخلي عن أسلحتها النووية والانضمام إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، كما أعلنت القمة في بيانها إلى أن دول عدم الانحياز لن تقبل محاولات إقصائها من عملية توسيع عضوية مجلس الأمن. إلا أنه من الملاحظ خلال هذه القمة فشل جمهورية البوسنة والهرسك في الانضمام لحركة عدم الانحياز، بسبب معارضة بعض الدول الأفريقية رغم وجود تأييد عربي قوي لانضمامها، إلا أن الدول الأفريقية بقيادة زيمبابوي نجحت في تأجيل قرار الانضمام، ولقد وصل عدد أعضاء حركة عدم الانحياز خلال انعقاد القمة الحادية عشر إلى مائة وثلاث عشر عضواً بينما شارك خمسة وثلاثون دولة بصفة مراقب.

بذلك تكون القمة الحادية عشر لدول عدم الانحياز خلال بيانها قد بدأت تتجه نحو المسار الصحيح لعملها في المناخ الدولي المتغير، غير أن قدراتها محدودة على تحقيق مبادئها وأهدافها إلى سياسات وإجراءات محددة، وهو ما سوف يحدد مستقبلها في مراحل تطورها التالية، ومن ثم فإن عملية تحويل الخطط العامة إلى إطار جديد للحركة تعمل من خلاله الانتقال بفكرة اللا انحياز بين المعسكرين الشرقي والغربي إلى فكرة تقوم على الحوار المتكافئ بين الشمال والجنوب، ويكون ذلك بتنسيق متكامل مع مجموعة السبعة والسبعون حتى يمكن بناء تجمع فعال ومتماسك يحقق الحماية لمصالح دول الجنوب، كذلك وضح أهمية التركيز على الدور الاقتصادي للحركة، مع الاستفادة من خبرات دول العالم الثالث لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وكذلك أهمية التعاون بين أعضاء حركة عدم الانحياز لتحقيق مزيد من التقدم العلمي والتكنولوجي ومواكبة التطورات العالمية، ويهدف هذا التعاون تضييق الفجوة المتزايدة بين الشمال والجنوب.

خامساً: القمة الثانية عشرة لحركة عدم الانحياز في ديربان

عُقدت القمة الثانية عشر لدول عدم الانحياز يومي 2 - 3 سبتمبر 1998م، حيث مثلت منعطف واضح في مسيرتها، فبعد أن وضحت ثوابت المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية كان لزاماً على أعضاء الحركة إعادة تقييم لمسيرة الحركة التاريخية، حيث أصبح المنعطف الدولي مغايراً تماماً لما كان عليه في مراحل نشأة الحركة ونموها، ولقد تناولت القمة خلال مباحثاتها العديد من القضايا والمشاكل كان في مقدمتها الضربات الأمريكية التي وجهتها الولايات المتحدة الأمريكية لكل من السودان وأفغانستان، وإعادة هيكلة وتنظيم الأمم المتحدة وخاصة مجلس الأمن، كذلك نُوقشت الأوضاع الداخلية في الكونغو الديموقراطية ومنطقة البحيرات العظمى، وكذلك عملية السلام في الشرق الأوسط، والعقوبات الاقتصادية والحظر المفروض على كل من العراق وليبيا، كما جرى بحث موضوع التوتر بين الهند وباكستان، والتحولات الاقتصادية ومشاكلها في أعقاب الأزمة المالية الآسيوية.

وصدر عن القمة الثانية عشر إعلان ديربان بتبنيها 514 قراراً ترسم نهجاً جديداً لهوية ودور الحركة في المرحلة الحالية، كما يحدد سياستها للقرن الحادي والعشرين ويعكس فهماً بحجم المتغيرات الدولية الجديدة، فقد طالبت بالعمل على احتلال موقع الصدارة في ثورة عالمية جديدة، كما طالبت بعقد مؤتمر دولي للإرهاب تشرف عليه الأمم المتحدة، لتحرير أسلوب منسق لمواجهة كافة أشكال الإرهاب، كما أعرب المؤتمر عن القلق الذي تستشعره دول الحركة حيال تطور الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل، خاصة بعد التجارب النووية التي جرت في آسيا خلال شهري مايو ويونيه 1998م، كما أكد إعلان ديربان على خطورة وشمولية البيئة الاقتصادية العالمية التي أدت إلى تهميشاً متزايداً للعديد من الدول النامية، وطالبت بقيام شراكة وإجراء حوار هادف وبناء بين الشمال والجنوب، كما تبنت حركة عدم الانحياز خلال المؤتمر سياسة تحديد العقوبات الدولية لفترة محدودة وعلىأسس شرعية، كما اعترف رؤساء دول وحكومات حركة عدم الانحياز بوجود انقسامات داخل الحركة حول إصلاح وتوسيع مجلس الأمن في الأمم المتحدة، إلا أنهم أكدوا على أن الإصلاح لابد أن يأخذ في الاعتبار الحاجة الماسة إلى الشفافية والديموقراطية في أساليب عمله، كما أعربت عن أسفها لما تعرض له السودان من اعتداء أمريكي، كما أصدرت القمة بياناً يؤيد الموقف الليبي في قضية لوكيربي، ويطالب بتوفير ضمانات عادلة للمتهمين في القضية، كما طالب المؤتمر بأهمية امتثال العراق لقرارات مجلس الأمن مع المطالبة برفع العقوبات عنه، ولقد تعهد الرئيس الجديد لحركة عدم الانحياز نيلسون مانديلا بأن تترجم هذه القرارات إلى إجراءات فعلية.

سادساً: القمة الثالثة عشرة لحركة عدم الانحياز، في كوالالامبور

عُقدت القمة الثالثة عشرة لدول عدم الانحياز، يومَي 25 و26 فبراير 2003، في كوالالامبور، عاصمة ماليزيا. وحضرها زعماء 114 دولة. وقد واجهت العديد من المشاكل والتحديات، التي أثرت في العديد من الدول الأعضاء في الحركة. كما اتضح اختلاف مواقف دول حركة عدم الانحياز وتبايتها، تجاه العديد من المشكلات الدولية. فعلى الرغم من معارضة القمة للحرب، التي كانت تستعد الولايات المتحدة الأمريكية لشنها على العراق إلا أن المؤتمرين طالبوا، في بيانهم الختامي، بضرورة التزام العراق قرارات الأمم المتحدة، الخاصة بنزع أسلحته. وعلى خلاف ما كان متوقعاً، في شأن الوصول إلى صيغة توافقية حول العراق، فقد تخلت بغداد عن مطالبها الأساسية، الداعية إلى إدانة الدول، التي تقدم مساعداتها أو تسهيلاتها للقوات الأنجلو ـ أمريكية، التي تستعد ان؛ وهي الصيغة التي كانت تعترض عليها كلّ من الكويت وقطر. وقبل العراق، في المقابل، صيغة أكثر اعتدالاً، نصت على ترحيب الحركة بالقرار، الذي اتخذه العراق، تسهيل العودة غير المشروطة لمفتشي منظمة الطاقة الذرية، والتعاون معهم، في إطار القرار الدولي الرقم 1441، والذي يؤكد على نزع أسلحة الدمار الشامل العراقية.

كذلك اتُّفِق على دعم القضية الفلسطينية؛ وإدانة التوسع الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة؛ والمطالبة بمحاكمة الإسرائيليين، المتهمين بارتكاب جرائم حرب، في الأراضي الفلسطينية المحتلة؛ وضرورة اتخاذ الإجراءات اللازمة لوقف أعمال العنف، التي ترتكبها القوات الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني، وحِسبانها جزءاً من جرائم الحرب، بموجب اتفاقية جنيف الرابعة. كما طالب البيان الختامي إسرائيل بالانسحاب من المدن الفلسطينية، إلى المواقع التي كانت فيها، في 28 سبتمبر 2000؛ تمهيداً لاستئناف المسيرة السلمية، والوصول إلى سلام عادل، وشامل، على أساس الانسحاب الكامل من الأراضي: الفلسطينية والعربية، المحتلة منذ عام 1967، بما في ذلك القدس الشرقية.

كذلك انتقل اهتمام القمة إلى المسألة الكورية الشمالية، التي كانت نقطة خلاف رئيسية، وبدت كأنها مشكلة مستعصية على الحل، وخاصة بعد رفض وفد بيونج يانج كلّ الصيغ التوفيقية، التي طُرحت للمناقشة، إذ أكدت رفضها العودة لإخضاع منشآتها النووية لتفتيش منظمة الطاقة الذرية، وطالبت بعقد معاهدة عدم اعتداء مع الولايات المتحدة الأمريكية، تكون صيغة للخروج من الأزمة. وفي الوقت نفسه، كان هناك تصميم من الدول الآسيوية، الأعضاء في حركة عدم الانحياز، على ضرورة تراجع كوريا الشمالية عن قرارها، الانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية؛ ولذلك، طالبها البيان الختامي للقمة الثالثة عشرة بإعادة النظر في قرارها ذاك. وفي المقابل، استمعت الدول الأعضاء لشكاوى كوريا الشمالية، في شأن السياسة الأمريكية تجاهها.

وكانت الولايات المتحدة الأمريكية، وكوريا الجنوبية، قد شاركتا في جهود لدعم مواقف الدول، التي طالبت بتراجع كوريا الشمالية عن مواقفها المتعنتة، إذ أوفدت واشنطن وفداً خاصاً، للمشاركة في القمة (بصفة مراقب). كذلك أوفدت سيول وفداً مماثلاً، برئاسة مبعوث خاص، بدرجة سفير.

سابعاً: القمة الرابعة عشرة لحركة عدم الانحياز، في هافانا

أكدت القمة الرابعة عشرة لحركة عدم الانحياز، التي عُقدت يومَي 15 و16 سبتمبر 2006، في العاصمة الكوبية، هافانا، وحضرها 118 عضواً، في إعلان، أصدرته في ختام أعمالها، حق الشعوب كافة في تقرير مصيرها، وحقها في تنسيق أعمال وإستراتيجيات، تمكّن دولها من المواجهة المشتركة لكلّ ما يهدد السلم والأمن الدوليَّين بما في ذلك أعمال التهديد والعدوان والاحتلال الأجنبي، أو أيّ انتهاك آخر للسلم تقترفه دولة واحدة، أو جماعة من الدول.

كما أكد الإعلان، الذي صدر تحت عنوان: "أهداف ومبادئ حركة عدم الانحياز ودورها في الوضع الدولي الراهن"، ضرورة مواصلة الجهود، لتحقيق نزع شامل للسلاح النووي، وإقامة مناطق منزوعة السلاح في ظل مراقبة دولية صارمة، وفعالة. كما طالب الإعلان جميع الدول بالامتناع عن ممارسة الضغوط على دول أخرى، أو فرض إجراءات أحدية الجانب؛ لكون هذه الإجراءات، تتعارض مع مبادئ القانون الدولي.

وأعرب الإعلان عن رفض الإرهاب، بكافة أشكاله وصوره؛ مؤكداً وجوب عدم حسبان كفاح الشعوب، الخاضعة للاحتلال الأجنبي أو الاستعمار، من أجل تقرير المصير مرادفاً للإرهاب. كما أكد البيان رفض التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية للدول، وخاصة محاولات بعض الدول تغيير أنظمة الحكم في دول أخرى، أو رفض الاعتراف بالحكومات المنتخبة انتخاباً ديموقراطياً.

ولمواجهة مشكلة الصحراء الغربية، طالب البيان الختامي للحركة بضرورة التعاون الكامل مع الأمين العام للأمم المتحدة، ومبعوثه الشخصي، من أجل التوصل إلى حل سياسي، يوافق عليه جميع أطراف المشكلة. وكانت حركة عدم الانحياز، قد عهدت بمشكلة الصحراء الغربية إلى الإطار الدبلوماسي، إذ كانت مدرجة، منذ سنوات عديدة، في أعمال الأمم المتحدة، بصفتها المنتدى الأكثر أهلية لمناقشة قضايا السلام والأمن في العالم؛ وذلك لتفادي الازدواجية في معالجة المشاكل: الدولية والإقليمية. ولم يشر البيان الختامي، خلافاً لرغبة الجزائر، إلى وثيقة دوربان (2004)، ولا إلى مخطط التسوية، ولا إلى مخطط السلام بيكر الثاني؛ ومن ثَم، فبإقرار هذه الوثيقة، تكون حركة عدم الانحياز، قد تخلت، للمرة الأولى منذ عام 1991، عن الإحالة على مخطط التسوية الدولي، بصفته حلاً لقضية الصحراء.

كما صدر عن القمة وثيقة ختامية، أكدت تصميم دول حركة عدم الانحياز على عدم تبني، أو تنفيذ إجراءات أحدية الجانب، وخاصة العقوبات الاقتصادية، أو القيود، التي تستهدف ممارسة ضغوط على دول حركة عدم الانحياز؛ إضافة إلى احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. وطالبت الدول المستعمرة بدفع تعويضات كاملة عن الأضرار: الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الناجمة عن الاحتلال.

طالبت الوثيقة كذلك إسرائيل بالانضمام الفوري إلى معاهدة حظر الانتشار النووي، ووضع منشآتها النووية كافة تحت نظام الضمانات الشاملة، للوكالة الدولية للطاقة الذرية، ووفقاً لقرار مجلس الأمن، الرقم 487، لعام 1981. وفي هذا الإطار، عبَّر قادة دول حركة عدم الانحياز عن قلقهم من حيازة إسرائيل للقدرات النووية. كما رحبوا بالمبادرات، الرامية إلى إنشاء منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل، في الشرق الأوسط، وفي مقدمتها الأسلحة النووية؛ منوهين بمشروع القرار، الذي كان مقدماً من سورية، باسم الجماعة العربية، إلى مجلس الأمن، في 29 ديسمبر 2003؛ لتحويل منطقة الشرق الأوسط إلى منطقة خالية من الأسلحة النووية.

كما عبَّر قادة حركة عدم الانحياز عن قلقهم العميق من فرض الولايات المتحدة الأمريكية عقوبات أحدية الجانب على سورية. ورأوا أن ما سُمي بقانون محاسبتها مخالف لمبادئ القانون الدولي، وانتهاك لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة وأهدافه. وطالبوا الإدارة الأمريكية بإعلان إلغاء ذلك القانون وبطلانه؛ بل طلبوا منها بدء حوار مع دمشق، على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.

كما دان قادة حركة عدم الانحياز العدوان الإسرائيلي على لبنان، وأعلنوا تأييدهم ودعمهم لهذا البلد. وأشادوا بمقاومته البطولية. وأكدوا قناعتهم التامة بوجوب عدم التسامح مع الخروقات الإسرائيلية للقانون الدولي، وحقوق الإنسان. وطالبوا إسرائيل بتعويض الحكومة اللبنانية، والشعب اللبناني. كما أكد قادة دول الحركة ضرورة حل النزاع العربي ـ الإسرائيلي، وفقاً لقرارات الأمم المتحدة. وأعلنوا تأييدهم لأيّ مبادرة استثنائية، تؤدي إلى سلام عادل، وشامل، في الشرق الأوسط، يوافق مبادرة السلام العربية على مضمونها. كذلك طالب البيان الختامي إسرائيل بالانسحاب الكامل من الجولان السوري المحتل، إلى حدود الرابع من يونيه 1967.

وأكد رؤساء دول وحكومات حركة عدم الانحياز حق الدول النامية، غير القابل للتصرف، في السعي إلى إجراء أبحاث الطاقة النووية وإنتاجها للأغراض السلمية، من دون تمييز، وفقاً لما أكدته معاهدة الانتشار النووي.

كذلك أعادت وثيقة البيان الختامي تأكيد عدم جواز إلصاق الإرهاب بأيّ دين أو جنسية أو حضارة أو جماعة عرقية. وأكدت عدم جواز مساواة الإرهاب بالنضال المشروع للشعوب، الرازحة تحت السيطرة الاستعمارية والاحتلال الأجنبي، من أجل تقرير مصيرها، وتحررها الوطني.

ولقد أتاحت القمة الفرصة لإجراء حوار سلمي، بين الجانبَين: الهندي والباكستاني، اللذَين أعلنا بدء المفاوضات في مشكلة كشمير. كما أكد المشاركون، بالإجماع، أن مبادئ الحركة وأهدافها، ظلت تتمتع بحيدة كبيرة. ورأوا أنه يجب تفعيل إمكانيات الدول، أعضاء الحركة، وإذكاء حيويتها، من خلال الوحدة والتعاون والإصلاح، في ظل الأوضاع العالمية الجديدة. وكانت القمة قد انتخبت الجمهورية العربية السورية نائباً لرئيس الحركة. كما تقرر عقد القمة الخامسة عشرة المقبلة، عام 2009، في جمهورية مصر العربية.

واللافت، في القمة الرابعة عشرة، سعي كوبا إلى تحويل حركة عدم الانحياز إلى كتلة دولية، تواجه الهيمنة الأمريكية، إذ رأت هافانا أنه يجب ألا تقف الحركة مكتوفة اليدَين، عندما يتعرض أحد أعضائها لتهديد القوى الغربية، وخاصة القوة العظمى الأمريكية، أو استخدامها القوة ضده. كما أُعلن انضمام عضوَين جديدَين إلى حركة عدم الانحياز: هايتي، وتقع في نصف الكرة الأرضية الغربي؛ وسات كيتس ونيفيس، وهي دولة تتكون من جزيرتَين في البحر الكاريبي؛ وبذلك أصبح عدد الدول، أعضاء الحركة، 118 دولة.

ثامناً: تقويم مسيرة حركة عدم الانحياز

احتدم الجدل حول جدوى حركة عدم الانحياز كعقيدة ونهجاً سياسياً بعدما أخذت تتضح معالم الوفاق الدولي مع نهاية مرحلة الحرب الباردة، وتبدلت ملامح القطبية الثنائية والاتجاه نحو نظام عالمي جديد، كما زادت حدة الخلافات بين دول حركة عدم الانحياز ذاتها ودخول بعض دول الحركة في صراع مسلح، ومن خلال تقويم مسيرة حركة عدم الانحياز نجد أن ظهورها كحركة منذ منتصف الخمسينيات والستينيات كانت متزامنة مع زيادة حركات التحرر الوطني وتمسك الدول حديثة الاستقلال بسيادتها وحريتها وعدم انحيازها لأي من المعسكرين الشرقي أو الغربي، وكان هناك ارتباط واضح بين حركة عدم الانحياز ودول العالم الثالث، وافتقرت مجموعة عدم الانحياز إلى ميثاق يحدد معايير عضويتها وإلى قيادة عليا تكون مسؤولة عن توجيهها، وكذلك عدم وجود سكرتارية دائمة يعهد إليها بمهام إدارية إجرائية، ولقد اعتمدت المجموعة عند إصدار قراراتها على أسلوب الاتفاق والتراضي بدلاً من التصويت، وهذا الأسلوب رغم أنه أكسب المجموعة مظهراً موحداً حيال اتخاذ القرارات إلا أنه غير ملزم لأعضائها، وتنعقد مؤتمرات القمة لحركة عدم الانحياز كل ثلاث سنوات حيث ينتخب رئيس المؤتمر في الجلسة الافتتاحية الذي جرى العرف على أن يكون رئيس الدولة المضيفة للمؤتمر، وفيما بين انعقاد مؤتمرات القمة يلتقي وزراء خارجية دول عدم الانحياز سنوياً في نيويورك عقب انتهاء أعمال الدورة العادية للجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة أو في أي مكان آخر حسب اتفاق مسبق، وحرصاً على إكساب مجموعة عدم الانحياز طابعاً تنظيمياً ثابت الشكل أُنشئ مكتب تنسيق لحركة عدم الانحياز عام 1973م، وبدأت عضويته من سبعة عشر دولة حتى أصبح يضم حالياً أربعة وسبعين دولة يجتمعون بصفة دورية في نيويورك بهدف تحديد أسلوب تنفيذ قرارات القمة السابقة والإعداد للقمة التالية.
 
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معلومات العضو
لالة بتينة

لالة بتينة

Admin

Admin
معلومات إضافية
كيف تعرفت علينا : غيره
الجنس : ounta
المهن : jami3i
الهواية : rkoub elkhayl
المزاج : ray9
الدولة : france
عدد المساهمات : 4981
تاريخ التسجيل : 14/05/2012
معلومات الاتصال
http://www.lalaboutayna.com/
مُساهمةموضوع: رد: حركة عدم الانحياز   حركة عدم الانحياز I_icon_minitimeالأحد يونيو 02, 2013 5:34 pm


تاسعاً: المراحل الأساسية التي مرت بها حركة عدم الانحياز

1. المرحلة الأولى 1961م ـ 1970م، مرحلة الاستمرار والبقاء ومواجهة التحديات

خلال هذه المرحلة لم تقم الحركة على أسس وقواعد تنظيمية محددة بل كان يجمعها المشاكل والأزمات ومحاولات درء الأخطار الخارجية التي تهدد كيانهم كدول مستقلة ذات سيادة، ولذلك لم يكن هناك اهتمام واضح بالجوانب الإجرائية والشكلية، ولم يكن هناك برنامجاً محدداً للقاءات والاجتماعات، مكتفية في هذا الإطار على المبادرات الفردية التي كانت تتأثر بالظروف والمتغيرات العالمية المحيطة. وكان للعلاقات الشخصية الحميمة التي ربطت بين أقطاب حركة عدم الانحياز من أهم أسباب نجاح الحركة خلال نشأتها، إلا أنها تأثرت مع وفاة نهرو وإقصاء سوكارنو وأحمد بن بيلا عن الحكم، كذلك تأثرت زعامة عبدالناصر بعد هزيمة 1967م، إضافة إلى العديد من المتغيرات، كان منها تعقد مشكلة الكونغو وتصاعد حدة الحرب الفيتنامية، مما أدى إلى إحباط دول حركة عدم الانحياز، وخلال هذه المرحلة وضح أهمية دور جوزيف بروز تيتو الذي سارع بتشكيل لجنة استشارية في بلجراد عام 1969م، وأخرى في دار السلام عام 1970، تمهيداً لانعقاد القمة الثالثة لحركة عدم الانحياز في لوساكا عام 1970م، والتي من خلالها أُرسيت القواعد الثابتة والدائمة لحركة عدم الانحياز، إلا أن هذه القمة شهدت غياب جمال عبدالناصر لانشغاله بأحداث الصراع المسلح في الأردن بين الفلسطينيين والقوات الأردنية، كذلك غاب عن هذه القمة كل من نهرو ونكروما وسوكارنو، ومن ثم تراجعت خلالها فاعلية حركة عدم الانحياز.

2. المرحلة الثانية 1970م ـ 1979م، المرحلة الراديكالية

اتسمت هذه المرحلة بالراديكالية، وكان أبرز قادتها الرئيس الجزائري هواري بومدين، وساعد على إذكاء التيار الراديكالي داخل حركة عدم الانحياز ما عانت منه دول الحركة آنذاك من تدهور اقتصادي ملموس، وتعثر مساعي استقلال أنجولا وروديسيا وناميبيا، مع استمرار سياسة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، كذلك تصاعد حدة التوتر في الشرق الأوسط ونشوب حرب أكتوبر 1973، ولقد برز الشكل السياسي الجزائري خلال هذه المرحلة حيث قدمت نموذجاً يحتذي به لأعضاء حركة عدم الانحياز من الاشتراكيين والراديكاليين، وخلال هذه المرحلة نجح بومدين من خلال نشاط دبلوماسي متميز في أن يجتمع في القمة الرابعة لدول عدم الانحياز حوالي ستة وسبعين دولة، وطالب خلالها بالتركيز على المناهضة العسكرية للاستعمار والإمبريالية، مؤكداً على أن مصدر التوتر الدولي يتجسد في الصراع بين الدول الغنية والدول الفقيرة، وليس بين الشرق والغرب، أما الزعامات المعتدلة في الحركة والتي كان في مقدمتها تيتو لم يعارضوا هذا الاتجاه. وفي مارس 1974م اجتمع مكتب تنسيق عدم الانحياز لصياغة إستراتيجية موحدة للحركة قبيل انعقاد الدورة غير العادية للجمعية العامة للأمم المتحدة، والتي صدر خلالها قرار ينص على وضع برنامج عمل لتأسيس نظام اقتصادي عالمي جديد، استند مباشرة على ما تضمنه البيان الختامي لقمة الجزائر من توصيات منتقداً لما عرف باسم ميثاق الحقوق والواجبات الاقتصادية للدول باعتباره يرتب الحقوق للدول الكبرى على حين يحمل الدول النامية بالواجبات والتبعات.

أصبحت إستراتيجية التنسيق هي الطابع الغالب على نشاط حركة عدم الانحياز مما أكسبها شكلاً تفاوضياً على الساحة الدولية خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وبدأت تتضح معالم التنسيق الاقتصادي خلال مؤتمر باريس للتعاون الاقتصادي عام 1976م، حيث توحدت توجهات مجموعة عدم الانحياز ومجموعة السبع والسبعين، ومن ثم اعتبرت قمة الجزائر بداية لاتخاذ مجموعة عدم الانحياز بأسلوب التكتل الاقتراعي داخل الأمم المتحدة، وكذلك في زيادة شعور مناهض للدول الغربية والإمبريالية داخل المنظمة الدولية، وخلال هذه المرحلة كانت القمة الخامسة لدول عدم الانحياز والتي عقدت في كولومبو عام 1976م، وحضرها سبعة وثمانون دولة، إلا أنه وضح خلالها التناقض بين التوجهات الراديكالية والمعتدلة من حيث المطالبة بالإدانة الصريحة والعلنية للسياسة الأمريكية، ويرجع ذلك التناقض إلى خشية تأثير هذه الإدانة على قدرة المجموعة في مفاوضاتها المستقبلية.

3. المرحلة الثالثة 1979م ـ 1983م، مرحلة التعارض بين التوجهات المعتدلة والتوجهات الراديكالية

شهدت هذه المرحلة تعارض بين توجهات المعتدلين بقيادة يوغسلافيا والراديكاليين بقيادة كوبا، حيث سعى كاسترو إلى صبغ حركة عدم الانحياز بالطابع الثوري ذات الاتجاه اليساري، إلا أن تيتو عمل على الاحتفاظ بالطابع التقليدي المتوازن لحركة عدم الانحياز، والتمسك بقيمها الأصلية ومبادئها التي أقرها مؤتمر باندونج وبلجراد، وخلال هذه المرحلة عُقدت القمة السادسة في هافانا عام1979م، حضره مائة دولة كاملة العضوية في الحركة إضافة إلى خمس عشرة دولة حضرت كمراقب، ووضح اتفاق أعضاء الحركة حول قضيتين أساسيتين هما استمرار عضوية مصر بعد توقيعها اتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل، واستجابة للضغوط الراديكالية العربية اتُخذ قرار بتعليق عضوية مصر وإخضاعها لفترة اختبار مدتها ثمانية عشر شهراً، مع إدانة صريحة لاتفاقية السلام المبرمة بين مصر وإسرائيل. أما القضية الثانية فكانت شرعية الوفد الممثل لكمبوديا حيث تمكنت كوبا من استصدار قرار بإسقاط الشرعية عن الوفد، وبقاء مقعدها شاغراً، وفي هذه المرحلة غزت القوات السوفيتية أفغانستان في ديسمبر 1979م وأيده كاسترو، مما أدى إلى فقد كوبا فرصة تمثيل دول أمريكا اللاتينية في مجلس الأمن، كما ناهض هذا المسلك الغالبية العظمى من دول عدم الانحياز المقترعة بالموافقة على إدانة التدخل السوفيتي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.

بدأت عملية تحجيم الدور الكوبي وتصويب مسار حركة عدم الانحياز خلال اجتماع وزراء الخارجية لدول عدم الانحياز في نيودلهي عام 1981م، والذي اتخذ قرار بدعوة مصر لاتخاذ مقعدها في مؤتمرات الحركة المستقبلية، مع المطالبة الصريحة بانسحاب القوات الأجنبية من كمبوديا وأفغانستان، ورغم المحاولات الصادقة لرأب الصدع في مسيرة حركة عدم الانحياز، إلا أن تفجر الصراع المسلح بين العراق وإيران وهما عضوين من أعضاء حركة عدم الانحياز والفشل في احتواء هذا الصراع قد عمق حدة الأزمة التي تمر بها الحركة، ومن ثم تأجيل انعقاد القمة السابعة لدول عدم الانحياز والذي كان تحدد له موعداً في سبتمبر 1982م، نظراً لانتفاء دواعي الأمن في العاصمة العراقية أثر الغارة الإسرائيلية على المفاعل النووي العراقي في يونيه 1981، كذلك إسقاط طائرة وزير خارجية الجزائر محمد بن يحيى في مايو 1982م، أثناء قيامه بمحاولة احتواء الصراع المسلح بين العراق وإيران، والذي تطور بعد ذلك إلى المدن لكلا الطرفين ومن ثم أصبحت بغداد مقراً غير آمن لقمة عدم الانحياز واعتذرت العراق عن استضافتها.

4. المرحلة الرابعة 1983 ـ 1989م، مرحلة الانقسامات الداخلية

بانتقال القمة السابعة وانعقادها في نيودلهي حضرها مائة وواحد دولة هم عدد أعضاء الحركة في ذلك التوقيت، كان هناك العديد من المشاكل التي واجهت دول عدم الانحياز والتي أثارتها قمة هافانا، ورغم أن المسؤولية التي تحملتها الهند في رئاسة الحركة خلال هذه المرحلة والتي استحكمت فيها الخلافات بين أعضاء الحركة، سواء كانت بسبب زيادة حدة الصراع المسلح بين إيران والعراق أو ظهور قضية الصحراء الغربية، أو شرعية نظام الحكم القائم في تشاد، كذلك الانقسام الواضح بين المجموعة العربية حول عضوية مصر في المجموعة وحضورها للمؤتمر، كذلك قضية كمبوديا التي وضعت مجموعة دول جنوب شرقي آسيا في مواجهة حادة مع كل من فيتنام والهند وكوبا، ومؤداها أحقية وفد كمبوديا في احتلال مقعدها ضمن الوفود المشاركة، ولم تُحل المشكلة، كذلك طرحت قضية الغزو السوفيتي لأفغانستان ولم يكن هناك قرار حاسم حيال هذا الغزو العسكري، كذلك لم يكن هناك قرار واضح حيال الصراع المسلح بين العراق وإيران، وبنفس أسلوب الحلول الوسط الذي كان يحقق توافق الرأي للغالبية العظمى بصرف النظر عن فعاليتها، كانت كذلك القرارات الاقتصادية، حيث أصدرت القمة إعلاناً اقتصادياً لتحديد أسباب المشاكل الاقتصادية دون أن تُحدد آليات حل هذه المشاكل.

5. المرحلة الخامسة 1989م ـ 1998م، مرحلة ظهور أزمة الهوية وأزمة الدور

خلال هذه المرحلة عقدت أربعة مؤتمرات قمة لحركة عدم الانحياز وضح خلالها حقيقة الأزمة التي تواجهها حركة عدم الانحياز، والتي تتمثل في أزمة الهوية وأزمة الدور الذي تقوم به، فأزمة الهوية مبعثها أساساً أن الحركة قد نشأت في ظروف استقطاب عالمي بين القوتين العظميين ترفض الانحياز المسبق إلى أي منهما، ولكن الظروف والنظام العالمي قد تغير حالياً فدول حركة عدم الانحياز لم تعد تواجه تكتلات أو أحلاف أو أيديولوجيات متعارضة أو خيارات اقتصادية واجتماعية وسياسية، ومن ثم وضح توجه القمة الأخيرة في ديربان جنوب أفريقيا في أن الهوية الصحيحة التي تضمن استمرار الحركة واستمرار فعاليتها، هي أن تصبح حركة عدم الانحياز حركة العالم الثالث كله، التي تبحث عن حلول واقعية للمشاكل التي تواجهها، فالحركة لم تنشأ فقط للتعامل مع المتغيرات الدولية خلال فترة الحرب الباردة، إلا أنها كانت تعبيراً عن فكر وفلسفة يؤكد على التحرر والتنمية ويطالب بالتقدم، أما في إطار أزمة الدور فإن التوجه السائد داخل حركة عدم الانحياز يتجه للربط بينها وبين مشاكل العالم الثالث، والمشاركة الفعالة من أجل احتواء المشاكل وإنهاء الصراع والأزمات في العالم.

6. المرحلة السادسة (1998-2006) مرحلة الثقة بالنفس، واسترجاع القوة، وتأكيد مبادئ الحركة

من الواضح، أن حركة عدم الانحياز، احتاجت، خلال هذه المرحلة، إلى إعادة تنظيم وتفعيل دورها؛ لمواكبة التحديات الجديدة، التي أصبحت تواجهها، في المستوى الدولي، ومنها: انحسار دور الأمم المتحدة؛ والحاجة المُلِحَّة إلى إيجاد حلول عملية لمشكلات الإرهاب والأمراض والأوبئة والبطالة والجهل والفقر والحرمان؛ إضافة إلى الآليات: الاقتصادية والسياسية، التي تحكم العالم، لمصلحة الدول الغنية المتقدمة (العالم الأول)، على حساب الدول الفقيرة (النامية).

فالعالم، خلال هذه المرحلة، أصبح أحدي القطبية، تنفرد به الولايات المتحدة الأمريكية، وتهيمن عليه، وخاصة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001. وبعد إعلان الحرب على الإرهاب، أمست الشرعية الدولية، وحقوق الإنسان، والنظام الدولي، مهدَّدة بعد التجاوزات، التي اعترت العديد من دول الجنوب. وفي هذا الإطار، ومناخ التناقضات وثقافة الحقد وتصفية الحسابات، كثرت الانتهاكات والتدخلات في الشؤون الداخلية للعديد من الدول والشعوب؛ ما أدى إلى التعدي على سيادة الدول، والمساس بكرامتها، وبحقوق الشعوب في تقرير مصيرها.

وإذا كان هناك اعتقاد، أن انهيار الكتلة الشرقية، والثنائية القطبية، قد أدى إلى افتقاد حركة عدم الانحياز لتوجهاتها؛ إلا أن الحركة، شهدت فترة استدراك واسترجاع لقواها، من أجل تأكيد الذات، ومواصلة التعاون على مواجهة الأوضاع العالمية، التي أصبحت أكثر تعقيداً وخطراً، إذ تحتم المتغيرات العالمية الحالية، الآن أكثر من أي وقت مضى، أن يكون لها دور فاعل في العلاقات الدولية الجديدة؛ وتعتمد وسائل ومناهج جديدة، تلائم النظام الدولي الجديد.

ومن ثَم، فإن المرحلة الحالية لحركة عدم الانحياز، هي مرحلة الثقة بالنفس، واسترجاع القوة، وتدعيم وتأكيد المبادئ والثوابت، التي أنشئت عليها الحركة، وما زالت تمثل نقاط القوة فيها. ففي هذه المرحلة، هناك جهود واضحة لحركة عدم الانحياز في التأقلم والتكيف مع المعطيات الجديدة، وتأليف قوة لمواجهة الدول الكبرى، التي أصبحت تسيطر على النظام: السياسي والاقتصادي، في العالم.


 
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معلومات العضو
لالة بتينة

لالة بتينة

Admin

Admin
معلومات إضافية
كيف تعرفت علينا : غيره
الجنس : ounta
المهن : jami3i
الهواية : rkoub elkhayl
المزاج : ray9
الدولة : france
عدد المساهمات : 4981
تاريخ التسجيل : 14/05/2012
معلومات الاتصال
http://www.lalaboutayna.com/
مُساهمةموضوع: رد: حركة عدم الانحياز   حركة عدم الانحياز I_icon_minitimeالأحد يونيو 02, 2013 5:35 pm



المبحث السادس


حركة عدم الانحياز والعلاقات الدولية


منذ بداية الخمسينيات كان العالم الثالث يواجه كل من الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية وإلى حد ما الدول الغربية والصين بسياسة توفيقية، يحاول من خلالها أن يخفف من حدة الصراع الدولي وآثار الحرب الباردة والابتعاد عن سياسة القوى التي تتبعها الكتل المتصارعة، والتي أدت في الماضي إلى حروب عالمية، وبنهاية الحرب العالمية الثانية تحول النسق العالمي من حيث توزيع القوى فيه إلى نسق ثنائي القوى القطبية، ثلاثي القوى السياسية، حيث كانت القوتان العظميان في النسق الدولي هما اللتان تحددان وتقرران الإستراتيجية العامة للنسق الدولي، ويوجد مع هاتين القوتين بعصبيتهما حلفي شمال الأطلسي ووارسو، وفي إطار النسق ذاته يوجد العالم الثالث الذي كان عاجزاً عن المشاركة في تحديد إستراتيجية توزيع القوى في النسق الدولي، لكن تواجده السياسي كان مرتبطاً بعامل التحرك الثنائي للقوى القطبية ذاتها.

ولقد ارتبط مصطلح العالم الثالث الذي بدأ ظهوره كقوى سياسية بين عامي 1959م و1960م بعدة معايير متداخلة إلى حد بعيد، فكان المعيار التاريخي يربط مصطلح العالم الثالث بالدول المستقلة حديثاً أو بالميراث الاستعماري، كما رُبط المعيار الاقتصادي بين مصطلح دول العالم الثالث وبين الدول المتخلفة اقتصادياً أو النامية، حيث يغلب طابع تدني مستوى الدخل الفردي والتخلف التكنولوجي على دول العالم الثالث، أما المعيار السياسي فيقوم على ربط مصطلح العالم الثالث بالدول غير المنحازة، بينما ربط المعيار الجغرافي مصطلح العالم الثالث بالدول الآسيوية والأفريقية، وبعض دول أمريكا اللاتينية، وبذلك شمل العالم الثالث الدول المستقلة حديثاً والتي تمتلك الرغبة في عدم الارتباط بتحالفات مع أي من الكتلتين الشرقية والغربية، واختار فلسفة الحياد الإيجابي كمنهج وعدم الانحياز كسياسة يتبعها في تعاملاته الدولية، ومن هذا المفهوم وفي إطار التواجد العالمي الذي كان متداخلاً بين القوتين العظمتين والعالم الثالث في مجال علاقات القوى، كان العالم الثالث هو المجال من العالم الذي استمر خارج حدود القوى العالمية، حيث أنه لم يملك القوة التي يستطيع من خلالها أن يجعل النسق الدولي العالمي الثنائي القوى القطبية نسقاً ثلاثياً، ولذلك كان العالم الثالث يشكل دائماً مسرحاً مناسباً لتنافس القوتين. إلا أن تحقيق ميزان القوة بين القطبين بعد الحرب العالمية الثانية هيأ لدول العالم الثالث حرية التحرك بينهما، ومع ذلك استمر العالم الثالث هدفاً رئيسياً لهيمنة القوى العظمى، مكتفياً بالتطلع إلى أن يكون لها دور توفيقي فقط، حيث لم تتوافر لها عوامل القوة المادية التي تمكنها من المشاركة في تحديد أبعاد صورة النسق الدولي المتفجر بالصراع، وأصبحت سياسة عدم الانحياز هي السياسة التي يلجأ إليها معظم دول العالم الثالث للحفاظ على استقلالية قرارها السياسي الوطني.

أولاً: دول العالم الثالث وحركة عدم الانحياز

1. دور حركة عدم الانحياز في تأييد ودعم حركات التحرر الوطني

تميز القرن العشرين وخاصة النصف الثاني منه بزيادة حركات التحرر الوطني، حيث ظهرت في العالم موجات من حركات التحرر في قارات آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، ونظراً للظروف الاستعمارية المتشابهة التي عاشتها هذه الحركات التحررية، بدأت تشعر بضرورة وحتمية وحدة مصيرها، وكذلك توحدت في البداية قارياً، ثم أصبح على المستوى الأفرو ـ آسيوي، ومنذ بداية الستينيات أصبح على مستوى العالم كله، وتمثل ذلك في تحالف حركات التحرر الوطني مع المعسكر الاشتراكي ضد المعسكر الرأسمالي الإمبريالي، ولقد شجع هذه الحركات التحررية في نضالها تزايد قوة ونفوذ الكتلة الاشتراكية في العالم، خاصة بعد انتصار الثورة الاشتراكية في الصين، وظهور الحركة الأفرو ـ آسيوية عام 1955م، حيث خصت الدول الأفرو ـ آسيوية ودول حركة عدم الانحياز فيما بعد جزءاً كبيراً من نضالها لمساعدة حركات التحرر الوطني في المستعمرات. ومن ثم فإن دول حركة عدم الانحياز لم تبق على الحياد فيما يتعلق بالنزاع القائم بين الشمال والجنوب، وبذلك تكون قد اختلفت بمواقفها في إطار الحياد الإيجابي عن مواقف دول الحياد التقليدي السلبية من قضايا العالم، وخاصة من حروب وحركات التحرر الوطني، والتي استطاعت من خلال تصاعد نضالها من جهة والدور المتزايد لحركة دول عدم الانحياز من جهة أخرى أن تحقق استقلالها، وخاصة في القارة الأفريقية والتي استقلت سبع عشرة دولة فيها عام 1960م.

انضمت الدول الأفريقية المستقلة إلى منظمة الأمم المتحدة، حيث أصبحت قارة أفريقيا تحتل مكانة خاصة في أنشطة المنظمة، ومنذ إعلان الجمعية العامة للأمم المتحدة الخاص بمنح الاستقلال للأقاليم والشعوب المستعمرة في ديسمبر عام 1960م، تأكدت مشروعية النضال القومي والتحرري لحركات التحرر الوطني، من خلال دعوة ممثلي الحركات التحررية الوطنية والقومية إلى الاشتراك في مناقشات أجهزة الأمم المتحدة المتعلقة بالمناطق غير المستقلة، وكذلك دعوة منظمة الأمم المتحدة لأجهزتها ووكالاتها والحكومات والمنظمات غير الحكومية إلى تقديم العون لحركات التحرر، ولقد تدعم الوضع القانوني لحركات التحرر التي فرضت نفسها على المسرح الدولي من خلال قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الرقم 2621 عام 1970م، الذي أكد على حق حركات التحرر في حضور دورات الجمعية العامة للأمم المتحدة المتعلقة بمناقشة الوضع في أقطارها. وبعد جهود أعضاء حركة عدم الانحياز داخل الأمم المتحدة تمكنت من إصدار قرار للجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1974م، بدعوة حركات التحرر كأعضاء مراقبين بصفة دائمة.

لقد تمثل اهتمام دول حركة عدم الانحياز لحركات التحرر الوطني في تأييدها لمنظمة التحرير الفلسطينية، ولقد وضح ذلك في المواقف المعنوية من خلال القرارات التي اتخذتها دول الحركة لتعلن دعمها للقضية الفلسطينية في إطار مؤتمراتها المختلفة منذ المؤتمر التأسيسي في بلجراد عام 1961م. كذلك كان هناك مواقف عملية تمثلت في الممارسات المختلفة لدول حركة عدم الانحياز في دعمها وتأييدها للقضية الفلسطينية على صعيد منظمة الأمم المتحدة والمنظمات المتفرعة عنها أو خارجها، ولقد نتج عن هذا التأييد الاعتراف بحق التمثيل لمنظمة التحرير الفلسطينية داخل الأمم المتحدة قبل أن تحصل على منصب العضو المراقب، ولقد تأكد أهمية دور حركة عدم الانحياز المؤيد للقضية الفلسطينية بعد حرب يونيه 1967، حيث تبنت مجموعة عدم الانحياز قرار الجمعية العامة الذي دعا إلى انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي العربية المحتلة دون شروط، كذلك قامت معظم دول حركة عدم الانحياز وخاصة الأفريقية منها بقطع علاقاتها مع إسرائيل بعد حرب أكتوبر 1973م. ورغم أن إسرائيل نجحت في إقامة العديد من العلاقات السياسية والاقتصادية مع دول حركة عدم الانحياز مستغلة في ذلك الاتفاقيات التي وقعتها مع الفلسطينيين، إلا أن توتر الأوضاع في الأراضي الفلسطينية وزيادة العنف الإسرائيلي بعد انتفاضة الأقصى في سبتمبر 2000 أدى إلى قيام دول حركة عدم الانحياز باتخاذ موقف محدد، حيث عقدت اجتماعات لمندوبي الدول الأعضاء للجنة فلسطين[1]التابعة لحركة عدم الانحياز وكذلك مندوبوها الدائمين لدى مجلس الأمن بمدينة جوهانسبرج خلال الفترة من 3 إلى 4 مايو 2001، أيدت خلالها نضال الشعب الفلسطيني وحقه في إقامة دولته المستقلة وطالبت مجلس الأمن بتوفير الحماية اللازمة للفلسطينيين في الأراضي المحتلة.

2. حركة عدم الانحياز وشرعية عدم التدخل في النزاعات المحلية

ظهرت مشكلة التدخل في شؤون الغير من الناحية التاريخية بوجود الصراعات والنزاعات سواء كانت بين الأفراد والقبائل أو بين الدول، وقد تطور مفهوم التدخل بتطور المجتمعات عبر المراحل التاريخية المختلفة، الأمر الذي ساعد على ظهور مبدأ عدم التدخل كمبدأ مناقض لمبدأ التدخل الذي يعتبر كقاعدة عامة مبدأ غير معترف به في القانون الدولي الذي يحمي الشخصية القانونية الدولية للدول ولذلك يمثل مبدأ عدم التدخل انتصاراً لعدالة القانون الدولي، حيث تأكد في ظل عصبة الأمم المتحدة واجب كل دولة في احترام وضمان سلامة الأقاليم والدول الأعضاء واستقلالها السياسي ضد أي اعتداء خارجي. أما ميثاق منظمة الأمم المتحدة فقد أكد على امتناع الأعضاء جميعاً في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة، أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة، أو على وجه آخر لا يتفق ومبادئ الأمم المتحدة. إلا أن ميثاق منظمة الأمم المتحدة يجيز حسب ما نصت عليه بعض مواده استخدام القوة العسكرية في بعض الحالات، حيث لم ينتقص ميثاق الأمم المتحدة حق الدول فرادى وجماعات في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء الأمم المتحدة، وذلك حتى يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدوليين.

بالإضافة إلى ما نص عليه ميثاق الأمم المتحدة فقد نصت بعض المواثيق الدولية الأخرى على معارضة مبدأ التدخل في شؤون الغير، مثل مشروع إعلان حقوق وواجبات الدول المقترح من قبل لجنة القانون الدولي عام 1949م، كذلك أكدته مواثيق المنظمات الدولية الإقليمية مثل منظمة الوحدة الأفريقية، كما أكد ميثاق جامعة الدول العربية على نفس المبدأ، ومن ثم يكون كافة أنواع التدخل مرفوضاً سواء كان هذا التدخل عسكرياً أو تدخل ضد الكيان السياسي والاقتصادي والثقافي للدولة، كما أنه ليس من حق أي دولة اللجوء لأسلوب الضغوط الاقتصادية والسياسية بهدف إخضاع الدولة والمس بحقوقها أو الحصول على امتيازات مهما كان نوعها.

من المبادئ الأساسية التي قامت عليها السياسة الأفرو ـ آسيوية وعدم الانحياز مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، ولقد مثل هذا المبدأ أهمية خاصة منذ مؤتمر باندونج عام 1955م وحتى مؤتمر ديربان في جنوب أفريقيا عام 1998م، كما كان لهذا المبدأ دور خاص في سياسة بلدان عدم الانحياز سواء في ممارساتها الخارجية أو من خلال المؤتمرات التي عُقدت. حيث أولت الدول الأفرو آسيوية في مؤتمر باندونج اهتماماً كبيراً لمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، ويرجع هذا الاهتمام بسبب تدخلات الدول الإمبريالية في شؤون الدول الصغيرة خلال هذه المرحلة، ولذلك أكد مؤتمر باندونج على احترام سيادة جميع الدول والامتناع عن أعمال التهديد أو استخدام القوة ضد أي دولة، أما في مؤتمر بلجراد عام 1961، فكان من بين الموضوعات التي نوقشت مبدأ احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، كذلك تأكد موقف دول حركة عدم الانحياز وتمسكها بمبدأ عدم التدخل في مؤتمر القاهرة عام 1964م، وطالبوا باعتماد مبدأ التعايش السلمي كأساس قانوني للعلاقات الدولية، واستمر بعد ذلك تمسك حركة عدم الانحياز بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.

رغم تعدد حالات التدخل في شؤون الغير، إلا أنه كان هناك تباين واضح في مواقف دول عدم الانحياز، وتمثل ذلك في التدخل الفرنسي في تشاد عام 1968م، حيث قامت فرنسا بتقديم العون العسكري للقوات التشادية خلال الحرب الأهلية التي بدأت عام 1968م، وتطور هذا الدعم الفرنسي إلى تدخل مباشر، ورغم أن هذا التدخل من دولة كبرى منحازة في شؤون دولة من دول عدم الانحياز إلا أن موقف دول عدم الانحياز كان يشوبه التضارب بين التأييد وعدم التأييد أو عدم إعلان الرأي في هذا التدخل، كذلك كان هناك التدخل السوفيتي في أفغانستان عام 1979م، والذي يعتبر تدخل من دولة عظمى في الشؤون الداخلية لدولة من دول عدم الانحياز، إلا أنه كان هناك تباين واضح في مواقف بلدان عدم الانحياز إزاء هذا التدخل السوفيتي، الأمر الذي أكد عدم تنسيق السياسات واتفاقها على مفهوم موحد لعدم التدخل، وتمثل هذا التباين في موقف العراق وهي دولة غير منحازة حيث عارضت بشدة هذا التدخل، بينما كان موقف سورية مؤيداً لهذا التدخل، كذلك كان موقف كوبا وهي دولة غير منحازة مؤيداً من التدخل السوفيتي في أفغانستان، وبصفة عامة فإن عدد الدول غير المنحازة التي عارضت التدخل السوفيتي يفوق بكثير عدد الدول التي أيدته، وتمثل المواقف السابقة مواقف انفرادية لدول عدم الانحياز من التدخل السوفيتي، أما عن موقف حركة عدم الانحياز الجماعي فقد وضح خلال مناقشات مجلس الأمن لموضوع التدخل السوفيتي حيث اختيرت مجموعة من دول عدم الانحياز لصياغة توصية خاصة بالمشكلة، وجرى خلالها التنديد ورفض التدخل في أفغانستان، كذلك طُرحت هذه المشكلة على مؤتمر وزراء خارجية حركة عدم الانحياز الذي عقد في نيودلهي عام 1981م، فقد تأكد تباين مواقف الدول من التدخل السوفيتي، حتى وضح صعوبة الوصول إلى قرار نهائي يتفق عليه دول حركة عدم الانحياز.

3. دور حركة عدم الانحياز في نزع السلاح والتعايش السلمي

اتسمت مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية بسباق تسلح بين الدول، رغم ما أكده ميثاق منظمة الأمم المتحدة باللجوء إلى الوسائل السلمية لفض المنازعات الدولية وحظر استخدام القوة، وأهمية أن يلجأ أطراف النزاع إلى اتباع طرق التفاوض والتحقيق والوساطة والتوفيق والتحكيم والتسوية القضائية، أو أن يلجئوا إلى الوكالات والتنظيمات الإقليمية لإنهاء نزاعاتهم. إلا أن فشل سياسة الأمن الجماعي في إطار الثورة التكنولوجية في المجال النووي قد فرضت شكلاً جديداً من السلم وهو ما يطلق عليه السلم من خلال توازن ميزان الرعب، أو السلم النووي الذي قام على مبدأين أساسيين: هما مراقبة التسليح ونزع السلاح. ولتحقيق نزع السلاح نص ميثاق منظمة الأمم المتحدة بأنه من بين المسؤوليات التي يتعين على الجمعية العامة القيام بها لتحقيق السلم والأمن الدوليين، تحديد المبادئ المتعلقة بنزع السلاح، وتنظيم التسليح، ويتضح مما سبق أن حفظ السلم والأمن الدوليين وفقاً لميثاق الأمم المتحدة يتعلق بتنظيم التسليح، بحيث يكون هذا التنظيم أحد المبادئ الأساسية التي يتحقق بها السلام العالمي.

اعترفت الجمعية العامة للأمم المتحدة بالحاجة الماسة إلى وضع قواعد عامة لتنظيم التسليح، لذلك شكلت لجنة الطاقة الذرية عام 1946م، ولجنة الأسلحة التقليدية عام 1947م، إلا أنه بعد إخفاق هاتين اللجنتين في تحقيق مهامها شكلت لجنة نزع السلاح التي عهد إليها بأعمال اللجنتين السابقتين، وتوقفت هذه اللجنة عن نشاطها بسبب توتر الوضع الدولي أثر نشوب الحرب الكورية خلال الفترة بين عام 1950م وعام 1953م، واستمر بعد ذلك أسلوب عمل لجنة نزع السلاح بين عودة النشاط والتوقف، وفقاً للتنافس القائم بين الكتلة الشرقية والكتلة الغربية، حيث بلغت التجارب النووية ذروتها من قبل الطرفين منذ منتصف الخمسينيات.

في ظل هذا التنافس المتصاعد بين الكتلتين وتأزم العلاقات الدولية، عقد مؤتمر بلجراد لحركة عدم الانحياز عام 1961م، الذي أولى موضوع نزع السلاح أهمية خاصة، وطالب أعضاء المؤتمر بأهمية تمثيل الدول غير المنحازة في جميع المؤتمرات الدولية التي تعقد لبحث موضوع نزع السلاح، كما أكدوا على ضرورة إجراء المناقشات حول ذات الموضوع تحت رعاية منظمة الأمم المتحدة، كما ينبغي نزع سلاح كامل وشامل في إطار نظام فعال للإشراف والرقابة، على أن تنضم إلى الفرق المنفذة لهذه المهمة أعضاء منتمين إلى الدول غير المنحازة. كما أكد المؤتمر بأهمية عقد اجتماع خاص للجمعية العامة لمناقشة موضوع نزع السلاح، أو عقد مؤتمر عالمي لنزع السلاح تحت إشراف الأمم المتحدة، وبالفعل تناولت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1961م مناقشة موضوع التجارب النووية، وأخذت قراراً بإيقافها بأغلبية 71 صوتاً ضد 20 صوتاً.

في عام 1964م إثر توقف أعمال لجنة نزع السلاح التابعة للأمم المتحدة انعقد المؤتمر الثاني لدول عدم الانحياز، الذي أكد الأعضاء من خلالها على أهمية نزع السلاح العام والشامل واستخدام الطاقة الذرية للأغراض السلمية، وتحريم التجارب النووية وإنشاء مناطق مجردة من الأسلحة النووية، وقد طالب أعضاء حركة عدم الانحياز من الجمعية العامة للأمم المتحدة اعتبار القارة الأفريقية منطقة خالية من الأسلحة النووية. وفي الفترة ما بين عام 1969م ـ عام 1973م، أُبرمت معاهدة سولت الأولى، وبدأ الطرفين في المحادثات لإبرام معاهدة سولت الثانية، وخلال هذه الفترة انعقد مؤتمري حركة عدم الانحياز في لوساكا عام 1970م، ومؤتمر الجزائر عام 1973م، أكدت فيهما دول الحركة عن ارتياحها لسياسة الوفاق.

نخلص مما سبق، أن التعايش السلمي معترف به من كافة دول العالم، وتتلخص اتجاهات دول عدم الانحياز في تبني سياسة جديدة تخفف من حدة التوتر العالمي، في إطار إجماع شعبي اشتركت فيه كثير من الدول خلال العديد من المؤتمرات الرسمية والشعبية وداخل الأمم المتحدة بهدف الوصول إلى حل لمشكلة نزع السلاح، ورغم تعدد الآراء حول مبدأ التعايش السلمي إلا أنه ارتبط أساساً بسياسة عدم الانحياز، حيث كان تعبيراً عن رغبة الشعوب التي لا تؤيد الحروب بكافة أشكالها، وتطالب بإقامة جسور من التعاون والتفاهم بين الدول التي تختلف نظمها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

4. موقف دول عدم الانحياز من التمديد اللانهائي لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية

تُعَدّ قضية إزالة خطر التهديد النووي، ووضع حدّ للتسابق النووي، قضية مركزية في توجهات الحركة، التي ترى أن انتشار الأسلحة النووية واختزانها تهديد للسلم العالمي. ويزيد من خطر المواجهات النووية حصول الدول النامية على هذه الأسلحة؛ لكثرة خلافاتها ونزاعاتها، التي قد تؤدي إلى استخدام هذه الأسلحة في الصراع المسلح. وفي عام 1968، وقعت 130 دولة معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية. وكان لبعض دول عدم الانحياز موقف مخالف، يُعْزى إلى عدم وجود ضمانات حقوقية، وعالمية، كافية لضمان أمن الدول، التي لا تمتلك تلك الأسلحة. ورأت دول أخرى، أن المعاهدة غير عادلة، إذ تحرم الدول النامية الحصول على التكنولوجيا النووية، وخاصة في مجال الاستخدام السلمي، وتوليد الطاقة.

طُرحت فكرة إنشاء مناطق خالية من السلاح النووي، للمرة الأولى، عام 1956؛ إلا أنها لم تظهر في دبلوماسية عدم الانحياز إلا في أوائل الستينيات. وفي عام 1967، وُقِّعت معاهدة حظر استعمال الأسلحة النووية، في أمريكا اللاتينية؛ وانضم إليها، حتى الآن، 25 دولة. وكانت القارة الأفريقية، قد أُعلنت، عام 1964، منطقة خالية من الأسلحة النووية؛ غير أن ذلك لم يتأتَّ إلا بعد سقوط النظام العنصري، في جنوب أفريقيا. وفي عام 1974 طرحت حركة عدم الانحياز فكرة، أن تُعلن منطقة الشرق الأوسط منطقة مجردة من الأسلحة النووية. وكان الاقتراح مكوناً من ثلاثة أُسُس:

أ. تمتنع دول المنطقة عن إنتاج الأسلحة النووية واختزانها.

ب. تمتنع الدول النووية عن نشر الأسلحة النووية في المنطقة، أو إرسالها إليها.

ج. يتولى نظام دولي فاعل تقديم الضمانات الدولية الكافية، والإشراف على تنفيذ هذه الاتفاقيات.

في عام 1974، أي بعد عام واحد من انعقاد مؤتمر الجزائر لحركة عدم الانحياز، أجرت الهند أول تفجير نووي في 18 مايو 1974م، وبذلك انضمت الهند للنادي النووي وهي دولة من دول عدم الانحياز، وقد كان لهذا التفجير الهندي آثار سلبية على التوجه نحو نزع السلاح، حيث شجع العديد من دول العالم بصفة عامة ودول العالم الثالث بشكل خاص على السعي لامتلاك السلاح النووي. ومنذ انعقاد المؤتمر الخامس لدول عدم الانحياز في كولومبو عام 1976، وأعضاء دول حركة عدم الانحياز يبدون تخوفهم من تفاقم التوتر الدولي والسباق نحو التسليح، خاصة بعد تزايد عدد الدول التي تمكنت من الانضمام للنادي النووي، وأصبح هناك سباق واضح للحصول على الأسلحة التقليدية والنووية، وكان آخرها السباق النووي بين الهند وباكستان في نهاية التسعينيات والذي تباينت آراء دول عدم الانحياز حوله.

رغم البدء في تنفيذ معاهدة انتشار الأسلحة النووية منذ عام 1970، إلا أن دول عدم الانحياز التي انضمت لهذه المعاهدة كانت تشعر بالقلق حيال العديد من القضايا، وخاصة قضية التوصل لمعاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية، وقضية الضمانات الأمنية، وقضايا الاتجار في مواد نووية ومعداتها، وما يتصل بذلك من قضايا إقليمية. ومنذ أن بدأت مؤثرات مراجعة المعاهدة عام 1975، أعلنت دول عدم الانحياز تخوفها من عدم إحراز تقدم ملموس حيال القضايا، ووضح موقف دول عدم الانحياز من قضايا التمديد اللانهائي لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية خلال المؤتمر الوزاري الحادي عشر لمجموعة دول عدم الانحياز بالقاهرة خلال الفترة بين 31 مايو - 3 يونيه 1994، حيث قامت دول المجموعة بتحويل جزء كبير من اهتمامها إلى نزع السلاح والأمن الدولي، وتمثل ذلك في وثيقة صدرت عن هذا المؤتمر، حيث أبدت دول المجموعة قلقها من جراء انعدام التوازن المطرد بين التزامات ومسؤوليات الدول النووية والدول غير النووية، وقد أدركت دول الحركة حجم المشكلة التي واجهتها عند تفاوضها حول مؤتمرات المراجعة لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية وكذلك مؤتمر نزع التسلح، وناشدت دول عدم الانحياز جميع الدول بشكل عام ودول مؤتمر نزع السلاح بشكل خاص إلى اعتبار أن نجاحها في التوصل إلى معاهدة عالمية فعالة للحظر الشامل للتجارب النووية يمكن التحقق من تنفيذها على المستوى الدولي، هو من الأمور التي ينبغي أن تأخذ أكبر قدر من الأولوية، وانتظاراً لما سوف تسفر عنه جهود التوصل إلى معاهدة لمنع إنتاج وتخزين المواد الانشطارية التي تصلح لإنتاج الأسلحة النووية والمتفجرات النووية الأخرى، ربما كانت إسهاماً متميزاً في مجال نزع السلاح النووي وعدم الانتشار النووي، وعلى صعيد اتفاقية جنيف أكدت دول عدم الانحياز على ضرورة أن تقوم الدول النووية بإعادة تأكيد التزاماتها بالإزالة الكاملة للأسلحة النووية، كما اقترحت دول المجموعة خطة عمل مرتبطة بجدول زمني ينتهي بتوقيت مستهدف لتحقيق الإزالة الكاملة للأسلحة النووية.
 
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معلومات العضو
لالة بتينة

لالة بتينة

Admin

Admin
معلومات إضافية
كيف تعرفت علينا : غيره
الجنس : ounta
المهن : jami3i
الهواية : rkoub elkhayl
المزاج : ray9
الدولة : france
عدد المساهمات : 4981
تاريخ التسجيل : 14/05/2012
معلومات الاتصال
http://www.lalaboutayna.com/
مُساهمةموضوع: رد: حركة عدم الانحياز   حركة عدم الانحياز I_icon_minitimeالأحد يونيو 02, 2013 5:35 pm


أكدت دول عدم الانحياز على ضرورة وجود خطة زمنية لنزع السلاح النووي يجري خلالها الربط بين الضمانات الأمنية وإزالة جميع الأسلحة النووية، ولذلك حثت مؤتمر نزع السلاح على التفاوض حول اتفاقية دولية متوازنة الأسس تمنع استخدام أو التهديد باستخدام الأسلحة النووية تحت أي ظرف من الظروف، كما اعتبرت دول المجموعة أن تبني قرار من مجلس الأمن يوفر تأكيدات أمنية فعالة وغير مشروطة وشاملة للدول غير النووية ضد الاستخدام أو التهديد باستخدام الأسلحة النووية، قد يكون إسهاماً إيجابياً لمنع انتشار الأسلحة النووية، وربما يكون كذلك خطوة لتحقيق نزع السلاح النووي.

اعتبرت دول عدم الانحياز أن إقامة مناطق خالية من الأسلحة النووية يعد بمثابة خطوة أساسية لتحقيق إزالة أسلحة الدمار الشامل، كما رحبت دول المجموعة بمبادرات إنشاء هذه المناطق منها منطقة الشرق الأوسط. ولحين تحقيق ذلك طالبت دول المجموعة من إسرائيل أن تعلن عن امتلاكها للأسلحة النووية، وأن تنضم إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وأن تضع جميع منشآتها النووية داخل الإطار الكامل لضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، كما رحبت دول عدم الانحياز كذلك بالتقدم الذي أُنشئت عن طريقه منطقة خالية من الأسلحة النووية في أفريقيا.

ظلت دول عدم الانحياز تسعى من خلال مؤتمرات نزع السلاح لتحقيق مبدأ اعتماد الضمانات الأمنية السلبية لتكون في إطار معاهدة دولية متعددة الأطراف وذات شروط قانونية ملزمة. وكان ذلك التوجه هو المسيطر على فكر دول حركة عدم الانحياز، وفي ظل افتقاد ضمانات أمنية ذات طبيعة عالمية، وعدم صدور قرار جديد من مجلس الأمن حول الضمانات الأمنية السلبية أو الضمانات الإيجابية، فإن دول الحركة لم تغير موقفها تجاه المد اللانهائي لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، حيث أنها ظلت تفضل دائماً أن تكون الضمانات السلبية في صورة معاهدة.

ومنذ دخول معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، عام 1970، عُقدت مؤتمرات لمراجعتها، مرة كلّ خمس سنوات. ولقد سعى المؤتمر إلى الاتفاق على إعلان نهائي، يقيّم تنفيذ بنود المعاهدة، ويقدم توصيات في شأن التدابير الآنية للمضي في تعزيزها؛ إلا أن الخلافات تركزت في التزام الدول، الحائزة السلاح النووي، متطلبات معاهدة نزع السلاح النووي. وفي إطار الإعداد لمؤتمر عدم انتشار الأسلحة النووية، عام 2005، عقدت اللجنة التحضيرية المختصة ثلاث دورات متعاقبة، في الفترة الممتدة من أبريل 2002 إلى مايو 2004؛ إلا أن استمرار تنافر الآراء، حال دون الاتفاق على القضايا الجوهرية. ومن ثَم، تقرر إنشاء ثلاث لجان، لإعداد مسودة القواعد الإجرائية: رأست أُولاها إندونيسيا، ممثلة حركة عدم الانحياز؛ وثانيتها هنغاريا، ممثلة أوروبا الشرقية؛ والثالثة السويد، ممثلة جماعة الدول الغربية.

وفي فبراير 2005، صدَّقت 63 دولة، طرف في معاهدة عدم انتشار أسلحة الدمار الشامل، على البروتوكولات الإضافية. وعُقِد المؤتمر الخامس، لمراجعة المعاهدة، في 27 مايو 2005، في الولايات المتحدة الأمريكية. واختُتم بإقرار وثيقة مقتضبة، على خلفية الأزمتَين النوويتَين: كوريا الشمالية وإيران؛ فضلاً عن ضرورة تقوية النظام، المنبثق من معاهدة منع انتشار أسلحة الدمار الشامل. ومن جهة أخرى، يبيِّن تطور أوضاع الطاقة عالمياً، أن الطاقة النووية، كان لها، وسيكون لها، دور أساسي، تضطلع به، من منظور التنمية المستدامة؛ وهو أمر ينطوي على تطوير التعاون الدولي.

5. دور حركة عدم الانحياز في مكافحة الاستعمار الجديد

يمثل مكافحة الاستعمار في كافة صوره الركيزة الأساسية التي تقوم عليها سياسة عدم الانحياز، حيث أن معظم الدول التي تبنت هذه السياسة كانت خاضعة للاستعمار، سواء كان استعماراً مباشراً أو غير مباشر في صورة حماية أو انتداب أو حتى وصاية، ومن ثم فإن التجربة الاستعمارية التي مرت بها دول عدم الانحياز أدت إلى اتخاذها من مكافحة الاستعمار هدف أساسي لسياستها الخارجية، وإذا كانت دول عدم الانحياز قد اتفقت على وضع فكرة مكافحة الاستعمار في مقدمة أهدافها، إلا أنها اختلفت في مؤتمر باندونج على تحديد مفهوم الاستعمار الجديد وأشكاله، فمنها من رأي بأن الاستعمار ظاهرة غربية محضة، ولا يمكن أن يحدث إلا بوساطة الدول الغربية الرأسمالية، كذلك كان هناك من رأي أن الاستعمار يمكن أن يكون شرقياً شيوعياً، وبذلك يمكن للتسلط والهيمنة الاستعمارية أن تجرى بوساطة دول غربية رأسمالية أو دول شرقية شيوعية.

وإذا كانت الخلافات قد اشتدت حول مفهوم وتحديد الاستعمار فإن هذا الخلاف قد بدأ يتلاشى في مؤتمرات الحركة منذ انعقاد مؤتمرها التأسيسي عام 1961، حيث أجمعت دول عدم الانحياز على أن الاستعمار الذي يتحتم مكافحته هو الاستعمار الغربي أما احتمالات التسلط السوفيتية أو الصينية الذي طرحته بعض الدول غير المنحازة فهو في رأي أغلبية بلدان عدم الانحياز غير قائم، ولا يمكن مقارنته بالاستعمار الغربي. ومع تطور حركة عدم الانحياز تطور معها فكر المنظمة التي أصبحت لا تعمل فقط على محاربة الاستعمار التقليدي الاستيطاني، بل بدأت في مناهضة الاستعمار الجديد الذي هو أساساً امتداد للاستعمار التقليدي الذي اتخذ أشكالاً جديدة متنوعة بسبب ضعف الاستعمار التقليدي أمام تصاعد موجات حركات التحرر الوطني والقومي، كذلك كان هناك ضرورة أن يطور الاستعمار التقليدي مع معطيات العصر وتطور العلاقات الدولية، فكان هناك الاستعمار الجديد الذي يختلف في أهدافه وأشكاله وأساليبه وكذلك في المحتوى والمضمون، بحيث أصبح من خلال أساليبه الغير مباشرة أكثر خطورة وتأثيراً من الاستعمار التقليدي.

وإذا كان الاستعمار الجديد يختلف عن الاستعمار التقليدي من حيث الشكل والمضمون، فإن للاستعمار الجديد أسس يقوم عليها في الدول التي يستعمرها، أو في الدول حديثة الاستقلال تتمثل في الآتي:

أ. وجود نظم سياسية وحكومات تابعة له من الناحية السياسية والعسكرية.

ب. تبعية الهياكل والمؤسسات الاقتصادية في الدول المتخلفة للنظام الرأسمالي العالمي.

ج. هيمنة وسيطرة الشركات المتعددة الجنسيات على الأنشطة الاقتصادية في هذه الدول.

د. التبعية الثقافية لشعوب بلدان العالم الثالث إلى النظم التربوية الاستعمارية.

وبذلك يكون محاور نشاط الاستعمار الجديد سواء كانت سياسية أو عسكرية هي نفس محاور نشاط الاستعمار الجديد إضافة إلى إيجاد محاور وأسس أخرى تشمل الجوانب الأيديولوجية والاقتصادية والثقافية.

ولمواجهة أساليب الاستعمار الجديد اتبعت دول حركة عدم الانحياز في محاربتها للاستعمار الجديد عدة وسائل تمثلت في الآتي:

أ. مطالبة الدول الاستعمارية بمنح الاستقلال للبلاد التي مازالت خاضعة لها.

ب. العمل على إصدار توصيات من هيئة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية المتخصصة المختلفة التابعة لها بإدانة الدول الاستعمارية.

ج. دعوة الدول الكبرى إلى الامتناع عن مساندة وتأييد الحكومات والأنظمة الاستعمارية.

د. مطالبة الدول غير المنحازة بقطع علاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية مع الدول الاستعمارية والدول التي تؤيدها.

هـ. مطالبة الدول غير المنحازة بمساندة حركات التحرر الوطني سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.

ولقد ركزت دول عدم الانحياز نضالها ضد الاستعمار التقليدي والاستعمار الجديد، خلال ثلاث محاور أساسية هي:

أ. المطالبة بتصفية القواعد العسكرية، وخاصة تلك القواعد الموجودة في دول عدم الانحياز.

ب. محاربة التكتلات والأحلاف العسكرية واعتبارها مصادر للحرب والتوتر والدعوة إلى تصفيتها

ج. المطالبة بإنشاء مناطق سلام، وهي المناطق الخالية من السلاح النووي وخاصة منطقة البحر المتوسط والمحيط الهادي وأفريقيا وأضيف إليها مؤخراً منطقة الشرق الأوسط.

6. دور حركة عدم الانحياز في مكافحة التمييز العنصري

إن مكافحة التمييز العنصري أو الأبارتيد[2] Aparthied بالنسبة لدول حركة عدم الانحياز تدخل ضمن كفاحها ضد الحركة الإمبريالية والاستعمار التقليدي والاستعمار الجديد ككل، لأن التمييز العنصري ما هو إلا شكل من أشكال العنصرية التي تقوم أساساً على التفرقة العرقية، كما يعتبر والأبارتيد الشكل الأكثر تخلفاً وشراسة من بين أنواع التمييز العنصري، ولقد تمثل موقف دول حركة عدم الانحياز من هذه السياسة منذ انعقاد مؤتمر بلجراد في تأكيد الحركة المستمر على مكافحة التمييز العنصري، ولكن كان ذلك بدرجات متفاوتة ومتباينة من حيث الأهمية، فبينما استنكرت دول الحركة في مؤتمري بلجراد عام 1961م والقاهرة عام 1964م السياسات والممارسات العنصرية التي تطبقها أنظمة الأقليات البيضاء في جنوب أفريقيا، والكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة، إلا أن مؤتمر لوساكا عام 1970م لم يول اهتمام لمسألة التمييز العنصري، بل اقتصر على تأكيد مقررات المؤتمرات السابقة في هذا الشأن. أما في مؤتمر الجزائر عام 1973م، فرغم أنه ركز أساساً على القضايا الاقتصادية، إلا أنه أولى اهتماماً كبيراً بموضوع التمييز العنصري، وأصبحت هذه السياسة المناهضة للتمييز العنصري هي السمة الأساسية لمؤتمرات عدم الانحياز.

وبذلك أصبح موقف دول عدم الانحياز من سياسة التمييز العنصري والأبارتيد التي تمارسها بعض الدول الاستعمارية، بتشجيع من الإمبريالية العالمية قد شكلت وما تزال تشكل إحدى المشاكل الرئيسية لسياسة حركة عدم الانحياز، رغم أن تصفية الاستعمار قد أصبحت في مرحلتها النهائية والحاسمة، إلا أن عدداً من الشعوب مازال يكافح ضد الإمبريالية والتمييز العنصري والصهيونية في بعض الدول الأفريقية وفي فلسطين.

7. حركة عدم الانحياز وجهود تفعيل دور المرأة[3]

عُقد، في ماليزيا، خلال الفترة من 9 إلى 11 مايو 2005، مؤتمر وزاري لدول حركة عدم الانحياز، تحت عنوان: "تمكين المرأة من مواجهة تحديات العولمة". حضره ثمانية وخمسون وزيراً، وخمسة وثمانون رئيس وفد. وكانت هذه هي الخطوة الأولى، في تاريخ حركة عدم الانحياز، نحو الاهتمام بشؤون المرأة، ومواجهة المشاكل، التي تعوق تقدمها، في دول الحركة؛ وبحث السبل إلى تمثيل المرأة تمثيلاً عادلاً في مواقع اتخاذ القرار. كما نُوْقِش وضع المرأة في مناطق النزاعات المسلحة، وتعرُّضها للعنف. ولقد تقرر رفع نتائج المؤتمر التالية إلى قمة عدم الانحياز، لإبرامها، والأخذ بها، وفقاً لمبادئ الدول الأعضاء والتزاماتها.

أ. الإقرار بأن مشاركة المرأة في كلّ القطاعات، وفي المستويات كافة، تُعَدّ عاملاً مهماً في سبيل رفع قدراتهن، وتحقيق المساواة بين الجنسَين.

ب. تأكيد ضرورة المحافظة على مبادئ الحركة وأفكارها النبيلة، كما حددها مؤسسوها؛ وذلك من أجل تقوية الحركة، وجعْلها قوة قيادية، في القرن الحادي والعشرين.

ج. طلبُ رؤساء الدول والحكومات، الأعضاء في حركة عدم الانحياز، من الدول غير الموقعة معاهدة إزالة جميع أشكال التمييز ضد المرأة، أن تعمل، بصورة فعالة، على التصديق على هذه المعاهدة، أو الانضمام إليها، أو إلى بروتوكولها الاختياري.

د. الإقرار بالحاجة إلى التطبيق الشامل، والعاجل، لمعاهدة إزالة جميع أنواع التمييز ضد المرأة، في كلّ الدول، الأطراف في المعاهدة.

هـ. تأكيد التأييد لبيان بكين، وبرنامج العمل المنبثق من الدورة الثالثة والعشرين للجمعية العامة، واللذَيْن حملا شعار: المرأة 2000 المساواة بين الجنسَين، والتنمية والسلام في القرن الحادي والعشرين، إذ يُعَدّان إسهامَيْن مهمَّيْن في ترقية مكانة المرأة في العالم، في تحقيق المساواة بين الجنسَين.

و. اعتماد بيان مفوضية شؤون المرأة، الذي صدر عن دورة الانعقاد التاسعة والأربعين للجنة.

ز. الإشادة بالتطور، الذي طرأ على تناول الموضوعات المتعلقة بالمرأة، ومراعاة المفارقات والتحديات والعوائق، الملقاة على عاتق أعضاء حركة عدم الانحياز، في سبيل تنمية دور المرأة، وتحقيق المساواة بين الجنسَين.

ح. الإقرار بأن التعاون والمشاركة، في سياق الأفضلية النسبية، وبناءً على مبدأ القيم المشتركة في التنوع، يمثلان الطريقة الأكثر فاعلية في العمل على دعم المرأة، والمساواة والإنصاف بين الجنَسين.

ط. أهمية توسيع نطاق جهود حركة عدم الانحياز، والمسارعة في دفع عملية بناء قدرات المرأة، والحاجة إلى تضافر هذه الجهود مع الالتزامات، التي تعهدت بها مؤتمرات الأمم المتحدة وقِممها؛ وكذلك الأهداف التنموية المتفق عليها دولياً، ومن بينها تلك المُدْرَجة في إعلان الألفية الثالثة.

ي. الإقرار بالمشاكل المستمرة، التي تواجه المرأة (نساء ـ فتيات)؛ والتعهد بالعمل على دعم وبناء قدراتها، من خلال خطوات وإجراءات عملية في الجوانب التالية:

(1) المرأة والفقر والتنمية الاقتصادية

يُعَدّ الارتقاء بشأن المرأة ومشاركتها الفعالة، والمباشرة، في المجال الاقتصادي، ضرورة في سبيل تحقيق التنمية المستدامة، واستئصال الفقر، في دول حركة عدم الانحياز. ومن ثَم، فإن رفْع قدرات المرأة، وزيادة نسبة مساهمتها في المجال الاقتصادي، في كِلا القطاعَين: العام والخاص، يُعَدّان عاملَين قوميَّيْن مهمَّين. وفي هذا الشأن، فإن الأسرة، التي تحترم حقوق الإنسان، والخاصة بكلّ أعضائها، في مؤسسة أسرية، توفر الكثير من القِيم: المادية والمعنوية، لأبناء المجتمع؛ ولذلك تعهدت حركة عدم الانحياز بالآتي:


(أ) إدراج مصالح المرأة واهتماماتها في الإصلاحات والسياسات الاقتصادية الكلية، على أساس المساواة مع الرجل؛ مع مراعاة تأثير توجهات الاقتصاد العالمي.

(ب) تعزيز دور القطاع العام، لضمان توفير خدمات صحة شاملة للمرأة؛ إضافة إلى التعليم، وخدمات الضمان الاجتماعي؛ وذلك لتمكينها من الاندماج الكامل في النشاطات الاقتصادية.

(ج) دعم قدرات الاقتصاديين، في كلّ المستويات والمؤسسات، على تحليل مسائل الاختلاف بين الجنسَين.

(د) تطوير وتأطير ميزانيات، تكفل الموازنة بين الجنسَين.

(هـ) انتهاج سياسات، تدرك، وتقيّم مساهمة النساء في الاقتصاد غير الرسمي؛ فتزيد من إنتاجهن الاقتصادي، والحماية الاجتماعية.

(و) إيجاد برامج، ترفع من القدرات الإنتاجية للنساء؛ وتشمل إمكانية الحصول على التقنية والعلوم والمهارات.

(ز) تأمين مشاركة المرأة، بفاعلية، في وضع السياسات الاقتصادية الكلية والإستراتيجيات والبرامج، وتنفيذها ومراقبتها وتقييمها.

(ح) الحث على دراسات، تهتم بتأثير العولمة، وتحرير التجارة، في وضع المرأة؛ للوقوف على قضاياها، ومراعاة تلك القضايا في عملية صناعة القرار.

(ط) تشكيل إستراتيجيات، لحصر مسببات التأثيرات السلبية للعولمة في وضع النساء والفتيات، في العالم أجمع.

(ي) خلق فرص عمل، وأوضاع وظيفية كريمة للنساء؛ لأجل الترقي بأوضاعهن في سوق العمل.

(2) المرأة في عملية اتخاذ القرار

تساوي الرجل والمرأة في المشاركة في عملية اتخاذ القرار، سيوجد توازناً، ينعكس بفاعلية على تركيبة المجتمع؛ فضلاً عن إسهامه في تقوية العملية الديموقراطية، وزيادة النمو. وقد حققت المرأة تطوراً طفيفاً في اهتمام القوى السياسية بأوضاعها؛ بيد أن تمثيلها، ما برح ضئيلاً، في كلّ القطاعات، وكلّ مستويات القرار في الحكومة. ولذلك، فإن ارتفاع نسب مشاركة المرأة في عملية اتخاذ القرار، هي ضرورة، لأجل ترقيتها؛ وهو الأمر نفسه، الذي حمل دول حركة عدم الانحياز على الآتي:

(أ) انتهاج سياسات، تؤكد التمثيل المتساوي للجنسَين في كلّ المفوضيات، والمحاكم الدولية، وأجهزة الحكم المحلي، والأجهزة القضائية الأخرى وغيرها، ومرافق حكومية.

(ب) زيادة نسبة النساء، في مستوى اتخاذ القرار (على الأقل 30%) في كلّ أجهزة الدولة، بما فيها الأجهزة القضائية.

(ج) مراجعة معيار وطريقة تعيين أجهزة اتخاذ القرار، في القطاعَين: العام والخاص؛ وذلك لتشجيع مشاركة المرأة وتمثيلها.

(د) اتخاذ الترتيبات والإجراءات، التي تؤكد ضرورة التزام الأحزاب السياسية، ونقابات العمل، وأجهزة القطاع الخاص، تساوي الجنسَين في المشاركة، والتمثيل في عملية اتخاذ القرار.

(3) المرأة والتعليم

لا ريب أن التعليم هو الوسيلة المهمة، والفعالة، إلى تحقيق المساواة بين الجنسَين، وتحقيق التنمية والسلام؛ إلا أن نسبة كبيرة من الأطفال، تُحْرَم التعليم، وخاصة الفتيات، في المستويَين: المتوسط والثانوي. ولذلك، لا تزال المرأة دون المستوى المطلوب، في المجالات: العلمية والتكنولوجية، وخاصة في مجال الهندسة والعلوم والفيزياء والرياضيات. ومن ثَم، فإن ترقيتها، في الدول الأعضاء في حركة عدم الانحياز، تعتمد على مستوى تعليمها ونوعيته؛ وذلك من خلال إتاحة الفرص المتساوية في طرائق التدريس والتوجيه الأكاديمي وأساليبهما، بعيداً عن أيّ تأثير لعامل الانحياز إلى أحد الجنسَين. ولذلك، التزمت دول حركة عدم الانحياز الآتي:

(أ) تأمين حصول الجنسَين على فرص متساوية، من المنح التعليمية، وغيرها من التسهيلات الأخرى.

(ب) خلق نوع من التوعية بأهمية المساواة بين الجنسَين، وتطوير مقدرات تحليلية بينهما، في مدى النظام التدريبي، والتعليمي.

(ج) اتخاذ الضوابط كافة، التي تؤكد إتاحة الفرص المتساوية بين الجنسَين، للحصول على التعليم النظامي، وغير النظامي، وكذلك التدريب المهني، في المستويات كافة.

(د) مراقبة معاهدة التعليم الخاصة، لتأكيد اتباعها ضوابط وسياسات، تساوي بين الجنسَين؛ بهدف تشجيع النساء، ولاسيما الفتيات، على التعليم.

(هـ) توفير الفرص والتسهيلات، لتأمين مراحل تعليمية طويلة للنساء؛ مع إتاحة الفرص المتساوية بين الجنسَين، للمشاركة الفعالة في الأنشطة المدرسية كافة.

(و) التخلص من العوائق: التركيبية والثقافية، لزيادة نسبة الطالبات، في العلوم والتكنولوجيا.

(4) المرأة والصحة

صحة النساء مهمة جداً؛ وذلك لتأمين قدرتهن على المشاركة في كلّ مجالات الحياة: الخاصة والعامة. لكن طرائق حصولهن على الخدمات الصحية الأولية مختلفة، وغير متساوية. ويتضح ذلك من خلال تزايد أعداد المصابات بمرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز)، والذي أصبح هاجساً لدول حركة عدم الانحياز، حتى حَمَلَها على التزام الآتي:

(أ) وضع السياسات والبرامج، التي تراعي الحقوق الصحية للنساء؛ مع الأخذ في الحسبان العوامل والظواهر، التي تميزهن من الرجال.

(ب) العمل على حصول الجنسَين على فرص متساوية، لخدمات الرعاية الأولية؛ وتخصيص قضايا المرأة، وخاصة في مجال الصحة، بخدمات تزيد من إنتاجيتها.

(ج) إنشاء صندوق مالي، يسخَّر لحصول المرأة على العلاج الوقائي، وخدمات الرعاية المنزلية.

(د) تأسيس مرفق خاص بالإناث، لمراقبة مرض الإيدز، وحث المجتمع على الرفق بأولئك المرضى ورعايتهن.

(5) المرأة وتقنية المعلومات

حيث فرضت ثورة المعلومات تحديات عديدة، في ما يتعلق بموضوع المساواة بين الجنسَين، وخاصة أنه لا يمكن تجاهل دور تقنية المعلومات في تحقيق التنمية. ولمواجهة تلك التحديات، التزمت دول حركة عدم الانحياز الآتي:

(أ) تطوير سياسات التعليم والتدريب، في المستويات كافة؛ إضافة إلى تدريب المعلمين، وإدارة المؤسسات، والتعليم المتواصل.
 
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معلومات العضو
لالة بتينة

لالة بتينة

Admin

Admin
معلومات إضافية
كيف تعرفت علينا : غيره
الجنس : ounta
المهن : jami3i
الهواية : rkoub elkhayl
المزاج : ray9
الدولة : france
عدد المساهمات : 4981
تاريخ التسجيل : 14/05/2012
معلومات الاتصال
http://www.lalaboutayna.com/
مُساهمةموضوع: رد: حركة عدم الانحياز   حركة عدم الانحياز I_icon_minitimeالأحد يونيو 02, 2013 5:36 pm


(ب) تطوير برامج التعليم تطويراً، يتيح للنساء فرص اكتساب المهارات، والمعرفة الضرورية؛ وذلك لزيادة فاعلية مشاركتهن في مجال تقنية المعلومات.

(ج) إعداد برامج تعليم إلكترونية للمرأة، ترسخ مهاراتها بتقنية المعلومات.

(د) تسهيل حصول المرأة على رأس المال، الذي يسهم في بناء قدراتها، في مجال المشاريع المرتبطة بتقنية المعلومات، ومن بينها مشاريع (المكتب ـ المنزل).

(هـ) تطوير أساليب العمل عن بُعد؛ لتمكِّن النساء من العمل أكثر عدد من الساعات.

(6) المرأة والنزاع المسلح

إن معظم المتضررين من الحروب الحالية، والنزاعات المسلحة، همْ من المدنيين، وغالبيتهم من النساء والأطفال. كما تعاني المرأة انخفاض معدل مشاركتها في عملية السلام والأمن، واتخاذ القرار في شأن المفاوضات والاتفاقيات. ومن ثَم، فإن دول حركة عدم الانحياز، تؤمن بأهمية القضايا المتعلقة بالمرأة، ولاسيما إبّان النزاع المسلح؛ ولذلك التزمت حركة عدم الانحياز الآتي:

(أ) إيجاد الضوابط، التي تؤكد دور المرأة وحقوقها، خلال مفاوضات السلام، ومراحل التحول وإعادة البناء.

(ب) تأكيد مشاركة المرأة وتمثيلها في حالات منع النزاعات، ووضع التوصيات، وبناء السلام؛ ومرحلة ما بعد النزاعات، ومراحل إعادة البناء.

(ج) زيادة دعم المرأة في العمليات السياسية، في الدول التي تعاني النزاعات؛ ما يمكِّن المرأة من التأثير في احتواء النزاعات، والمساهمة في بناء عملية السلام وإعادة البناء.

(د) تحديد الأساليب وبرامج التدخل، لحماية النساء، في معسكرات اللاجئين، من أعمال العنف، وكلّ أنواع الاستغلال الجنسي.

(7) العنف ضد المرأة

حيث أصبح العنف ضد المرأة، يمثل خرقاً لحقوق الإنسان الأساسية؛ كما يُعَدّ عائقاً لتحقيق أهداف المساواة والتنمية والسلام؛ وهو يشكل العديد من الصور المفزعة؛ فإن محاربته تتطلب تغيير طريقة أدوار وعلاقات قوى المجتمع. ومن ثَم، التزمت دول حركة عدم الانحياز الاضطلاع بدور أساسي، في مواجهة كلّ أنواع العنف ضد المرأة، من خلال الآتي:

(أ) تعليم النساء، وتعريفهن بحقوقهن، وتقديم المساعدة القانونية، والإشراف، وغيرها من الخدمات المساعدة.

(ب) تعليم الرجال والأبناء احترام المرأة، بصفتها شريكاً مثيلاً في المجتمع.

ثانياً: حركة عدم الانحياز من المنظور الدولي

1. موقف الكتلة الشرقية من الحياد الإيجابي وحركة عدم الانحياز

رغم ظهور النظرية الماركسية في أوروبا، إلا أن أبعادها منذ البداية كانت عالمية التوجه وتناقض الرأسمالية، تهدف أساساً إلى إقامة أمة شيوعية لا تعتمد على الدول الأوروبية فقط، ويعتبر لينين أول من ساهم في نشر الفكر الماركسي في الدول والشعوب غير الأوروبية، ولقد وضح ذلك من خلال اهتمام لينين بالدول الآسيوية والأفريقية بهدف تحقيق الآتي:

أ. إقامة الثورات في المستعمرات سيمنع البورجوازية الأوروبية المستغلة لهذه المستعمرات من ثرواتها الضخمة، وقد يؤدي ذلك إلى التعجيل بالثورة في دول أوروبا.

ب. إذا أمكن للاستعمار من إيقاف تزايد الحركات الثورية لدى الطبقة العمالية، فإنه قد أوجد ثورات قومية في الأقاليم الخاضعة للاستعمار، وهذه الثورات تناهض الماركسية، وينعكس ذلك على إمكانية نجاح الماركسية في الدول الأوروبية وفي الدول غير الأوروبية، ولذلك يكون محاربة الاستعمار والقضاء عليه هو الهدف الأساسي للماركسية.

ج. في الدول الأفرو ـ آسيوية يكون القطاع الرأسمالي ضعيفاً مما يتيح إمكانية تغلب الثورات عليه.

لقد كان إعلان باكو في المؤتمر الأول لشعوب الشرق عام 1920م الأول من نوعه الذي هدف إلى دراسة أوضاع شعوب القارة الآسيوية، وفي النهاية وجه دعوته لحث شعوب الشرق إلى الاتحاد مع بروليتاريا الغرب لمحاربة الاستعمار والإمبريالية، ومنذ هذا المؤتمر بدأت الاتصالات بين ماركسي أوروبا وشيوعي شعوب الشرق، وبدأت تتسع دائرة مناهضة الاستعمار والإمبريالية، واستمرت سياسة الاتحاد السوفيتي في دعم ومساندة الحركات الثورية في الدول الخاضعة للاستعمار، كما سعت إلى مواجهة الحركات التي تنادي بالوحدة الإسلامية أو الوحدة الآسيوية. حيث رأت أن هذه الحركات إذا كانت تعمل على محاربة الاستعمار الأوروبي فإنها في ذات الوقت تعمل على دعم النفوذ التركي الإسلامي والاستعمار الياباني وسيطرة النبلاء وكبار الملاك، كذلك رفض الاتحاد السوفيتي قيام أي تكتل إقليمي أو قاري بين الدول الأفريقية أو بين الدول الآسيوية، وحتى رفضت التكتلات التي نادي بها بعض الشيوعيين المسلمين واعتبرتها خروجاً على الحركة الشيوعية الدولية

يتضح مما سبق أن هناك تناقض بين الحركة القومية التحررية في آسيا وأفريقيا من جانب والحركة الماركسية من جانب آخر، ولقد أدى هذا التناقض إلى عدم انتشار الماركسية في الدول الأفرو ـ آسيوية، كما كان هناك اقتناع سوفيتي بعدم إمكانية قيام صراع طبقي في آسيا وأفريقيا بسبب عدم وجود طبقة بروليتارية منظمة، كما أنكرت إمكانية نجاح الحركات الثورية لدى الشعوب الأفريقية والآسيوية، التي تميزت بالدور القيادي لطبقة الفلاحين في تحرير بلادهم من الاستعمار، إلا أنه مع وصول الشيوعيين في الصين إلى الحكم عام 1949م، عملت على تطور الماركسية وفق خصوصيات المجتمع الصيني، مما أدى إلى تطور المفاهيم الماركسية لدى الحزب الشيوعي السوفيتي خاصة في مجال علاقاته بالدول حديثة الاستقلال، ومع تأقلم الفكر الماركسي بدأ التناقض بين الماركسية والإيديولوجية الأفرو ـ آسيوية يزول نسبياً، حيث أصبحت بعض الأنظمة الماركسية الاشتراكية مثل الصين الشعبية ويوغسلافيا تنظر إلى الحركة الأفرو ـ آسيوية وحركة عدم الانحياز على أنها حركة تاريخية تتماشى مع متطلبات تطور النظام العالمي وهي متممة للماركسية ومؤيدة لها

لقد عارض الاتحاد السوفيتي في عهد ستالين سياسة الحياد الإيجابي وعدم الانحياز، وكان هذا التعارض قائم على أن العالم منقسم إلى كتلتين أحدهما شرقية شيوعية والأخرى غربية رأسمالية، كما وصفوا هذه السياسة بأنها مشبوهة، لأنها تؤدي إلى انقسام الجبهة المعادية للاستعمار، وكان لتبني يوغسلافيا سياسة عدم الانحياز دور أساسي في مواجهة الاتحاد السوفيتي لهذه السياسة.

2. موقف الكتلة الغربية من حركة عدم الانحياز

تميز موقف الدول الغربية بصفة عامة والولايات المتحدة الأمريكية بصفة خاصة بأهمية ضمان تبعية الدول حديثة الاستقلال لها، حتى ولو كانت أنظمة الحكم بهذه الدول دكتاتورية، ولذلك تحدد هدف الكتلة الغربية في إبعاد هذه الدول عن دائرة النفوذ السوفيتي، كما تحددت رؤية السياسة الخارجية الأمريكية في سياسة الحياد الإيجابي وعدم الانحياز بأنها سياسة لا أخلاقية وقصيرة النظر، ولم تتوقف المعارضة الغربية لسياسة عدم الانحياز عند الإدانة والمهاجمة الإعلامية، بل كان هناك ضغوط على الدول المحايدة لضمها في أحلافها العسكرية، كما سعت الولايات المتحدة الأمريكية منذ عام 1956م، بعد هزيمة كل من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل في حرب السويس تطبيق مبدأ أيزنهاور المتمثل في سياسة ملء الفراغ، والذي سعى جون فوستر دالاس لتطبيقه من خلال إجبار دول المنطقة على الانضمام في حلف بغداد الذي رفضته كافة الدول العربية.

3. محاولات الكتلة الشرقية والغربية في احتواء حركة عدم الانحياز

لقد كان ظهور اتجاهات وعوامل جديدة في العلاقات الدولية، خاصة بين المعسكر الشرقي والمعسكر الغربي دوره في تغيير مواقفهما تجاه سياسة عدم الانحياز وتمثلت هذه العوامل في الآتي:

أ. تحقيق توازن القوى بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي، الأمر الذي أدى إلى استبعاد إمكانية الصراع المسلح، كذلك حُددت دوائر النفوذ لكل دولة منهما بكل دقة وحساسية.

ب. كان هناك تغير واضح في مواقف الدول الاشتراكية تجاه سياسة عدم الانحياز، حيث وجدت أن هذه السياسة الجديدة تساعد الدول حديثة الاستقلال على إنهاء السيطرة الغربية، وتمكنها من اتخاذ مواقف مناهضة للاستعمار على الصعيد السياسي والاقتصادي.

ج. رأت الدول الغربية والولايات المتحدة الأمريكية في سياسة عدم الانحياز، إمكانية مكافحة الحركات الشيوعية وتجنب التوجهات الاشتراكية.

د. تمكن بعض دول عدم الانحياز من الاضطلاع بدور الوسيط في حل العديد من النزاعات والخلافات الحيوية.

هـ. زيادة العديد من الفوارق بين الدول الغنية والدول الفقيرة، وتنافس الكتلة الشرقية والغربية على تقديم المساعدات الاقتصادية والعسكرية لدول عدم الانحياز بهدف احتوائها والسيطرة عليها.

لقد أعلن كل من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي دعمهما لسياسة حركة عدم الانحياز، ولقد وضح تأييد الاتحاد السوفيتي لهذه السياسية بوصفه لحركة عدم الانحياز بأنها منطقة سلام أو معسكر مناهض للإمبريالية وفقاً لوجهة النظر السوفيتية، كما أكدت مؤتمرات الحزب الشيوعي السوفيتي على وجود دول الحياد الإيجابي وعدم الانحياز، كذلك تحولت السياسة الأمريكية لتتصف بنوع من المرونة الانتهازية إزاء الوضع الثوري المتغير في المنطقة الأفرو ـ آسيوية، وتمثل ذلك في تأييد الرئيس كنيدي عام 1961م، لحركة عدم الانحياز بغض النظر عن ابتعادها عن الحرب الباردة، وبغض النظر عن النهج الذي تتبعه أو تختاره دول هذه الحركة.

نظراً للتغيير الإيجابي في الموقف السوفيتي والأمريكي إزاء سياسة عدم الانحياز، اتجهت وسائل الإعلام الغربية إلى وصف سياسة عدم الانحياز بأنها تخفي التبعية للاتحاد السوفيتي، محاولة بذلك إيهام الدول الغير منحازة بالتأييد الأمريكي في سياستهم الحيادية. وطرح الغرب فكرة العالم الحر للرد على فكرة الاتحاد السوفيتي منطقة سلام، ولقد كان تحول رؤى القطبين والتوجه نحو العالم الثالث ومشاكله ما هو إلا خضوع القطبين لهذه السياسة، مقتنعين بالموقف الجديد القائم على فكرة مجتمع سلمي عالمي مكون من دول حرة ومستقلة لها الحرية في اختيار نظامها الاجتماعي والاقتصادي، إلا أنه استمرت في ذات الوقت محاولات الكتلتين لاحتواء دول حركة عدم الانحياز، متبعة في ذلك طرق وأساليب مختلفة تمثلت في دعوة دول الحركة بالانضمام إلى معسكر السلام أو إلى معسكر العالم الحر.

4. موقف حركة عدم الانحياز من محاولات الاحتواء

بعد أن تصاعدت أهمية الدور الذي تقوم به حركة عدم الانحياز في حماية السلام العالمي من خلال المبادرات الإيجابية التي قامت بها، والتي دفعت كل من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي إلى بدء مفاوضات نزع السلاح بجنيف عام 1960م، وكانت المفاوضات تضم ثمانية دول غير منحازة، كان لها دوراً حيوياً في تقريب وجهات النظر بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية فيما يخص نقاط الخلاف، وبدأت العلاقات بينهما تتجه للانفراج، كما بدأت الحرب الباردة تتحول تدريجياً إلى نوع من التعايش المقبول، أطلق عليه الانفراج الدولي، واستمرت الضغوط الدافعة في اتجاه الانفراج تعمل من أجل تحسين العلاقات بين الدولتين العظمتين، وكان انضمام الصين للنادي النووي من دوافع سعي الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي للتوصل إلى ضوابط فعالة تمكن من تجنب التأثيرات الاختلالية المحتملة على أوضاع التوازن النووي، وكان نتيجة ذلك أن عقدت معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية عام 1968م، بعد اقتناع الطرفان بأن نظم الأسلحة الإستراتيجية لم تعد تضيف أي إضافات جديدة لها قيمة، ومن هذا المنطلق قُننت اتفاقية الحد من الأسلحة الإستراتيجية سولت عام 1972م كمؤشر عام على انتقال العلاقات بينهما إلى مرحلة الانفراج الدولي.

خلال مرحلة الانفراج الدولي بدأت حركة عدم الانحياز تتباين مواقفها، حيث ظهر الانقسام الداخلي، إذ كان هناك اتجاهان، أولهما تقدمي مؤيد للاتحاد السوفيتي، والآخر محافظ يؤيد الولايات المتحدة الأمريكية، ولقد وضح الارتباط بين نشاط حركة عدم الانحياز وزيادة التوتر في مرحلة الحرب الباردة، حيث كانت تسعى كل من الكتلتين لمنع انضمام أعضاء الحركة إلى الجانب الآخر، ولذا قبلت كل منهما موقف عدم الانحياز على أساس أنه أقل الاحتمالات إضراراً، إلا أن معظم دول عدم الانحياز لم يكن في مقدورها أن تتجه نحو الكتلة الاشتراكية بحكم تكوين قيادتها البرجوازية الوطنية، كذلك لم يكن في مقدورهم التحالف مع الغرب الاستعماري.

لقد تميزت مواقف كل من الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة تجاه العالم الثالث بصفة عامة ودول عدم الانحياز بصفة خاصة خلال فترة الثمانينيات بالثبات، ولم تتغير في جوهره خلال مرحلة الانفراج الدولي، فالتأييد الذي منحه الاتحاد السوفيتي لحركة عدم الانحياز لم يتغير، رغم الانتقادات التي كان يوجهها القادة السوفيت لبعض الدول التي انضمت إلى الحركة في مرحلة متأخرة، لكن لم يمنع ذلك دون استمرار الاتحاد السوفيتي في تقديم العون والتأييد لدول عدم الانحياز، بل وتزايد هذا العون مع تصاعد النزاع الصيني السوفيتي، ومن جانب آخر ظل القبول الأمريكي بحركة عدم الانحياز مستمراً، حيث كانت الرؤية الأمريكية للحركة على أنها مستقلة بالفعل بين الكتلتين، لكن هذه النظرة لم تمنع الولايات المتحدة من السعي لاحتواء عدد متزايد من هذه الدول، لكن العامل الأساسي الذي ساهم في نجاح الولايات المتحدة الأمريكية في فرض نفوذها في عدد كبير من دول العالم الثالث وبعض دول عدم الانحياز كان تحول بعض القيادات البورجوازية الوطنية الحاكمة فيها إلى التبعية الاقتصادية للغرب مرة أخرى، وبذلك لم يتمكن العديد من دول عدم الانحياز من مواجهة سياسات الاحتواء السوفيتية والأمريكية، وكانت النتيجة عجز العديد من الدول أن تأخذ مكانها متحررة من الضغوط الاستعمارية الجديدة، ولم تتمكن من تحقيق استقلالها الاقتصادي، ولذلك كان التقدم الذي حققته الدول المستقلة حديثاً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، محدوداً بالقياس إلى مستوى التقدم الذي حققه العالم الأول والعالم الثاني، حيث استمرت سيطرتهما الاقتصادية على العديد من الدول النامية ودول العالم الثالث.

بدأ تحرك بعض الدول النامية، ومن بينها إيران وكوريا الشمالية وفنزويلا وكوبا، لتشكل تحالفاً مناهضاً للولايات المتحدة الأمريكية. ووضح ذلك، جلياً، خلال انعقاد القمة الرابعة عشرة لحركة عدم الانحياز، التي عُقدت في كوبا، عام 2006، إذ رُفض تفرد واشنطن واحتكارها للتكنولوجيا النووية. وأُنْكِرت عليها سياستها تجاه مناطق الصراع، في العديد من أنحاء العالم، وخاصة استخدام حق النقض (الفيتو)، في مجلس الأمن؛ لمنع مناقشة الجرائم الإسرائيلية ضد الفلسطينيين ولبنان. كما قررت الحركة تقديم دعمها لكلّ من فنزويلا وبوليفيا، اللّتَيْن تواجهان محاولات أمريكية لزعزعة استقرارهما. كذلك انتُقِد إنشاء مكتب التجسس الأمريكي، المعني بأمور فنزويلا وكوبا. كما أُعلن الدعم الدائم، والتضامن مع شعب وحكومة بوليفيا، التي تتعرض لمحاولات تفكيك الدولة، وزعزعة مؤسساتها، وتعريض الديموقراطية فيها للخطر. كذلك رفضت الحركة الحظر، الذي تفرضه الولايات المتحدة الأمريكية على كوبا، منذ عام 1962؛ على الرغم من أنه يعارض مبادئ الأمم المتحدة، ويلحق خسائر اقتصادية بالشعب الكوبي. كما نددت حركة عدم الانحياز بالإجراءات ضد الشعب الكوبي، ومنها البث المعادي: الإذاعي والتليفزيوني. كما طالبت الحركة بعودة السيادة الكوبية على قاعدة جوانتانامو.
ومن ثَم، بدأت تتضح معالم تكوين كتلة معادية للولايات المتحدة الأمريكية، داخل حركة عدم الانحياز؛ وذلك من خلال تكوين شبكة علاقات عالمية، بين دول الجنوب، لتكوين نموذج عولمة بديلة من العولمة الأمريكية. ومن الملاحظ، أن العديد من الدول، التي تكوِّن تلك الكتلة، دول من أمريكا اللاتينية، وخاصة اليسارية. ولقد أبرزت إيحاءات كوبا رغبتها، من خلال القمة الرابعة عشرة، في تحويل حركة عدم الانحياز إلى كتلة عمادها هو أكثر الدول عداءً لواشنطن، لمواجهة الهيمنة الأمريكية. إلا أن الحقائق، تؤكد وجود خلاف بين أعضاء الحركة، وخاصة بين خصوم واشنطن، الذين تتركز جهودهم في توضيح وتفنيد المساعي الأمريكية للسيطرة والهيمنة على النظام العالمي؛ وبين أصدقائها، الذين ركزوا في القضايا البيئية، والمشاكل التقليدية، ومنها: التنمية، وحقوق الإنسان، وغياب العدالة، واستغلال الموارد الطبيعية، وضرورة إصلاح الأمم المتحدة والتعاون بين دول الجنوب.

5. دول عدم الانحياز والأمم المتحدة

أظهرت دول عدم الانحياز اهتماماً كبيراً بالأمم المتحدة كآلية حتمية لمعالجة الشؤون العالمية، ولم يرجع هذا الاهتمام بسبب محدودية قدرة هذه الدول فحسب، بل ومن اهتمامها المتزايد وقلقها من احتمالات تفجر الصراع المسلح نظراً لما كان يسود العالم من الاضطرابات والتجزئة، وإذا كانت الدول الكبرى لم تكن في حاجة ماسة للأمم المتحدة معتمدة على قوتها الذاتية، يضاف إليها الدول المنحازة المرتبطة إما مع الاتحاد السوفيتي أو مع الدول الغربية في أحلاف عسكرية ومواثيق دفاعية، لذلك كانت هذه الدول أقل ميلاً في طلب الحماية من الأمم المتحدة، أما الدول اللا منحازة، فإذا فقدت حماية الأمم المتحدة، فإنها بذلك تكون قد فقدت السبيل الوحيد أمامها للدفاع عن عالم كانت تسوده التوترات واستخدام القوة العسكرية لتحقيق الأهداف. ومن ثم وضح أهمية الأمم المتحدة عند دول عدم الانحياز حيث تمثل العضوية في الأمم المتحدة بالنسبة لها الرمز ومكانة الدولة كوحدة مستقلة ذات سيادة، ولقد حققت دول عدم الانحياز العديد من الفوائد باشتراكها في أنشطة الأمم المتحدة، ولقد وضح ذلك من خلال التأييد المطلق والتعلق الشديد بالأمم المتحدة.

لقد كانت دائماً سياسة عدم الانحياز تعزيزاً لقضية السلام، إلا أن دول عدم الانحياز كانت تدرك الحقيقة المتمثلة في أن الأمم المتحدة ليست على قدر كاف من القوة يمكنها من الحفاظ على السلام وفرضه على القوى العظمى، ومن ثم أبدت العديد منها على إظهار استعدادها لأن تقدم إلى الأمم المتحدة العون العسكري والسياسي لمنع الصراعات الدولية والإقليمية، ولذلك كانت مساهمتها في إطار تكوين قوات الأمم المتحدة، ولا يعني ذلك أن دول حركة عدم الانحياز كانت موافقة على تطوير هذه القوة وتنميتها، وتزويدها بالأسلحة اللازمة التي تمكنها من تنفيذ مهامها طبقاً للمادة الثالثة والأربعون من ميثاق الأمم المتحدة حيث تغلبت النفعية على المثالية، وهي الحالة التي سادت توجهات معظم دول الأمم المتحدة، حيث كان التأييد محدود لدعم أجهزة الأمم المتحدة المنوطة بالعمل الجماعي لمواجهة الحالات الطارئة، كذلك هناك توجهات لبعض دول عدم الانحياز تقوم على أسس استثنائية بوساطة بعض الوحدات الصغيرة، لكن عدد محدود للغاية هو الذي كان له توجه قائم على إمكانية تكوين قوة سلام دائمة للأمم المتحدة.

اتسمت المواقف الحيادية من إجراءات الأمم المتحدة في إحلال التسويات السلمية في إطار أهداف عامة، حيث تعددت مناطق النزاعات بين الدول النامية، وكانت تتورط فيها عدة دول حديثة الاستقلال، ولذلك كانت هناك رغبة الدول غير المنحازة في الحيلولة دون تدخل الدول العظمى

الكبرى في دعمها للإجراءات السلمية التي تقوم بها الأمم المتحدة، ولذلك وضح الخلاف في مواقف دول عدم الانحياز بين صراعات الدول الكبرى والخلافات المحلية التي تؤثر على المصالح القومية لدول الحركة وخاصة الخلافات المتعلقة بمطامحها الإقليمية، فهي كدول محدودة القدرات نسبياً، تتطلع إلى الأمم المتحدة طالبة حمايتها، ولكن عدداً كبيراً من دول عدم الانحياز كان يعارض تدخل الأمم المتحدة عندما يتعارض هذا التدخل مع مصالحها القومية.

وبالرغم من وجود اختلاف في الرأي حول الدور الذي يجب أن تقوم به الأمم المتحدة،إلا أنها تتفق في الرأي حول مهام المنظمة الدولية، والذي تمثل أساساً في مكافحة الاستعمار الغربي والحظر الذي يمثله الاستعمار الجديد، ولذلك ينبع إيمان دول عدم الانحياز بأن الدور الأساسي للأمم المتحدة يجب أن يوجه أساساً إلى محاربة كافة أشكال الاستعمار الجديد، كما أنه توجد مشاكل كبيرة أخرى تواجه الأمم المتحدة وهي مشكلة نزع السلاح والتنمية الاقتصادية والحفاظ على السلام العالمي، ولكن من وجهة نظر دول عدم الانحياز أن هذه المشاكل ثانوية إلى حد ما، من حيث أنها إما أن تكون مرتبطة ارتباطاً مباشراً بالاستعمار، وإما أنها ذات ارتباط عميق بالآثار السلبية لهذا الاستعمار.

وعادة ما يوجه إلى الأمم المتحدة نقد يتناول أسلوب تعاملها مع المشكلات المختلفة بمعيار مزدوج، خاصة من دول غير منحازة، حيث رأت أنه قد نما في داخل الأمم المتحدة معيار مزدوج للعدالة والأخلاق، أحدهما للتعامل مع قضايا الغرب والآخر بالنسبة للدول النامية حديثة الاستقلال، ومن ثم وضح أهمية المحاولات التي سعت إليها دول آسيا وأفريقيا وخاصة دول عدم الانحياز من أجل توسيع نطاق مجلس الأمن والمجلس الاجتماعي والاقتصادي بالأمم المتحدة لتضمن الحصول على تمثيل أكبر في هذين الجهازين ولكن لم يتحقق ذلك حتى الآن، ويرجع ذلك للمعارضة الشديدة من الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن. أما عن قضية حق النقد أو الفيتو والذي لم يُحدد نطاق استخدامه، وطالبت دول عدم الانحياز بالحد من استخدامه وقصر حالات استخدامه على الإجراءات المتخذة في إطار الفصل السابع من الميثاق تمهيداً لإلغائه في المستقبل، رغم أن هذا مستبعد حيث لا يتصور موافقة الدول الدائمة العضوية بمجلس الأمن على حرمان نفسها من هذا الامتياز الذي يضعها في مرتبة أعلى من حيث الحقوق مقارنة بالدول الأعضاء الأخرى، ولقد تحددت هذه المطالب خلال مؤتمر قمة دول عدم الانحياز الحادي عشر في قرطاجنة عام 1995م، وكذلك في مؤتمر قمة دول عدم الانحياز الثانية عشر في عام 1998م. أما عن قضية إعادة تنظيم أجهزة الأمم المتحدة وإصلاح أساليب عملها فقد تبنت قمة دول عدم الانحياز في ديربان عام 1998م، مشروع قرار بشأن التمثيل العادل في عضوية مجلس الأمن، وزيادة أعضاءه ليكون إحدى عشر عضواً على أن يُخصص عدد من المقاعد الدائمة للدول النامية، وخاصة دول عدم الانحياز التي تمثل نحو ثلثي أعضاء المنظمة، حيث يبلغ عددها حوالي مائة وثلاثة عشر دولة، لا تمثل في مجلس الأمن سوى بأربعة أعضاء فقط غير دائمين، كذلك يطالب دول عدم الانحياز بزيادة أعضاء مجلس الأمن إلى ستة وعشرون عضواً، إلا أن هذه المطالب تواجه بمعارضة شديدة من الدول المتقدمة.
************************************

[1] تضم لجنة فلسطين في حركة عدم الانحياز تسعة دول أعضاء هي: الجزائر، بنجلاديش، كوبا، الهند، إندونيسيا، فلسطين، السنغال، زامبيا، زيمبابوي.

[2] هو نظام الفصل العنصري الذي كانت تطبقه جنوب أفريقيا.

[3] Snni.org - african news agency Resources and Information. This website is for sale!.


 
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معلومات العضو
لالة بتينة

لالة بتينة

Admin

Admin
معلومات إضافية
كيف تعرفت علينا : غيره
الجنس : ounta
المهن : jami3i
الهواية : rkoub elkhayl
المزاج : ray9
الدولة : france
عدد المساهمات : 4981
تاريخ التسجيل : 14/05/2012
معلومات الاتصال
http://www.lalaboutayna.com/
مُساهمةموضوع: رد: حركة عدم الانحياز   حركة عدم الانحياز I_icon_minitimeالأحد يونيو 02, 2013 5:38 pm



المبحث السابع


تحديات حركة عدم الانحياز


تواجه حركة عدم الانحياز العديد من التحديات منذ نشأتها، حيث كان من الطبيعي أن تحاول الدول المستقلة حديثاً بعد نهاية الحرب العالمية الثانية إيجاد ترتيبات أمنية جديدة تحقق من خلالها استمرار المحافظة على استقلالها وحريتها، خاصة بعد أن تأكدت هذه الدول من عدم مقدرة الأمم المتحدة لتحقيق السلام والأمن الدوليين، ولقد زاد من هذه التهديدات التي واجهتها الدول النامية السيطرة الثنائية للكتلة الشرقية والكتلة الغربية خلال مرحلة الحرب الباردة، التي كانت تشكل دائماً خطراً على دول العالم الثالث بصفة عامة ودول عدم الانحياز بصفة خاصة، ومن ثم افتقدت هذه الدول الشروط السياسية والنفسية الضرورية لتوفير أمنها الداخلي والخارجي، كذلك كانت الترتيبات الثنائية مع أي قوى دولية يستلزم تنازلات كثيرة للدول الراغبة في مثل هذه الارتباطات أو الترتيبات، وخلال مرحلة الحرب الباردة أُرسيت التدابير الأمنية في إطار عالمي بواسطة محورين أساسيين هما توازن القوى بين الكتلتين الشرقية والغربية، وكذلك التأثير المقيد للفعالية السياسية لحركة عدم الانحياز على الأقل في الصراعات الإقليمية، ومن دراسة بؤر الصراع والتوتر الإقليمية في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، يتضح أن معظم هذه الصراعات كانت داخلية، بهدف تحقيق مكاسب شخصية، إلا أنه كان يلاحظ خلال فترة الحرب الباردة أن نمط هذا الصراع كان يجرى بمشاركة قوات أجنبية، ولقد انعكس ذلك على الأمن الوطني وتهديد الاستقرار الداخلي للعديد من هذه الدول.

مع بداية الثمانينيات واجهت حركة عدم الانحياز تطورات أساسية مختلفة سواء في توجهها السياسي إزاء المعسكر الشرقي أو المعسكر الغربي، والقضايا الأساسية في العالم، والتي أوضحت مدى كفاءة الحركة على التكيف مع الظروف والمتغيرات العالمية الجديدة، وكان أهم هذه التطورات الأساسية في توجهات الحركة هي المحاولات المستمرة لصياغة نظام اقتصادي عالمي جديد، تقوم من خلاله بأداء دور جماعة الضغط الاقتصادية الرئيسية للدول النامية، وخلال هذه المرحلة بدأ يتضح أن كثيراً من الأهداف السياسية لحركة عدم الانحياز قد تحققت أو فقدت أهميتها على الأقل، فالحرب الباردة والتنافس الدولي بدأ يتحول إلى وفاق من خلال الحوار المباشر بين الشرق والغرب، مما أضعف الدور السياسي الذي كانت تقوم به حركة عدم الانحياز، خاصة بعد تراكم الخبرة الفكرية لهذه الدول في تعاملها الصحيح مع قضايا النظام الاقتصادي العالمي الذي بدأ يزداد نمواً، بينما كان هناك تدهور في المركز الاقتصادي بالنسبة للدول النامية. والتحدي الاقتصادي الحقيقي الذي تواجهه حركة عدم الانحياز في مجال حركتها الاقتصادية هو اعتماد معظم دول الحركة على المساعدات الاقتصادية الخارجية للتغلب على حالة التخلف والانهيار الاقتصادي التي تعاني منه، وعدم اعتمادها على التنمية الذاتية سواء على مستوى كل من الدول الغير منحازة، أو على مستوى التعاون الجماعي فيما بينها، ورغم توصل دول حركة عدم الانحياز إلى هذه الحقيقة إلا أنها لم تعمل على مواجهة التحديات الاقتصادية التي تواجهها في إطار إقليمي أو تعاون مع دول عدم الانحياز المختلفة.

أولاً: التحديات التي تواجهها حركة عدم الانحياز

إذا كان معيار نجاح حركة عدم الانحياز هو زيادة أعضائها، إلا أن هذه الزيادة كانت مصحوبة بزيادة المشكلات التي واجهتها، فحركة عدم الانحياز من أكثر الحركات الدولية المعاصرة حساسية وتعقيد، ويرجع ذلك إلى تركيبها غير المتجانس، فإذا كان التجانس الإيديولوجي هو سمة التكتلات الدولية، إلا أنها لا تقوم على التجانس الإيديولوجي، وهو ما يؤدي إلى ظهور التناقضات بين المصالح الفردية لدول حركة عدم الانحياز، وتتعدد التحديات التي تواجهها كنتيجة لتعقيدات البيئة القومية والدولية، فلقد واجهت الحركة أزمات حادة سواء فيما بين أعضائها أو مع التكتلات الدولية، فكثيراً ما نشبت النزاعات بين أعضاء الحركة بسبب تكوينها غير المتجانس، أو بسبب ضغوط القوى الكبرى، ومع ذلك استمرت في زيادة عضويتها، واستطاعت أن تقوم بدور حيوي على الساحة السياسية.

تواجه حركة عدم الانحياز العديد من التحديات الداخلية والخارجية بالنسبة للحركة، فهي قد تنشأ من العلاقة بين أعضاءها أو بسبب علاقاتهم بدول أخرى وخاصة القوى الكبرى، وتعتبر القضايا المتعلقة بالسياسة الداخلية في دول عدم الانحياز من أهم وأخطر التحديات التي تواجه هذه الدول، خاصة وأن معظمها ترفض مناقشة مشاكلها الداخلية في لقاءات عامة، على أساس أن المصادر التي تهددها هي مصادر داخلية وتخضع لسيادة الدولة واستقلالها، ورغم أن معظم هذه التحديات والتي يكون معظمها في شكل عنف موجه ضد أنظمة الحكم تؤثر سلباً على حركة عدم الانحياز، إلا أن أكثرها كان يرجع بسبب سوء الإدارة والفساد، فمن تحليل النظم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لدول عدم الانحياز، يتضح أن العديد منها يحكمها نظم فردية قمعية تتجاهل طموحات شعوبها، وكان لمعظم أعضاء أنظمة الحكم الفردية في أغلب الحالات روابط وثيقة مع الدول الغربية والاشتراكية، وكان من الطبيعي أن تجد القوى الكبرى المتنافسة الفرصة المناسبة للتدخل المباشر أو غير المباشر في الشؤون الداخلية للبلاد غير المنحازة، لذلك كانت كل الصراعات الداخلية في معظم دول عدم الانحياز بسبب التدخل الأجنبي، كذلك يتضح وجود روابط سلبية بين التورط الأجنبي ومدى استمرارية الصراع الداخلي.

كذلك اتبعت بعض دول عدم الانحياز السياسة التي كانت تتبعها الدول الكبرى في علاقاتها بالدول غير المنحازة عندما تتدخل في الشؤون الداخلية لدولة أخرى، بهدف فرض حل معين لصراع أو أزمة داخلية من خلال الانحياز وتأييد أحد الأجناب المتصارعة، مستغلة في ذلك شعارات مساعدة الشعوب المقهورة أو محاربة الإرهاب أو تصدير الثورة، ومن خلالها تسعى القوى الأجنبية لإقامة نظم حكم ثورية أو تقدمية أو الإبقاء على نظم تعمل أساساً على حماية مصالحها الحيوية. والتدخل في شؤون الدول الأخرى الداخلية سواء كان ثورياً أو معادياً لها حتى لو جرى ذلك بناءً على طلب الجماعات فاقدة الشرعية الحقيقية، فإنه يعرض السلام العالمي للخطر وكذلك يهدد الاستقرار الداخلي.

ولقد كان تزايد حدة الصراعات بين دول أعضاء حركة عدم الانحياز خلال فترة السبعينيات والثمانينيات من أبرز سمات الحركة، حيث كانت الاختلافات السياسية بين دول عدم الانحياز تقوم أساساً على مفهوم المصلحة القومية في إطار عدم توافق بين الدول المتجاورة، وهي غالباً دول عدم الانحياز والتي يعود أسبابها إلى الخلافات الحدودية التي أوجدها الاستعمار ومن ثم أصبح التهديد بالانفصال والمطالبة بضم أو تحرير بعض المناطق والعودة للحدود الاستعمارية من عوامل تزايد حدة النزاعات الداخلية بين دول عدم الانحياز، خاصة في المناطق التي يظهر لها أهمية اقتصادية والتي تؤدي إلى المطالبة بإعادة ترسيم الحدود بين الدول المتجاورة.

إن الصدامات بين أنظمة الحكم التقدمية والأنظمة المحافظة كانت إحدى مصادر الصراعات بين الدول غير المنحازة التي كانت لها انعكاسات سلبية على مستقبل الحركة ومسيرتها، فهذه الصراعات والصدمات لها ارتباط وثيق بالسياسات الداخلية المتغيرة في دول عدم الانحياز، حيث كانت تسعى بعض الأنظمة لإيجاد دور لها في إقليم محدد بتأييدها لإحدى طرفي النزاع الداخلي وتقديم الدعم اللازم له، وفي إطار تحقيق هذا الطموح تدخل في صراعات مع دول غير منحازة أخرى، وغالباً تأخذ هذه الصراعات شكل مواجهات أيديولوجية، تخفي مصالح مادية أو معنوية بسبب فرض السيطرة والزعامة. ومن هذا المفهوم يتهدد مبدأ التعايش السلمي ويتناقض مع الأهداف السياسية للحركة، ومن ثم أتاحت الصراعات بين دول عدم الانحياز الفرصة للتدخل الخارجي من القوى الأجنبية في إطار محاولاتها لإعادة توجيه الحركة بعيداً عن مبادئها.

ومع تزايد وتصاعد الصراعات بين دول عدم الانحياز وضح عدم تمسك العديد من دول الحركة بمبادئها، ولكنها كانت تسعى خلال اجتماعاتها لدعم مواقفها وتحقيق مصالحها القومية الضيقة والمحدودة دون التأكيد العملي على تمسكها بمبدأ التعاون أو التضامن، وكان عجز الحركة عن احتواء الصراعات بين أعضائها بسبب عدم وجود آلية ثابتة لحل الصراعات التي تنشب بين أعضائها، خاصة مع وجود جدل كبير بين أعضاء الحركة حول دعم وتقوية مؤسسات الحركة بما فيها تكوين أجهزة لتسوية المنازعات، ومع تزايد النزاعات بين دول الحركة من حيث العدد ومدى خطورته فقد وضح عدم واقعية انعزال الحركة عن الصراعات بين أعضائها، ولذلك تأكد حتمية الدور الذي يجب أن تؤديه الحركة لتسوية واحتواء هذه المنازعات، حتى يمكن أن تحتوي الصراعات والنزاعات الداخلية والإقليمية والابتعاد بها عن التدخلات الخارجية والأجنبية.

ثانياً: تحديات دول عدم الانحياز في إطار علاقاتها بالقوى الكبرى والتكتلات العالمية

إن العلاقة بين دول عدم الانحياز والقوى الكبرى تمثل قضية حيوية ترتبط بالمبادئ الأساسية للحركة، حيث إن عدم الارتباط بالتكتلات الدولية المتصارعة والانحياز لأي منها هو أحد الأهداف الأساسية والتاريخية للحركة، ولكن انهيار الأحلاف مثل الحلف المركزي وحلف جنوب شرق آسيا، كذلك الدور المحدود الذي كانت تقوم به التكتلات الدولية والتي تمثلت في معاهدة التعاون والدعم المتبادل أو الإجماع الاستراتيجي والتي كانت تضم بعض دول حركة عدم الانحياز لسياسات القوى الكبرى، وتدفع حركة عدم الانحياز نحو اتجاهات تكتلية متشعبة والتي تطورت إلى هيمنة من جانب القوى الغربية، أو في صورة تحالف طبيعي من الجانب الاشتراكي، لم تكن إلا محاولات لفرض السيطرة على دول عدم الانحياز بحيث تستطيع أن تحد من الدور الذي تهدف إليه دول عدم الانحياز، وقد تمكنت الحركة، حتى بداية الثمانينيات من مواجهة الضغوط الخارجية التي استهدفت السيطرة على الحركة إلا أنه منذ حاولت كوبا أن تعيد توجيه الحركة ورسم سياستها نحو التحالف مع الكتلة الشرقية، ضد التوجهات الغربية، ومن ثم تمكنت العديد من دول عدم الانحياز وحركات التحرر الوطني من الحصول على الدعم العسكري والمادي، كما كانت هناك عملية تصنيف أيديولوجي يهدف لاستبعاد الدول المحافظة من الحركة، على أن تنضم الدول ذات التوجهات الثورية في تحالفات مع الكتلة الشرقية، ومن ثم قامت أقلية من دول عدم الانحياز بإعادة إحياء فكرة المساواة بين التكتلات الدولية بغض النظر عن خصائص كل حالة على حدة. أما أغلب أعضاء الحركة عارضوا هذه التوجهات المختلفة حيث أن التحالف مع أحد التكتلات سوف يؤدى إلى انهيار حركة عدم الانحياز، وتحولها إلى انحياز حقيقي كامل.

ولقد تعددت التوجهات السياسية داخل حركة عدم الانحياز، حيث كان هناك دول مرتبطة أيديولوجيا بالكتلة الشيوعية وفي مقدمتها كوبا وفيتنام وكوريا الشمالية وأنجولا ومدغشقر، كذلك كان هناك دول مرتبطة سياسياً واقتصادياً بالكتلة الغربية وفي مقدمتها سنغافورة وكولومبيا وجاميكا وبعض دول الخليج العربي، أما الدول التي كانت تنتمي لاتجاه الوسط، كان في مقدمتها يوغسلافيا والهند، كذلك يمكن أن تنضم إليها بعض الدول وفقاً للظروف المحيطة بها مثل إندونيسيا وسريلانكا والجزائر ومصر وتنزانيا والسنغال، وتمثل دول الوسط الغالبية العظمى من حركة عدم الانحياز، إلا أنها تتفق على ضرورة توازن المواقف ورفض منهج التحالفات لكلا من القوتين العظميين بل كان لديها توجهات نحو أهمية الدعوة للتعاون بين الدول النامية والدول المتقدمة.

ثالثاً: تحديات الصراع الإقليمي وانعكاسه على مسيرة حركة عدم الانحياز

تعددت الصراعات فيما بين دول حركة عدم الانحياز، إلا أنها تختلف طبقاً لموقعها الإقليمي، ولذلك تعددت المشاكل والقضايا وكان لها تشعبات عديدة، ففي أسيا كانت مشكلة كمبوديا والتي احتلتها دولة من دول عدم الانحياز وهي فيتنام، إلا أن الحركة لم يكن لها موقفاً يدين الاحتلال كذلك كانت مشكلة أفغانستان وهي دولة من دول عدم الانحياز وقد احتلتها القوات السوفيتية، إلا أنه وضح اختلاف الرؤى والتوجهات حول أسلوب تناول المشكلة، أما في منطقة الشرق الأوسط فكان هناك القضية الفلسطينية ومشكلة لبنان والصراع الإيراني العراقي وكلاهما من دول عدم الانحياز، إلا أن المساعي التي بذلتها دول الحركة كانت محدودة، خاصة بعد أن رفضت إيران أي جهود وساطة من حركة عدم الانحياز. كذلك كان هناك مشكلة الصحراء الغربية، حيث وضح اختلاف المواقف بين مؤيد للاعتراف بالجمهورية الصحراوية وكان في مقدمة الدول المعترفة الهند ويوغسلافيا وزيمبابوي والعديد من دول آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، ورغم اعتراف منظمة الوحدة الأفريقية بالجمهورية الصحراوية إلا أن حركة عدم الانحياز حافظت على التوازن في الموقف، حيث طلبت من الجمهورية الصحراوية عدم التقدم بطلب عضوية للحركة حتى لا يكون هناك انقسام داخلي، وأيد هذا الاتجاه العديد من دول حركة عدم الانحياز، كذلك كان هناك مشكلة ناميبيا وتشاد وجنوب أفريقيا، أما في أمريكا الوسطى والجنوبية كانت توجد مشكلة نيكاراجوا والسلفادور وجزر فوكلاند وقناة بنما والخلاف بين جويانا وفنزويلا.

اتسمت معالجة حركة عدم الانحياز للعديد من القضايا بالعمومية وفي إطار إقليمي داخلي، ويرجع ذلك إلى التقاليد التي درجت عليها الحركة في معالجة القضايا السياسية في المجموعات الإقليمية الخاصة بكل منها، ومن ثم كان هناك تسابق بين الدول لإظهار مشاكلها الخاصة وسعيها للحصول على تأييد دولي يحقق لها مكاسب محلية وإقليمية، ومن ثم تعددت وتنوعت أساليب مواجهة المشاكل الإقليمية، حيث كان موقف حركة عدم الانحياز من القضايا الآسيوية يتسم بالعمومية والبعد عن التفصيلات، بينما كان موقفها من قضايا أمريكا اللاتينية يقوم على البحث في أدق التفاصيل، بينما كانت مواقف الحركة بالنسبة للشرق الأوسط هي التأييد المطلق للجانب العربي بصفة عامة والقضية الفلسطينية بصفة خاصة، أما في حالة النزاعات الداخلية بين أعضاء الحركة ذاتها فتظهر الانقسامات والتوجهات المتباينة والتي كانت في معظم الحالات تهدد مسيرة الحركة وتؤدي إلى الانقسامات الداخلية.
رابعاً: التحديات الاقتصادية لحركة عدم الانحياز

بدأ الاهتمام بالقضايا الاقتصادية لدول عدم الانحياز مع بداية السبعينيات، حيث طُرح مفهوم التنمية الاقتصادية كجزء من مفهوم عدم الانحياز، خلال مؤتمرات عدم الانحياز التي أصبح يصدر عنها إعلاناً مستقلاً حول قضايا التنمية الاقتصادية، إضافة إلى تحديد برنامج للتعاون الاقتصادي يجري الالتزام به، إلا أن القضايا الأساسية التي تواجهها دول عدم الانحياز تتمثل في سوء أداء النظم الاقتصادية العالمية، خاصة مع شيوع عدم الثقة بين الشمال والجنوب، حيث يرى الجنوب أن الهدف الأساسي للشمال المتقدم هو المحافظة على النظام الاقتصادي العالمي مع إجراء بعض التغييرات المحدودة، أما الشمال فإنه يعمل على أساس أن قضايا الدول النامية ذات طبيعة سياسية في المقام الأول، ولذلك يوجد مصالح مشتركة بين الشمال والجنوب وكذلك يوجد تعارض لبعض المصالح، إلا أنه يوجد ارتباط بين الطرفين بحيث إذا حاول أحدهما حل مشاكله منفرداً سينعكس ذلك على الطرف الآخر.

لم يحدد الجنوب أهداف حواره مع الشمال، حيث تتعدد الرؤى والتوجهات فمنها ما يدعوا إلى منح المساعدات والامتيازات المادية والاقتصادية على المدى القريب، بينما يوجد رأي آخر يدعو إلى التغيير الهيكلي للاقتصاد العالمي على المدى البعيد، ولذلك لم تتحدد إستراتيجية اقتصادية يعمل في إطارها دول الجنوب التي لم تقتنع بأن الإصلاح الداخلي أهم بكثير من تغيير النظام العالمي، وتستند الدعوة لإقامة نظام عالمي جديد على اعتبار أن النظام السائد حالياً نشأ وتطور في ظل سيطرة الحضارة والقيم الغربية والاستعمار، بهدف فتح أسواق لها في الدول النامية والحصول على سلعها الأولية بأسعار منخفضة، ولقد انعكس ذلك على التجارة الدولية ومشاكل النقد الدولي وحالات التنمية الاقتصادية المتعددة، ولذلك طالبت الدول النامية بمعالجة الوضع الاقتصادي الدولي في إطار شامل يضم جميع الدول وجميع السلع، وكذلك ضرورة إعداد برنامج للتدابير والإجراءات الفورية العاجلة لمواجهة المشاكل ذات الحساسية الخاصة والحرجة والتي تتمثل في النقد والتمويل والتجارة والطاقة والأغذية والزراعة.

وتواجه دول عدم الانحياز إلى جانب القضايا الاقتصادية المتعلقة بالحوار بين الشمال والجنوب، قضايا أخرى تتعلق بالتعاون بين الدول النامية بصفة عامة وبين دول عدم الانحياز بعضها البعض، ويأخذ التعاون بين الدول النامية بعدين أساسيين، الأول هو تنسيق المواقف في المنظمات الاقتصادية الدولية وتنشيط وتفعيل المجموعات الاقتصادية الإقليمية بصفة عامة ومجموعة السبعة والسبعون بصفة خاصة والتي تضم في إطارها معظم دول عدم الانحياز، أما البعد الثاني هو التعاون المباشر بين هذه الدول وخاصة بشأن الإنتاج المشترك مع زيادة حجم التفضيلات الجمركية فيما بينها، وقد تمثل ذلك في بعض اتفاقات التعاون الاقتصادي بين الهند ويوغسلافيا ومصر، ورغم استمرار هذه الاتفاقات لقرابة ثلاثين عاماً إلا أن نطاقها كان محدوداً لانخفاض حجم التبادل التجاري وعدم قيام أي تعاون صناعي مشترك.

في إطار مطالب دول عدم الانحياز للتعاون الاقتصادي، كانت هناك الدعوة لإنشاء بنك الجنوب، إلا أنها كانت دائماً تواجه بنقص التمويل، كذلك كانت هناك الدعوة لإحياء برنامج التعاون الاقتصادي بين دول عدم الانحياز، وقد تحددت خلال مؤتمرات القمة مجالات التعاون المختلفة سواء بين دول عدم الانحياز وبعضها أو بين دول الحركة والدول النامية، إلا أنه يلاحظ أن هذه البرامج نظرية أكثر منها عملية، كذلك بدأت تزداد الدعوة للاعتماد الجماعي على الذات فيما بين الدول النامية ودول عدم الانحياز، وهذه الدعوة واجهت العديد من المشاكل والتي تمثلت في افتقار معظم الدول النامية لمقومات اقتصادية عامة، ولاشك إن كل التحديات الاقتصادية والقيود التي تواجه حركة عدم الانحياز توضح أهمية صياغة إستراتيجية اقتصادية قبل المطالبة بتغيير النظام الاقتصادي العالمي، ويكون من أهداف هذه الإستراتيجية هو تحقيق التنمية بالاعتماد على الموارد الذاتية سواء كان ذلك على مستوى كل دولة من دول عدم الانحياز، أو في إطار تعاون جماعي بين دول الحركة، ولذلك أصبح لزاماً على حركة عدم الانحياز التركيز على الاعتماد على الذات، والاعتماد الجماعي من خلال اتباع إستراتيجية مقامها التراكمي توظيف الموارد الذاتية في اتجاه تحقيق التكامل بين القطاع الزراعي والصناعي، وزيادة حجم التعاملات الاقتصادية بين دول حركة عدم الانحياز، خاصة وأن حجم المعاملات بينها تقل بكثير عن حجم معاملاتها مع الدول الرأسمالية.

خامساً: التحديات الأمنية التي تواجه حركة عدم الانحياز

تتمثل التحديات الرئيسية التي تواجه دول عدم الانحياز منذ نشأتها في إستراتيجية وأساليب تحقيق أمنها القومي، كذلك التوفيق بين الأمن الوطني والأمن الإقليمي وأمن المجموعة ككل، ففي مرحلة التنافس بين الكتلة الشرقية والكتلة الغربية على احتواء الآخر كان لحركة عدم الانحياز دور واضح في احتواء الأزمات الدولية رغم قدرتها السياسية المحدودة. وكانت السياسة الخارجية للدول غير المنحازة بمثابة امتداد منطقي لحركتها الوطنية المناهضة للسياسات الاستعمارية، ومع ذلك كان على دول عدم الانحياز أن تعمل في ظل بيئة دولية تمارس فيها سيطرة محدودة، ومن ثم كان هدف سياسة عدم الانحياز هو المحافظة على استقلال قرارها والحفاظ على حريتها خاصة في مرحلة الحرب الباردة، والتي انعكست آثارها على الجزء الأفرو ـ آسيوي من العالم والذي يضم معظم دول حركة عدم الانحياز، التي لها دوراً حيوياً في توازن القوى الدولية، ومن ثم عملت الدول العظمى على جذب دول هذه المنطقة إلى مجالات نفوذها، وتمثل ذلك خلال فترة الخمسينيات والستينيات في المعاهدات العسكرية والتحالفات، ثم تحول بعد ذلك إلى سياسة الوفاق السياسي العسكري أو الاتفاق الاستراتيجي.

لم تُثار قضية الأمن القومي في دول حركة عدم الانحياز حينما كانت تعاني من سيطرة القوى الاستعمارية، ولذلك لم يكن لها دوراً في تحديد السياسات الأمنية والدفاعية قبل الاستقلال لكن اختلف الوضع بعد حصولها على استقلالها، فلقد أصبح تحقيق الأمن سواء بمعنى الدفاع عن الاستقلال والسيادة والكيان القومي، أو بالمعنى الأشمل الذي يصل إلى السيطرة على الموارد الاقتصادية والإمكانيات الوطنية هو الغاية القومية والهدف الأساسي لهذه الدول، ولذلك انعكست خصائص النظام العالمي عبر مراحل تطوره المختلفة على دول مجموعة عدم الانحياز مما أدى إلى جعل قضية الأمن القومي هي القضية الرئيسية التي تدور حولها سياستها الداخلية والخارجية، وحاولت القوى العظمى جاهدة إيجاد البدائل التي من شأنها مسايرة المشاعر والأحاسيس الدولية المؤيدة لسياسة عدم الانحياز، وتمثل ذلك في إصدار العديد من المبادئ التي تعلن موقفها بأن الامتيازات السياسية والعسكرية في وقت معين لا تعني ضم القوى الإقليمية لأي نظام تحالفي، ولقد تمثل ذلك في الدبلوماسية الأمريكية بإعلانها عن مبدأ ترومان، ومبدأ أيزنهاور ومبدأ نيكسون ومبدأ كارتر، أما على الجانب الشرقي فقد طُرحت عدة خطط ومقترحات، منها خطة شيبليوف والتي هدفت إلى تحقيق نظام للأمن الجماعي في آسيا، وكذلك خطة بريجينيف، فضلاً عن اتفاقيات الصداقة التي وُقعت مع العديد من الدول. وأصبحت هذه المبادئ والمقترحات تشكل الأسس التي يقوم عليها الوفاق السياسي العسكري بين القوى الإقليمية والقوى العظمى في إطار المشاركة.

أدت التغيرات العالمية في عصر الاستقطاب والحرب الباردة إلى محاولة دول عدم الانحياز لرسم سياسات أمنية مستقلة عن القوتين العظميين، إلا أنها لم تتمكن من اتباع السياسة ذاتها سواء فيما يتعلق بتنويع مصادر السلاح أو الحصول على المعونات والمساعدات الخارجية، خاصة بعد أن بدأ العالم يتجه إلى الوحدات السياسية الأكبر، عكس الاتجاه الذي كان يسود فترة الخمسينيات، حيث كانت كل دولة تسعى إلى التأكيد على الذات القومية والسيادة الكاملة، ومما لا شك فيه أن هذا التحول يتطلب التوفيق ما بين اعتبارات التكامل والتنسيق واعتبارات السيادة والاستقلال.

انتقلت السلطة بعد الاستقلال لمعظم دول عدم الانحياز إلى القيادات العسكرية في الدولة، أو من خلال الانقلابات المتتالية، ولذلك تولى العسكريون مسؤولية الحكم فضلاً عن بناء الدولة، ولقد أدى ذلك إلى تزايد الاهتمام بتنمية المؤسسة العسكرية من خلال زيادة التسليح وبناء جيش فعال لحماية استقلالها وحريتها، ومن ثم زادت النفقات العسكرية وتجاوزت نفقات التعليم والصحة، وأدى ذلك إلى تهديد الأمن القومي لكثير من دول عدم الانحياز، حيث نتج عن زيادة الصراعات الداخلية الإقليمية وعدم الاستقرار إلى مواجهات دولية، التي أدت بدورها إلى سباق التسلح وتزايد مجالات الإنفاق العسكري ليشمل نقل الأسلحة والتدريب ونقل التكنولوجيا العسكرية، بما يزيد من مستوى ومعدل العنف بشكل فعال ويفجر المزيد من الصراعات العسكرية.

وأدت المغالاة في تحديد مصادر التهديد الخارجي إلى زيادة الإنفاق العسكري، لذلك تطورت المؤسسات العسكرية لمعظم دول عدم الانحياز بصورة أكبر من الناحية النوعية عن المجتمع ككل، ومن ثم زادت الفجوة بين المؤسسة العسكرية والمؤسسات الاجتماعية، وأدى ذلك إلى التوسع الخارجي في شكل حروب أو زيادة دورها في النظام السياسي بصورة أدت إلى ظهور الدولة البوليسية حيث يسيطر المتخصصين في العنف عليها، ولذلك تقلصت مساحة الديموقراطية وانعدمت قنوات التعبير الديموقراطي عن الرأي، مع تبني أنظمة الحكم لسياسة مواجهة الأفكار الخارجية وحماية الجبهة الداخلية وكذلك المحافظة على الاستقلال والسيادة، وبذلك صارت الديموقراطية مطلباً للنخب غير الملتزمة بقضايا الأمن والدفاع ومواجهة التهديدات المختلفة، وأصبح مناقشة الشرعية وحق المعارضة يمثل خروجاً على السياق العام للنظم الاجتماعية المفروضة من جانب المؤسسات العسكرية القائمة في العديد من دول عدم الانحياز.
 
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معلومات العضو
لالة بتينة

لالة بتينة

Admin

Admin
معلومات إضافية
كيف تعرفت علينا : غيره
الجنس : ounta
المهن : jami3i
الهواية : rkoub elkhayl
المزاج : ray9
الدولة : france
عدد المساهمات : 4981
تاريخ التسجيل : 14/05/2012
معلومات الاتصال
http://www.lalaboutayna.com/
مُساهمةموضوع: رد: حركة عدم الانحياز   حركة عدم الانحياز I_icon_minitimeالأحد يونيو 02, 2013 5:38 pm

ومما لا شك فيه أن التحديات الأمنية التي تواجهها دول عدم الانحياز يكون مصدرها الأساسي من الداخل، وهي ناتجة عن عدم كفاءة النظم في عملية المشاركة السياسية وإيجاد وسائل التعبير المناسبة في إطار من الديموقراطية، إلا أن ذلك يزيد من احتمالات تنامي العنف وتهديد الأمن القومي، ومن ثم ترتبط الصياغة الدقيقة للأمن القومي لدول عدم الانحياز بضرورة الفهم الدقيق والواضح لمصادر التهديد الرئيسية، والتي يكون مصدرها الأساسي نابعاً من البيان السياسي والاقتصادي لهذه الدول بالدرجة الأولى، وهي المصادر التي تتطلب دون شك زيادة اتساع مساحة الديموقراطية والمشاركة السياسية، إلا أن التحدي الأخطر يتمثل في تحويل القناعات النظرية والالتزامات السياسية في مجال الأمن إلى سياسات فعلية تحقق الأمن القومي، وتدفع بشعوبها إلى المشاركة التطوعية في تنفيذها، ويقتضي ذلك إلى ضرورة فهم الأبعاد الموضوعية للأمن والأبعاد الذاتية للمواطنين، مع فتح حوار علمي وسياسي للربط بين الأمن القومي والأمن الإقليمي وأمن مجموعة دول عدم الانحياز ككل.

سادساً: التحديات الثقافية والإعلامية لحركة عدم الانحياز

بدأت معالم الدعوة لإقامة نظام إعلامي دولي جديد تتضح مع نهاية السبعينيات، وقد بدأت هذه الدعوة تأخذ شكلاً محدداً في حركة عدم الانحياز منذ عام 1983م، وكان الاهتمام من قبل يتركز على إقامة تعاون في مجال الإعلام والاتصال، وكان نشاط الدول غير المنحازة يتركز أساساً في المنظمات الإعلامية والتربوية وبخاصة في منظمة اليونسكو، إلا أن التوجهات الإعلامية والثقافية للعديد من دول الحركة بدأت تقوم على الاعتراف بحرية الصحافة، كذلك يجب أن يقوم التدفق الإعلامي على الدعوة للسلام والتفاهم بين الشعوب، كذلك يجب أن تطور البنية الأساسية للاتصالات في البلاد النامية بإقامة الأقمار الصناعية، بهدف تحقيق التعددية الإعلامية والسياسية، إلا أن ذلك لا يمكن تنفيذه في العديد من دول عدم الانحياز التي مازال العديد منها يعيش تحت سيطرة نظم ديكتاتورية أو نظم الحزب الواحد ولا يسمح بحرية الصحافة فيها.

إن غالبية الدول النامية، بما فيها دول عدم الانحياز، لا توجد بها حرية صحافة، ومن ثم فإن الدعوة لإقامة نظام إعلامي قائم على أسلوب اتصال جديد نابع من الرغبة في الخروج من التحيز الإعلامي الغربي ضدها أكثر من كونه تعبيراً عن حقيقة النظم الإعلامية القائمة في ظل المعطيات الراهنة. لذلك تتضح أهمية التعاون الإعلامي بين الدول النامية بعضها البعض، كذلك تبرز قضية إنشاء مجمع أنباء عدم الانحياز، والمجلس الحكومي لتنسيق الإعلام بين دول عدم الانحياز، وتجمع إذاعات دول عدم الانحياز. ولتحقيق التقدم في هذه المجالات يتطلب المزيد من الجهود، لأن نطاق العمل محدود مقارنة بنطاق العمل في المجال الاقتصادي، وسيطرة الدولة على الوسائل الإعلامية أكثر وضوحاً ومن ثم التنسيق بين إعلام الدول النامية يكون أكثر يسراً، ولكنه لم يصل بعد إلى المستوى المطلوب، بسبب التناقضات والاختلافات بين العديد من دول عدم الانحياز حيث أن أغلبها يعتمد على وكالات أنباء ذات ثِقل دولي محدود، إضافة إلى أن معظمها يعتمد في الأساس على الأنباء الحكومية والرسمية، ولا يقدم مادة إعلامية متميزة، ومن ثم تميل معظم الدول النامية ومنها دول عدم الانحياز للاعتماد على وكالات الأنباء العالمية بدلاً من الاعتماد على الأنباء التي يبثها مجمع أنباء عدم الانحياز أو الوكالات المشتركة فيها، وهو ما يمثل في النهاية تحديات للقدرات الإعلامية والثقافية لدول عدم الانحياز.

سابعاً: تحديات التعاون العلمي والتكنولوجي لحركة عدم الانحياز

لقد كان هناك انخفاض في مستوى الوعي العلمي بين دول عدم الانحياز، وكذلك عدم وجود مراكز التقدم العلمي، ومن ثم اتجهت معظم الدول النامية إلى الدول الصناعية المتقدمة للحصول على التكنولوجيا التي يتحقق خلالها التقدم العلمي، ولقد ركزت دول عدم الانحياز منذ بداية الثمانينيات اهتمامها لدعم وإقامة مراكز للعلوم والتكنولوجيا، على أن يكون مقرها الرئيسي في الهند، ولقد استهدف المركز تزويد الدول النامية بصفة عامة ودول حركة عدم الانحياز بصفة خاصة بالخبرات الفنية والتدريب على العلوم الحديثة، وقد أُقر النظام الأساسي الخاص بهذا المركز، ويرتبط هذا المركز بمشروع آخر يتمثل في إنشاء مركز للهندسة الوراثية في إطار منظمة اليونيدو، وقد أُنشئت وحدتين أساسيتين في كل من الهند وإيطاليا، كما جرى الربط بين هذين المركزين، ويرجع سبب إنشاء مركز للعلوم والتكنولوجيا في الهند إلى التقدم العلمي الذي حققته في هذا المجال، ومن ثم تعتبر الهند من دول عدم الانحياز ذات المستوى العلمي والتكنولوجي الذي يمكن من خلاله أن تكون حلقة علمية وثقافية بين الدول النامية والدول المتقدمة، وأن ما يتوفر لديها من تكنولوجيا متطورة، تتلاءم مع ظروف واحتياجات الدول النامية، في حين أن ما يتوفر لدى الدول الصناعية الغربية يفوق بكثير ما تبتغيه الدول النامية خاصة وأن التكنولوجيا الغربية تسعى إلى الميكنة الكاملة في كافة مراحل الإنتاج في حين أن العمالة متوفرة في البلاد النامية، لكن يتطلب رفع مستوى الاستفادة منها.

ثامناً: تعدد الرؤى واختلاف التوجهات كتحديات تهدد حركة عدم الانحياز

رغم أن حركة عدم الانحياز تعتبر اتجاهاً سياسياً حديثاً في العلاقات الدولية، إلا أن طبيعة النشأة وظروفها والعوامل المحيطة بها أثرت على نموها وتطورها، كذلك كان انضمام العديد من الدول للحركة أدى إلى ظهور العديد من التوجهات المتباينة واختلاف واضح في الرؤى تمثلت في الآتي:

1. الاتجاه المعتدل، وهو الاتجاه الذي يرى في حركة عدم الانحياز تجمعاً دولياً لا ينتمي إلى أي من الكتلتين الشرقية والغربية، وسعت الدول التي تتبنى هذا الاتجاه للحفاظ على سياسة عدم الانحياز من خلال خطابها السياسي وكذلك في علاقاتها الخارجية، ففي خطابها السياسي تؤكد على فلسفة عدم الانحياز والمتضمن في الإعلان السياسي أنها لا تنحاز إلى أي قوى خارجية وأنها مستقلة تأخذ مواقفها وفقاً لما تراه، أما من الناحية التطبيقية سعت هذه الدول إلى إدانة السياسات الاستعمارية والإمبريالية دون أن توجه النقد لسياسات الدول الكبرى والعظمى، وإن كان هذا التجمع لم يدافع عن السياسات الغربية غير المؤيدة لحركات التحرر، بل وأحياناً لسياسات ومصالح الدول المعتدلة ذاتها، ومما لاشك فيه أن هذه الدول والتي يطلق عليها بالدول ذات الاتجاه المتشابه مرتبطة مصلحياً وسياسياً وأيديولوجياً بالنظم الغربية الرأسمالية رغم أنها لم ترتبط في تحالفات معها، وكان من أمثلة هذا الاتجاه سنغافورة وكولمبيا.

2. الاتجاه المرتبط أيديولوجياً بالفكر الماركسي، ويمثل هذا الاتجاه كوبا ونيكاراجوا وكوريا الشمالية وأنجولا وموريشيوس، وكانت تتبنى هذه الدول اتجاه مضاد للاتجاه المعتدل ـ حيث تدعوا لتغيير فلسفة الحركة ومواقفها انطلاقاً من أن الحركة تعبر عن التحول من النظام الاستعماري الدولي إلى إقامة نظام اقتصادي وسياسي إعلامي واتصالي جديد، ومن ثم فلابد من التغيير الشامل، لأن النظام القائم يتسم بالاستغلال والهيمنة، فالديون يجب أن تُلغى وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي يجب تغيير أسلوب عملهما إلى النظام الديموقراطي الذي يراعي مصالح الدول النامية، كذلك يجب تغيير نظام الأمم المتحدة ليتوافق مع الظروف الدولية المتغيرة، كما يجب تقنين آليات الحد من التسلح ومنع انتشار الأسلحة النووية.

3. الاتجاه الثالث يعبر عنه النظام الإسلامي الثوري بزعامة جمهورية إيران الإسلامية، وتتمثل رؤية هذا الاتجاه في أن النظام العالمي الراهن يعتمد على السيطرة السياسية والاقتصادية والثقافية، من خلال تدخل الدول في شؤون بعضها البعض والذي أدى إلى صراعات متعددة كان منها الحرب الأهلية في لبنان والصراع الداخلي في أفغانستان ودول أمريكا اللاتينية والصراع في جنوب السودان والعديد من دول أفريقيا، وللتخلص من سيطرة الدول الكبرى يرى هذا الاتجاه في الإسلام والديانات السماوية الأخرى الدعوة للتمسك بالإيمان ومواجهة أساليب السيطرة المختلفة، ورفض الهيمنة والقهر، ولتحقيق هذه الأهداف طالبت بإعادة تشكيل فلسفة حركة عدم الانحياز لتحقيق الآتي:

أ. إحياء مبادئ عدم الانحياز على النحو المعروف من التمسك بالاستقلال، ومقاومة الاستعمار والسيطرة، وعدم التدخل، وأن التمسك بهذه المبادئ هو شرط أساسى لاستمرار عضوية أي دولة فيها.

ب. إحياء المسؤولية بين دول الحركة تجاه الشؤون الدولية، بتكتل دول الحركة ضد الدولة المعتدية أو الدولة التي تنتهك حقوق الإنسان.

ج. توسيع نطاق نشاط الحركة لتشمل الميدان الثقافي، وتهتم به على النحو الذي يحافظ على التراث والتقاليد والقيم لدولها.

د. صياغة قواعد ومعايير جديدة على أساس مبادئ الحركة ومعارضة تطبيق المعايير المزدوجة فلابد من مقاومة العدوان.

هـ. يجب إعادة دراسة معايير الانضمام للحركة، وأن تنظم العلاقة بين دول حركة عدم الانحياز في إطار بعيد عن القيم المادية، كما يجب العمل على إيجاد نظام جديد للقانون الدولي يستند إلى القيم المشتركة يراعى فيه تطبيق العدالة وملئ الثغرات القائمة في النظام الحالي.

و. أما التوجه الرابع فيرى أهمية تطهير حركة عدم الانحياز من دول الفرانكفون، لارتباطها بالاستعمار الفرنسي، وكذلك من دول الكومنولث، لارتباطها بالملكية البريطانية، ولقد تزعم هذا الاتجاه الجماهيرية الليبية، التي رأت أن العالم ينقسم إلى مجموعتين، الدول الاستعمارية والدول المتحررة، وتسعى الدول الاستعمارية إلى فرض سيطرتها وهيمنتها على الدول الصغيرة المستقلة حديثاً، بينما الدول المتحررة وأغلبها من الدول النامية فمن مصلحتها التمسك بالمبادئ الاشتراكية لاتفاق مصالحها في مقاومة الاستعمار والسيطرة.

من تعدد التحديات والتهديدات والقضايا التي تواجهها حركة عدم الانحياز أصبح لزاماً عليها صياغة اتفاقات بشأن التحديات التي تهدد مسيرة الحركة سواء كانت هذه التحديات داخلية أو بسبب ضغوط خارجية على أن يقوم هذا الاتفاق على المبادئ التالية:

1. احترام النظام السياسي والحكومي لكل دولة، وأن يكون من حق شعب كل دولة من دول عدم الانحياز تقرير نمط النظام الذي تنشده، وأن تختار الحكومة التي ترغبها، وأن تمتنع الدول الأخرى عن التدخل في هذه الأمور الداخلية.

2. عدم انتهاك وحدة الدول وسلامة أراضيها، وإن كان لا يمنع من إعادة النظر في الحدود القائمة فعلاً والتوصل إلى تسوية سلمية نهائية لها.

3. ضرورة عدم وجود روابط سياسية عسكرية بين القوى الإقليمية والقوى الكبرى والتي يمكن تصورها سواء في حالة التنافسات الإقليمية الداخلية أو في حالة تنافس القوى الكبرى.

4. إن تهديد أمن أي دولة يعتبر تهديداً لأمن الجميع، ولذلك يجب على كافة دول عدم الانحياز القيام بجهود موحدة لإزالة هذا التهديد عن طريق اتخاذ خطوات إيجابية على كافة المستويات والميادين الممكنة.

5. أن تكون هناك جهود واعية لتقوية ودعم الروابط الاجتماعية والاقتصادية والثقافية بين دول عدم الانحياز بهدف خلق بيئة أفضل من أجل التعاون الإقليمي.

6. العمل على تنمية القدرات العلمية والتكنولوجية من خلال التعاون بين دول حركة عدم الانحياز وفقاً لما تتطلبه احتياجات وقدرات الدول النامية.

تاسعاً: تداعيات انهيار الكتلة الشرقية، والثنائية القطبية، على حركة عدم الانحياز

لقد مرت حركة عدم الانحياز، منذ انهيار الكتلة الشرقية، بثلاث مراحل متعاقبة. تميزت أُوْلاها بالشك والغموض، إذ فقدت الحركة اتجاهها، وتأثر دورها في منظومة عالمية من دون الاتحاد السوفيتي، وخاصة أن العديد من أعضاء الحركة، كان يؤمن بضرورة دورها في خضم الصراع بين الشرق والغرب؛ وإذا كان هذا الصراع قد انتهى، فهذا يعني انتهاء دور الحركة، بعد زوال أسباب وجودها. وفي هذه المرحلة، اعتقد الكثيرون، أن الحركة قد تلاشت؛ إلا أن ذلك لم يتحقق.

وفي المرحلة الثانية، شهدت الحركة فترة الاستدراك، واسترجاع فاعليتها، من أجل تأكيد الذات، والتعاون، في ظروف جديدة أكثر تعقيداً وأشد خطراً؛ إذ إن الظروف الجديدة، تحتم على الحركة إيجاد دور فاعل، على مساحة العلاقات الدولية، من خلال طرائق وأساليب وآليات، توافق النظام العالمي الجديد.

أمّا المرحلة الثالثة (الحالية)، فهي مرحلة الثقة بالنفس، واسترجاع القوة، وتدعيم وتأكيد المبادئ والثوابت، التي قامت عليها حركة عدم الانحياز، والتي ما زالت تشكل نقاط القوة فيها. ففي هذه المرحلة، تتضح أهمية توافق الحركة مع المعطيات الجديدة، واستغلال معظم أعضائها لتشكيل قوة، تستطيع مواجهة الكبار، الذين يسيطرون على مقاليد السياسة والمال في العالم.

وعلى الرغم من وضوح مدى حاجة الحركة إلى الإصلاح والتطوير، وتجسيد التعاون بين أعضائها، وتوحيد المواقف من القضايا المصيرية، التي تؤثر في غالبية دولها؛ إلا أن دور الحركة، حتى الآن، لا يعكس ثقلها الحقيقي، وخاصة أنها تضم أكثر من ثلثَي دول العالم. فحركة عدم الانحياز، ما زالت تعاني نزاعات أعضائها، ومشاكل عديدة، تنعكس على فاعليتها ومصداقيتها، إذ تشغلها بقضايا هامشية، وتبعدها عن القضايا المصيرية. فالمشاكل الاقتصادية، ما زالت تشكل عائقاً رئيسياً، أمام معظم أعضاء الحركة؛ ما أدى إلى تعامل تلك الدول مباشرة مع الدول المتقدمة، في إطار ثنائي، بدلاً من التعامل من خلال الحركة. وهو ما يؤدي إلى إضعاف الحركة، أمام الدول المتقدمة؛ نظراً إلى عدم تكافؤ العلاقة بين الطرفَين.

وفي القرن الحادي والعشرين، تواجه حركة عدم الانحياز تحديات مغايرة لما كانت تواجهه عند إنشائها، وحتى في فترة السبعينيات والثمانينيات. ومن أهم هذه التحديات إنهاء عمليات التحرر والاستقلال، الحل السلمي للنزاعات الدولية، الإرهاب، التنمية المستدامة، استئصال الأمراض والأوبئة والفقر؛ والاستفادة من تكنولوجيا المعلومات وصناعة المعرفة، في أغراض سلمية، وأغراض التنمية والتطور والأمن والاستقرار.

عاشراً: حركة عدم الانحياز ضرورة إستراتيجية لتوازن النظام الدولي

تجتاز حركة عدم الانحياز محنة تاريخية كبرى، تكاد تعصف بها. ووضح ذلك من خلال الارتباط الوثيق للعديد من الدول أعضاء الحركة بسياسات الدول الكبرى. واتخذ ذلك الارتباط شكل التحالف، والقبول بقواعد عسكرية أجنبية (أمريكية)؛ فضلاً عن عدم تمكن الحركة من حل النزاعات البينية للدول الأعضاء في الحركة، بعيداً عن التدخلات الخارجية. ومن ثَم، فإن بعث أهداف الحركة وتفعيل أنشطتها، وتحديد مواقفها السياسية غير المنحازة إلى الدول الكبرى، ونصرة قضايا الدول النامية ـ أصبحت في حاجة إلى جهود مضنية، لمواجهة اضمحلال دور حركة عدم الانحياز.

وحتى تكون حركة عدم الانحياز حاضرة في الإسهام في استقرار النظام الدولي، فعليها أن تنشط، بفاعلية، في خدمة قضايا السلام في العالم، وكذلك لخدمة مصالح دولها العليا؛ فعليها ألا تعكس نهجاً سلبياً في حركة السياسة الدولية. ففي مدى أربعة عقود من الانخراط في حركة السياسة الدولية، بصفة قطب دولي، له ثقله ونفوذه في النظام الدولي، تمكنت حركة عدم الانحياز من ترسيخ وجودها في ذلك النظام، بكونها قطباً دولياً ثالثاً. وحتى بعد زوال نظام القطبية الثنائية، أمست العضوية في الحركة أربعة أمثال ما كانت عليه عند نشأتها، عام 1961. وتسهم الحركة، إلى حدّ كبير، في تخفيض حدة التوتر في حركة السياسة الدولية، وحتى بعد انتهاء الحرب الباردة. فلقد نجحت الحركة في فرض أجندتها في قضايا السلام والأمن الدوليَّين، وكذلك في توثيق عرى التكامل الاقتصادي، والتنسيق السياسي، بين دولها؛ من أجل حماية استقلالها من تقلبات حركة السياسة الدولية.

وإذا كانت مستمرةً معاناةُ دول حركة عدم الانحياز للمشاكل نفسها في التعامل مع القوى العظمى، وربما بصورة أكثر تعقيداً من تلك التي كانت سائدة، خلال الحرب الباردة، إذ استفحلت غطرسة الإملاءات، التي تفرضها القوى الكبرى في العالم، بما ينعكس على استقلال الدول وحرية شعوبها؛ فكذلك لا تزال قضايا السلام والأمن الدوليَّين، في مناطق التوتر في العالم، تعاني ازدواجية النظام الدولي، على حساب أمن العالم وسلامته. كما أن تفاقم ظاهرة الإرهاب، التي لم تكن موجودة سابقاً، أدى إلى ظهور تهديد جديد، يؤثر في أمن وسلامة دول العالم بعامة، ودول حركة عدم الانحياز بخاصة.

 
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معلومات العضو
لالة بتينة

لالة بتينة

Admin

Admin
معلومات إضافية
كيف تعرفت علينا : غيره
الجنس : ounta
المهن : jami3i
الهواية : rkoub elkhayl
المزاج : ray9
الدولة : france
عدد المساهمات : 4981
تاريخ التسجيل : 14/05/2012
معلومات الاتصال
http://www.lalaboutayna.com/
مُساهمةموضوع: رد: حركة عدم الانحياز   حركة عدم الانحياز I_icon_minitimeالأحد يونيو 02, 2013 5:40 pm

لقد عُقدت القمة الرابعة عشرة لحركة عدم الانحياز وسط متغيرات دولية جديدة، فرضت تحديات كبيرة للحركة ودورها المستقبلي، إذ كانت حركة عدم الانحياز واحدة من أكثر الحركات تأثيراً بهذه المتغيرات؛ فأحداث الحادي عشر من سبتمبر، أثرت في مبادئ العلاقات الدولية والقانون الدولي. ووافق ذلك تغيرات إستراتيجية في سياسات الأمن الدولي، والاهتزاز في أُسُس العمل متعدد الأطراف؛ ما أدى إلى إعادة نظر الأمم المتحدة، والمنظمات: الدولية والإقليمية الأخرى، في أولوياتها، ومواجهة التحديات الجديدة، للحفاظ على السلم والأمن الدوليَّين.

ومن التحديات، التي تواجه دول عدم الانحياز، الحوار بين الحضارات؛ إذ أن العولمة، التي أُسيء استخدامها، أسفرت عنها تهديدات بفرض أنماط محددة: ثقافية واجتماعية، على دول العالم النامي، بغير مراعاة للتعددية الثقافية، والفروق: الحضارية والاجتماعية. كما تواجه الحركة تحدياً أكبر، يتمثل في البحث عن سبل دعم العمل الجماعي متعدد الأطراف، في مواجهة السياسات الانفرادية، أحدية الجانب، من خلال دعم الأمم المتحدة ومنظماتها وأجهزتها، وفي مقدمتها الجمعية العامة؛ وإعادة إصلاح وهيكلة مجلس الأمن؛ بهدف إلزام الدول الأعضاء مقرراتها، وعدم دفع هذه الدول إلى العمل خارج النظام الدولي؛ مع ضرورة الحفاظ على مبادئ القانون الدولي في العلاقات الدولية، والحفاظ على حقوق الإنسان، وجعل الأمم المتحدة أكثر فاعلية في احتياجات المجتمع الدولي، للحفاظ على سلامه وأمنه واستقراره.

وفي ظل النظام الدولي الحالي، تتزايد مبررات التمسك بحركة عدم الانحياز، بصفتها عامل توازن مهماً على الساحة الدولية. فبعد أن كانت بؤر عدم الاستقرار، في منطقة الشرق الأوسط، تتركز في مسرح العمليات التقليدي، على جبهات المواجهة العربية ـ الإسرائيلية، ظهرت بؤر للتوتر، في ظل الظروف الدولية الحالية، لا تقلّ خطراً عما سبق، تمثلت في استشراء العنف في العراق وأفغانستان، واحتمالات توتر في منطقة الخليج العربي؛ إضافة إلى ملف أسلحة الدمار الشامل. ومن ثَم، فإن حركة عدم الانحياز، يمكنها، حالياً، أن تساهم في إيجاد المناخ الملائم للتفاهم، بين الثقافات والحضارات والأديان والمذاهب؛ ولذلك، فهي تستقي مبررات استمرارها من شرعية وجودها، وازدياد أهمية دورها في حفظ السلم والأمن الدوليَّين.

وإزاء التحديات، التي تواجه حركة عدم الانحياز، فإن تنشيط دورها، يعتمد، أساساً، على التركيز في قضايا التعاون الاقتصادي بين دولها، في ظل العولمة؛ ومعالجة تزايد الفجوة بين الشمال والجنوب، من خلال نظام اقتصادي عالمي أكثر عدالة، يضمن تحقيق مصالح جميع الأطراف. ومن ثَم، سيظل دور حركة عدم الانحياز مؤثراً في ساحة الأحداث والتحديات، وخاصة إذا كانت دولها، في الساحة الدولية، بكلّ متغيراتها: الإقليمية والدولية، مصممة على أن تمثل مصلحة العالم النامي، وتحاور الأطراف الدولية، باللغة التي يفهمها العالم حالياً، وهي لغة المصالح.




المبحث الثامن


حركة عدم الانحياز والنظام العالمي الجديد


بدأت تتغير صورة النظام الدولي في بداية الثمانينيات، عبر عن ذلك انتصار الغرب في الحرب الباردة الجديدة على الشرق أكثر مما عبرت عنه حقيقة الوفاق العالمي، وكان من المتوقع أن يتبلور نمط جديد للعلاقات الدولية في إطار توازن المصالح، إلا أن النمط الفعلي ابتعد كثيراً عن هذا المبدأ، حيث بدأت عملية تهميش دول العالم الثالث، ومنذ الإعلان عن انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991م، واشتعال أزمة الخليج الثانية، بدأت معالم نظام عالمي جديد في الظهور، تستند على انفراد الولايات المتحدة الأمريكية بالسيطرة والهيمنة على الساحة الدولية، إلا أن الاختلافات في العلاقة بين أمريكا والدول الغربية واليابان بدأت تظهر، وأوضحت هذه الحقيقة حتمية الانتقال إلى نظام توازن قوي أو نظام متعدد الأقطاب، إلا أن التطورات الدولية أكدت انفراد الولايات المتحدة بالنفوذ في الساحة العالمية تقريباً، ومن ثم فإن نمط علاقات القوة كشف عن وجود أزمة فيما يتعلق بموقع الهيمنة ويرجع ذلك للآتي:

1. الانتشار النسبي لموارد القوة وخاصة القوة الصناعية، حيث ظهرت اليابان ودول الجماعة الأوروبية كقوة اقتصادية تمتلك قاعدة صناعية كبيرة، كما حققت معدلات نمو أعلى من الولايات المتحدة.

2. لقد كان تطور وتنامي وانتشار القوة العسكرية في العديد من الدول من عوامل رفض الهيمنة المطلقة للولايات المتحدة.

3. قيام التكتلات الإقليمية ومن أبرزها الجماعة الأوروبية، إضافة إلى وجود تكتلات سياسية عديدة قد لا تتوافر لها قاعدة اقتصادية اندماجية، ولكنها تتمتع بقدرة على المناورة السياسية في نطاقها الإقليمي يمكنها من مواجهة النفوذ الأمريكي.

4. عدم انسجام مكانة الولايات المتحدة الأمريكية، حيث أنه رغم امتلاكها لقوة عسكرية متقدمة تكنولوجياً، إلا أن مكانتها الاقتصادية بدأت تتراجع بصورة واضحة مما أدى إلى حالة عدم توافق خاصة وأن التراجع في المكانة الاقتصادية يؤدي إلى تقييد المكانة في المجال العسكري.

من تحليل التطورات التي ارتبطت بالنظام الدولي على مستوى الخصائص والوظائف لا يمكن التأكيد على انفراد الولايات المتحدة الأمريكية بالسيطرة على النظام الدولي الجديد خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وحرب الخليج الثانية، كما لا يمكن التأكيد على أنه جرى التحول من النظام الثنائي المرن إلى نظام القطب الواحد، وذلك لعدة اعتبارات فالولايات المتحدة ليست هي المركز الوحيد لعملية صنع القرارات الدولية، فهناك مراكز أخرى ليست تابعة للولايات المتحدة، كما أن مفهومها للأمن ليس مفهوماً عالمياً، ولكنه مفهوم خاص يتعلق بحماية المصالح الحيوية الأمريكية في الداخل والخارج، كما أن الولايات المتحدة لم تعد تستطيع بصورة مطلقة اتخاذ قرارات تمس النظام الدولي والتفاعلات العالمية دون أن تسبغ عليها الشرعية الدولية سواء بموافقة الحلفاء الرئيسيين لها أو موافقة الأمم المتحدة، مؤدي ذلك أن النظام العالمي بعد انهيار النظام الثنائي لم يتحول إلى نظام القطب الواحد بل بدأت تتضح مظاهر التعددية خاصة بعد وضوح أهمية دور الدول الصناعية الكبرى، كذلك بروز قوي جديدة لها تأثيرها في النظام العالمي الجديد وهي ألمانيا واليابان والصين، وخاصة أن كل منها تسعى إلى دعم وزنها الإقليمي والدولي من خلال بناء قوة اقتصادية عالمية تدعمها قدراتها العسكرية.

تحاول حركة عدم الانحياز منذ انتهاء الحرب الباردة إعادة تكييف دورها ليتواءم مع المستجدات العالمية، حيث تبلورت مقترحات ومشروعات مختلفة بدأت من تغيير اسمها وصولاً إلى إدماجها في هياكل أخرى، مروراً بتغيير أهدافها الأساسية، ولذلك تعتبر المهمة الرئيسية لحركة عدم الانحياز في المرحلة الراهنة هي البحث عن دور جديد وهوية جديدة، خاصة أن المشكلات التي تواجهها ليست مشكلة دور وفعالية، وأن النظام العالمي الحالي يجمع تيارات متناقضة بعضها مؤيد لحركة عدم الانحياز وبعضها مناهض لها، حيث بدأت تظهر التوجهات العالمية، وأخرى تسعى نحو التكتلات الاقتصادية سواء كانت في إطار إقليمي أو عالمي، وإذا كانت هذه التوجهات تجميعية، إلا أنه يوجد توجهات تفتيتية تتمثل في الصراعات العرقية والنزاعات الأهلية والعنصرية وتعدد الثقافات، وكل ذلك يمثل تحديات لدول العالم الثالث وعلى صعيداً آخر هناك محاولة لإعادة رسم الخريطة السياسية والاقتصادية الدولية، فبعض الدول التي كانت في الماضي من دول حركة عدم الانحياز، أصبحت دولاً صناعية متقدمة ومنها الصين والهند ودول شرق آسيا، وماليزيا وإندونيسيا، وهذه الدول بصفة عامة تشكل تكتلات اقتصادية إقليمية مثل الآسيان والآبيك وينعكس ذلك سلباً على أهمية الدور الاقتصادي لحركة عدم الانحياز.

لقد وضح مدى تخوف حركة عدم الانحياز من النظام العالمي الجديد منذ عام 1991م، حيث بحثت خلال اجتماعاتها المختلفة عن مخاطر التوجهات الجديدة التي بدأت تعمل على تأسيس نظام عالمي أحادي القطبين يتسم بعناصر جديدة يحد من إمكانات حل المشاكل العالمية المعاصرة، بما فيها مشاكل الدول النامية والدول غير المنحازة، ومن ثم يقل الاهتمام الذي تلقاه المسائل والمشاكل التي تعني البلدان غير المنحازة، وما لم يتغير هذا الوضع، ويتركز الاهتمام نحو القضايا التي تهم قطاعات العالم الجغرافية كافة، ستظل أهداف حركة عدم الانحياز دون تحقيق، ولقد عكس المؤتمر العاشر أهمية التعامل مع النظام العالمي الجديد، وكذلك الحاجة الماسة إلى اتخاذ تدابير محددة من أجل تعزيز قدرة الحركة على التصدي للتحديات التي يطرحها النظام العالمي الجديد، ولذلك بدأ تجدد الاهتمام بمدى الدور الذي يمكن أن تؤديه حركة عدم الانحياز في إطار العلاقات الدولية، ولذلك شُكلت اللجنة الوزارية للمنهجية لحركة عدم الانحياز منذ عام 1989م، وتحددت مهمتها في دراسة تطوير أساليب الحركة وتحسين أدائها وتعزيز قدرة حركتها على التصدي للتحديات التي يطرحها النظام العالمي الجديد، إلا أن عمل اللجنة والتوصيات التي خرجت بها لم تعكس مفهوماً للتصدي للتحديات التي يطرحها النظام العالمي الجديد بقدر ما عكست اهتماماً عاماً بضرورة تحديث أدوات وأساليب حركة عدم الانحياز، بهدف اكتساب الفعالية المنشودة في العلاقات الدولية، وهو لم يخرج عن توصيات محددة أقرت خلال مؤتمرات وزراء خارجية دول عدم الانحياز. وكان منها إنشاء جهاز دائم للحركة، وكذلك إنشاء لجنة مشتركة للتنسيق بين حركة عدم الانحياز من جانب ومجموعة السبعة والسبعون من جانب آخر، وكذلك تعزيز دور مكتب التنسيق التابع للحركة في نيويورك، وتكثيف التنسيق بين دور عدم الانحياز الأعضاء في مجلس الأمن.

وتتمثل أهم التطورات التي أثرت في أسلوب تناول حركة عدم الانحياز لتطورات النظام العالمي واتجاهه نحو نظام أحادي القطبية، ولم يقتصر مخاوف دول حركة عدم الانحياز على اختلال ميزان القوى في العالم، وإنما أدى إلى تغييرات هامة في التوجهات السياسية لعدد من دول حركة عدم الانحياز ذات الارتباط الخاص بالاتحاد السوفيتي السابق، سعياً إلى إعادة ترتيب الأوضاع الإقليمية المحيطة بها، بهدف تحقيق التوائم مع التغيرات الجوهرية في العلاقات الدولية، ولقد كان لانهيار الاتحاد السوفيتي انعكاساً على العديد من دول حركة عدم الانحياز وخاصة ذات التركيب الإثني المتعدد[1]، ولقد وضح ذلك في انهيار وتفتت يوغسلافيا وهي من الدول المؤسسة لحركة عدم الانحياز، وألقت هذه الأزمة بآثارها السلبية على تماسك الحركة والذي كاد أن يطيح بالبعد الأوروبي للحركة. وكان من شأن انهيار وتفتت الكتلة الشرقية بصفة عامة والاتحاد السوفيتي بصفة خاصة أن تباينت ردود فعل دول عدم الانحياز إزاء هذا الانهيار وانعكاسه على ميزان القوى العالمية، وتقليص حرية الحركة لدول عدم الانحياز في إطار معاملاتها الدولية.

في إطار المتغيرات الدولية وتأثيرها السلبي على العديد من الدول كان لزاماً على دول عدم الانحياز أن تتخذ موقفاً أكثر تحديداً إزاء النظام العالمي الجديد، وكان ذلك خلال مؤتمر القمة العاشرة لحركة عدم الانحياز والذي عقد في جاكرتا خلال الفترة من 1 - 6 سبتمبر 1992م حيث حددت رسالة جاكرتا الصادرة من المؤتمر ما يجب أن يكون عليه النظام العالمي الجديد من حيث تحقيق العدل، واستناده إلى سيادة القانون ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة والمشاركة المتكافئة في تحمل المسؤولية، والالتزام المشترك بالتعاون والتضامن العالمي والشامل، ويجب أن يتميز تصميم بنيان النظام العالمي الجديد بالشمولية، وأن يكرس لتحقيق السلام والعدل والأمن والتنمية والديموقراطية بين الدول وداخلها، كما أكدت الرسالة على أهمية أن يكون النظام العالمي الجديد مكرساً للنهوض بالحقوق والحريات الأساسية للشعوب والأمم سواءً بسواء، كما يجب أن يكون هناك ضمان لسيادة الأمم والالتزام بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وعدم المساس بها تحت أي ذريعة كانت، ومن ثم فقد عكست رسالة جاكرتا مخاوف دول عدم الانحياز من اتجاه النظام العالمي نحو الاتجاه لتأسيس نظام عالمي أحادي القطبية.

حددت قمة جاكرتا عام 1992م، دور حركة عدم الانحياز في النظام العالمي الجديد، حيث أكد بيان القمة على أن التغيرات التي شهدها النظام العالمي أكد صلاحية دور حركة عدم الانحياز وأهميتها، بالنظر إلى أن نهاية مرحلة الحرب الباردة والنظام ثنائي القطبية قد دعمت مطالب حركة عدم الانحياز بأهمية إعلان النوايا الحسنة وإقامة تعاون دولي شامل من أجل القضاء على الخوف وكافة أشكال التعصب، كما أكدت وثيقة البيان الختامي للمؤتمر إلى أن التغيرات العالمية دلت على أن مبادئ عدم الانحياز تبقى كما هي دون تغيير، بل أن الحاجة إليها قد تزايدت ولم تتناقص إلا أنه يجب على الحركة أن تعمل لمواجهة التحديات المختلفة التي ترتبت على تلك التغيرات الدولية وأهمية وحدة الحركة وتفادي انقسامها وتفتتها، كذلك كلفت وثيقة جاكرتا مكتب التنسيق التابع لحركة عدم الانحياز في نيويورك بإيجاد آلية لتسوية المنازعات بين الدول غير المنحازة. ولقد انتقدت قمة جاكرتا ممارسات بعض الدول التي تعوق إيجاد نظام عالمي مثالي كالذي طالب به زعماء دول عدم الانحياز في مراحل نشأتها الأولى، ولذلك يجب أن يكون المجهود الأساسي هو لإحلال السلام والأمن الدوليين ونزع السلاح والتسوية السلمية لكافة المنازعات وتحقيق علاقات اقتصادية أكثر تكافؤ، ويتطلب ذلك وضع استراتيجيات ومبادرات قائمة على أساس الجهود المستمرة من أجل دعم حركة عدم الانحياز حتى تكون أكثر فعالية تجاه التطورات العالمية وكذلك ذات قدرة لإدارة الشؤون الدولية.

كان مؤتمر قمة دول عدم الانحياز الثاني عشر الذي عقد في ديربان بجنوب أفريقيا عام 1998م بمثابة منعطف بارز لمسيرة الحركة، خاصة بعد أن بدأت المتغيرات العالمية تعصف بالنظام الدولي على كافة مستوياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، كما تأكد انفراد الولايات المتحدة الأمريكية بقمة النظام العالمي بعد أن صارت أكبر قوة سياسية واقتصادية في العالم، وأصبحت الرأسمالية والاقتصاد الحر وآليات السوق هي أساسيات النظام الاقتصادي، وتحددت مفاهيم جديدة منها الديموقراطية وحقوق الإنسان، وأوجدت هذه التغيرات السياسية نظاماً عالمياً جديداً مختلف تماماً عن النظام الذي كان سائداً عند نشأة حركة عدم الانحياز، فلقد تقلص حجم ودور الاستعمار التقليدي وظهور أنماط جديدة تهدف إلى السيطرة وزيادة التبعية، وتزايد مشاكل وصعوبات جديدة للدول التي حصلت على استقلالها، الأمر الذي حد من حرية حركتها وقدرتها على المواجهة القوية للسياسات المعادية لمصالحها القومية، فضلاً عن الفشل النسبي الذي لحق بدور حركة عدم الانحياز وعدم فعاليتها في السياسة العالمية وهو الوضع الذي استمر في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، فلقد عجزت الحركة عن تنفيذ أي من القرارات الاقتصادية التي اتخذت، بالإضافة إلى عدم تنفيذ القرارات السياسية، وبدأ تباين الاتجاهات لدول عدم الانحياز حول مستقبل الحركة، فهناك اتجاه مؤيد لاستمرار حركة عدم الانحياز مع ضرورة تنشيط دورها، كما وضح ذلك في مؤتمر القمة الثانية عشر، ويسود هذا الاتجاه داخل الحركة، ويرى ضرورة أن تبقى وتستمر للتعامل مع قضايا الدول النامية وتحديد الدور الذي يجب أن تقوم به حركة عدم الانحياز في إطار الحوار بين الشمال والجنوب، خاصة وأن الطابع الاقتصادي أصبح يطرح نفسه، إلى أن أصبحت المشكلة ليست فقدان الدور وإنما تغيير طبيعته من أجل إحياء دور الحركة في النظام العالمي، والتحول من وضعية الحياد بين أقطاب النظام العالمي إلى وضعية تمثيل أحد أقطابه، وهو ما يحقق المشاركة في تشكيل ملامحه والحد من الضغوط السياسية والاقتصادية التي تواجهها، كذلك يوجد اتجاه يطالب بضرورة دمج الحركة في مجموعة السبعة والسبعون من أجل تجنب الازدواجية لضمان فاعلية الحركة.

أولاً: حركة عدم الانحياز والنظام الاقتصادي العالمي الجديد:

بعد أن أصبحت حركة عدم الانحياز آلية رئيسية للدبلوماسية الجماعية للعالم الثالث، أُنشئت آلية أخرى هي مجموعة السبعة والسبعون، حيث تبنت دول عدم الانحياز المبادرة التي أدت إلى عقد مؤتمر القاهرة الذي تشكلت فيه المجموعة عام 1964م، وأعضاء مجموعة السبعة والسبعون من الدول النامية اتفقت على إنشاء هذه المجموعة في إطار مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، وكانت المجموعة تضم عند إنشائها سبع وسبعين دولة، وكان غالبية أعضاء المجموعة من دول حركة عدم الانحياز، والتي كانت عند تكوينها ذات طابع وأهداف سياسية، سعت إلى أن تكون رابطة فعالة فيما بين دول الجنوب حيث تعمل على إيجاد بيئة دولية لا تعيق التحرر الاقتصادي وتنمية البلدان النامية، ولقد اعتبرت حركة عدم الانحياز أن المؤسسات الاقتصادية التي نشأت عقب الحرب العالمية الثانية وهي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والجات قد أخفقت في تنمية الجنوب، ولذلك جرى خلال مؤتمر القمة الرابع لدول حركة عدم الانحياز بالجزائر عام 1973 توجيه الانتقادات الحادة للنظام الاقتصادي العالمي القائم حينذاك، كما طالبت القمة الرابعة بتحويل التجارة بين دول الجنوب والمشروعات المشتركة فيما بينها إلى جزء متكامل من إستراتيجية الإنماء الاقتصادي لدول عدم الانحياز، ولقد قررت القمة أن يكون لها دوراً محورياً داخل مجموعة السبعة والسبعون، بهدف دفع التعاون الاقتصادي فيما بين دول الجنوب إلا أنها لم تحدد المشروعات اللازمة لتحقيق ذلك، إلا أنه يحسب للمجموعة أنها لم تتخلى عن مهمة صياغة الخطوط الأساسية، والالتزام العام للدول النامية لتحقيق هذا التعاون، كذلك بدأت حركة عدم الانحياز في تنمية علاقاتها مع الدول النامية غير الأعضاء في الحركة.

تجسد التعاون بين حركة عدم الانحياز والعديد من الدول النامية المختلفة في اجتماع نيويورك الوزاري عام 1978م، الذي كان تعبيراً عن الغضب تجاه نتائج مفاوضات الدول النامية مع الدول المتقدمة حول مفهوم وتوجهات النظام الاقتصادي العالمي الجديد الذي كان مطروحاً آنذاك، حيث كان يحتوي هذا المؤتمر على اتهاماً واضحاً للدول المتقدمة بإعاقة تنفيذ هياكل التعاون الاقتصادي بين الدول النامية وبعضها البعض، كما اتفقت الدول النامية خلال المؤتمر بإنشاء نظام إقليمي للمعلومات التجارية، كما طالبت بالبدء في المرحلة التمهيدية للنظام الشامل للمفاوضات التجارية بين الدول النامية. وفي مؤتمر القمة السادس لحركة عدم الانحياز الذي انعقد في هافانا عام 1979م، ربطت الحركة بين مفهوم الاعتماد الجماعي على الذات وبين فكرة النظام الاقتصادي العالمي الجديد، كما أدانت حركة عدم الانحياز غياب العدالة في العلاقات الاقتصادية الدولية، إضافة إلى إدانة الإجراءات الحمائية التي تتبناها دول الشمال، كما اتهمت القمة السادسة لحركة عدم الانحياز الدول التي تسعى لفرض نظم اقتصادية على الدول النامية، كما وجهت القمة السادسة النقد لمواقف حركة عدم الانحياز لعدم تعاون دول الحركة فيما بينها، حيث اعتبرت غياب الإرادة السياسية لدى بعض دول الحركة سبباً رئيسياً في عدم تحقيق التعاون.

خلال مؤتمر القمة الثامن لحركة عدم الانحياز الذي عقد في هراري عام 1986م، حُدد النظام الشامل للأفضليات التجارية فيما بين الدول النامية، باعتباره برنامجاً مركزياً كوسيلة أساسية لإقامة النظام الاقتصادي العالمي الجديد، وتجسيداً لإرادة الدول النامية في تبني نمط الاعتماد الجماعي على الذات، ومثالاً يوضح للدول المتقدمة إمكانيات وقدرة الدول النامية على تجاوز خلافاتها فيما بينها لتحقيق التعاون الذي تنشده. وبشكل عام يكون التعاون بين الدول النامية بصفة عامة ودول عدم الانحياز بصفة خاصة قد شكل للحركة ضمان للاستقلال السياسي، ودليلاً على وعي وفهم واستعدادها لتبادل المنافع والتعاون فيما بينها، إضافة إلى عدم إعفاء دول عدم الانحياز للدول المتقدمة من مسؤوليتها تجاه تنمية دول الجنوب، كما أدركت الحركة دائماً الانعكاسات السلبية للوضع الاقتصادي العالمي على التعاون فيما بين دول الجنوب، ولقد تأكد ذلك خلال مؤتمرات قمة دول عدم الانحياز المتعاقبة، حيث عملت الحركة على تدعيم الروابط فيما بين دول الجنوب بهدف دعم موقف الجنوب في عملية التفاوض الدولية مع الشمال في إطار علاقاته الاقتصادية، مع تأكيدها على أن هذا التعاون بين دول الجنوب يكون قادراً على تجنيب الدول النامية من التداعيات السلبية للأزمات الاقتصادية التي تتعرض لها دول الشمال بصفة مستمرة وبشكل دوري.

ثانياً: حركة عدم الانحياز ومبدأ السيادة على الثروات الطبيعية:

تشكل السيادة على الموارد الطبيعية للدول جزءاً من سيادتها الإقليمية، كما هي حق للدولة في ممارسة سلطاتها السياسية والقانونية والإدارية والمالية والثقافية داخل حدودها الإقليمية، ولذلك فإن ممارسة السيادة على الموارد والثروات الطبيعية أمر حيوي للاستقلال الاقتصادي للدولة ويرتبط بالاستقلال السياسي، ولقد كان الاهتمام بمسألة السيادة الدائمة للدول على ثرواتها الطبيعية من مطالب حركة عدم الانحياز، ولقد كان هناك معارضة من الدول الرأسمالية لتأميم استغلال الدول لثرواتها الطبيعية، وفي المؤتمر التأسيسي لحركة عدم الانحياز الذي عقد في بلجراد عام 1961م جرى التأكيد على مبدأ حق الدول في ممارسة سيادتها على ثرواتها ومواردها الطبيعية، ولإصرار دول العالم الثالث بصفة عامة ودول حركة عدم الانحياز بصفة خاصة على حق الدول في سيادتها الدائمة على ثرواتها ومواردها الطبيعية اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار الرقم 1803 في 14 ديسمبر 1962 (أُنظر ملحق قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الرقم 1803، الصادر في 14 ديسمبر 1962)، واتسم هذا القرار بنوع من الغموض والعمومية، ويرجع ذلك إلى تفادي الدول النامية لمواجهة ولمجابهة الدول الرأسمالية بشكل حاد، كذلك كان هناك صيغة توفيقية حيث لم يجرى التحقيق الدقيق للشعوب والثروات والموارد الطبيعية، بل كان هناك نوع من العمومية، إلا أن ذلك اعتبر خطوة متقدمة نحو إقرار حق الشعوب والأمم في سيادتها الدائمة على مواردها وثرواتها الطبيعية، وتلي ذلك القرار انعقاد المؤتمر الثاني لدول حركة عدم الانحياز في القاهرة عام 1964م، والذي أكد على حق الشعوب في سيادتها الدائمة على مواردها وثرواتها الطبيعية واستغلالها الحر لهذه الثروات، ولقد أكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في مايو 1974م حقوق الدول وواجباتها الاقتصادية في قراراها الرقم 3281، الذي منح الدول حريتها في ممارسة سيادتها الدائمة على مواردها الطبيعية، وبذلك يعتبر صدور القرار الرقم 1803 وحتى صدور القرار الرقم 3281 لعام 1974م مكملان لبعضهما البعض، ومنذ ذلك التاريخ ودول حركة عدم الانحياز تولي اهتماماً خاصاً بالجانب الاقتصادي في نضالها على كافة الأصعدة والساحات الدولية، حيث أصبحت قراراتها لا تقتصر فقط على الجوانب السياسية، بل أولت اهتماماً خاصاً بالجانب الاقتصادي وخاصة القضايا الاقتصادية العالمية.

ثالثاً: حركة عدم الانحياز ومحاولات دمجها مع مجموعة السبعة والسبعون:

بعد التنسيق والتعاون بين كل من مصر والهند ويوغسلافيا في تحريك التضامن الآسيوي ـ الإفريقي لإبراز وتفعيل حركة عدم الانحياز أصبحت هي الآلية الدبلوماسية الجماعية لدول العالم الثالث، والتي ساهمت في إنشاء آلية أخرى هي مجموعة السبعة والسبعون حيث تبنت دول عدم الانحياز المبادرة التي أدت إلى عقد مؤتمر القاهرة لتشكيل المجموعة عام 1964م من مجموعة الدول النامية في إطار مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية الانكتاد، وكانت المجموعة تضم عند إنشائها سبع وسبعون دولة واستمرت بهذا الاسم رغم زيادة عدد أعضائها على مائة وثلاثون دولة، غير إن معظم دول المجموعة أعضاء في حركة عدم الانحياز ولقد انضم إليها بعض الدول غير أعضاء في الحركة ومنها البرازيل وفنزويلا والمكسيك، ومع المتغيرات الدولية العديدة والمتنوعة التي طرأت على النظام العالمي منذ منتصف الثمانينيات، وتبلورت بصورة واضحة مع بداية التسعينيات، بدأت تتباين رؤى دول العالم الثالث حول جدوى مجموعة السبعة والسبعون في ظل نظام اقتصادي دولي يعمل لصالح الدول الصناعية الكبرى، تأكدت محاولات تهميش العالم الثالث، وعلى مستوى حركة عدم الانحياز تبلور تيار محافظ تمسك بالمفهوم التقليدي لعدم الانحياز، حيث زادت النظرة المتشائمة إزاء المتغيرات الدولية وآثارها، وافتراضها أن هذه المتغيرات في غير صالح حركة عدم الانحياز. ولكن منذ بداية التسعينيات بدأت تزداد الدعوة لتجديد حركة عدم الانحياز وتطوير مفاهيمها، وتوسيع نطاقها حتى يتحقق لها مزيد من تفعيل دورها على الساحة الدولية، وقام مفهوم تطوير حركة عدم الانحياز على الاستقراء الموضوعي لجوانب العلاقات الدولية المعاصرة، بهدف التعرف على إيجابياتها واستثمارها في التعامل مع الواقع الدولي المعاصر، واستخلاص العوامل المساعدة على تعزيز دور الحركة وتحقيق أكبر قدر من فعاليتها والمواءمة مع المتغيرات في العلاقات الدولية.

منذ عام 1988م وخلال الاجتماع الوزاري لحركة عدم الانحياز في أكرا بدأ تنشيط أعمال اللجنة الوزارية المنهجية، وتحددت مهمة اللجنة في العمل على استجابة حركة عدم الانحياز للمتغيرات الدولية الجديدة والمتجددة لبحث أداء الحركة وفاعليتها وأساليبها وتطورها وتعزيز دورها العالمي، وقامت اللجنة بعقد عدة اجتماعات متعددة، طُرح خلالها عدة تساؤلات حول واقع ومستقبل حركة عدم الانحياز، إلا أنه كان هناك توافق في آراء أعضاء الحركة حول تأكيد استمرارية حركة عدم الانحياز في ظل النظام الدولي الجديد، إلا أن قدرة الحركة على البقاء والاستمرارية كان مجال لتساؤلات عديدة وكان أبرز آليات التطوير التي طُرحت على اللجنة الوزارية المنهجية وكذلك على الاجتماعات الوزارية لحركة عدم الانحياز فكرة دمج حركة عدم الانحياز دون إلغائها مع مجموعة السبعة والسبعون، حيث كان هناك اتجاه يرى ضرورة إقامة جبهة مشتركة، يجري التحرك من خلال مجموعة ذات نطاق أكبر بدمج مجموعة السبعة والسبعون مع حركة عدم الانحياز، ولم تكن رؤية هذا الاتجاه حل حركة عدم الانحياز، بل بهدف دعم قضايا العالم الثالث من منطلق وحدة الهدف وتطابق المصالح، وهذا الدمج يشكل جبهة واحدة للعالم الثالث تمكنها من العمل وسط المتغيرات العالمية المتلاحقة وبذلك يمكن تجنب الازدواجية في الجهود المبذولة، وتوفير مزيد من الكفاءة في تحقيق الأهداف المشتركة بين حركة عدم الانحياز ومجموعة السبعة والسبعون، من خلال استغلال الإمكانيات الضخمة لهذا التعاون بشكل كامل، ومن ثم يمكن اندماج الدول النامية في الاقتصاد العالمي وبشكل يدعم الدور السياسي لحركة عدم الانحياز مع النظام العالمي الجديد، إلا أن هذا الاقتراح لم يتوفر له التأييد اللازم من دول عدم الانحياز، ولذا جرى الاتفاق في الاجتماع الوزاري لمكتب التنسيق لدول عدم الانحياز في عام 1992م على تشكيل لجنة تنسيق مشتركة، وجرى خلال مؤتمر القمة العاشرة في عام 1992م تأسيس لجنة التنسيق وتحديد أسلوب عملها والموضوعات التي سيجري التنسيق بشأنها مع مجموعة السبعة والسبعون.

رابعاً: حركة عدم الانحياز ومجموعة الخمسة عشر:

تشكلت مجموعة الخمسة عشر خلال اجتماع القمة التاسع لحركة عدم الانحياز في بلجراد عام 1989م، ورغم أن مجموعة الخمسة عشر تكونت من دول أعضاء في حركة عدم الانحياز، وكذلك أعضاء في مجموعة السبعة والسبعون، إلا أنها لا تنتسب إليهما، كذلك لا يوجد رابطة تنسيق بين نشاطهما بل أن مجموعة السبعة والسبعون لم تعترف في أي بيان لها بقيام مجموعة الخمسة عشر، ومما لاشك فيه أن ذلك يعتبر إشكالية تنظيم هامة في الوقت الذي تحاول فيه دول الجنوب تنسيق مواقفها وتوحيد صفوفها من أجل تحقيق التعاون فيما بينها، ودعم موقفها التفاوضي في حوارها مع دول الشمال، وتضم المجموعة في عضويتها من القارة الأفريقية كلاً من مصر والجزائر ونيجيريا والسنغال وزيمبابوي، ومن القارة الآسيوية كلاً من الهند وماليزيا وإندونيسيا، ومن قارة أمريكا اللاتينية كلاً من بيرو والأرجنتين والبرازيل والمكسيك وجاميكا وفنزويلا إضافة إلى يوغسلافيا، وانضمت كل من كينيا وسريلانكا إلى المجموعة عام 1997م ليزيد عدد أعضاء المجموعة ليكون تسعة عشر دولة، ولقد بلورت المجموعة المواقف والمسارات التي تتخذها كممثل للدول النامية في العالم الثالث ولتعاون الجنوب وذلك في إطار التحولات السياسية والاقتصادية في العالم، والتي ترى مجموعة الخمسة عشر إنها توفر فرصة لبدء مرحلة من السلام والرخاء العالمي، وإمكانية قيام نظام لاقتسام ثمار السلام، ويعتبر تجمع مجموعة الخمسة عشر تجمعاً حيوياً وهاماً في المجال الاقتصادي، حيث يزيد الدخل القومي الإجمالي للدول أعضاء المجموعة على أربعة بلايين دولار، ويصل مجموع سكانه أكثر من 1600 مليون نسمة، كما يصل حجم مساهمته في التجارة الدولية إلى 520 مليار دولار، كما تقدم في مجموعها حوالي 28% من المواد الخام للعالم، وتهدف المجموعة إلى تحقيق الاعتماد الجماعي على الذات، وتعزيز التعاون بين دول الجنوب النامية، وتوحيد مواقفها خلال حوارها مع الشمال، كما تركز المجموعة على إقامة مشروعات محددة تحقق من خلالها شراكة دولية من أجل التنمية المتواصلة، مع تأكيدها على ضرورة إصلاح المؤسسات الدولية بما يحقق مصالح الدول النامية، ورغم تعدد اجتماعات مجموعة الخمسة عشر حيث عُقدت عشرة مؤتمرات قمة للمجموعة أكدت خلالها نجاحها في تجاوز أكثر مما كان متوقعاً لها، كما تمكنت من الاستمرار في فاعليتها على الساحة الدولية كعنصر تعاون وتنسيق دون تصارع أو ازدواجية بين نطاق عملها ونشاطها وبين نطاق عمل كل من حركة عدم الانحياز ومجموعة السبعة والسبعون، وإنما يجري العمل في إطار تكاملي بما يدعم مواجهة قضايا دول العالم الثالث في مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ورغم وضوح أهمية دور مجموعة الخمسة عشر إلا أنها لا تمثل أي شكل من أشكال التكامل الاقتصادي المعروفة، والتي يتمثل أدنى مراحله في مناطق التجارة الحرة، بل هي تجمع للتنسيق بين الأنشطة المماثلة في دول المجموعة، وتعمل على إيجاد مساحة مشتركة للتعاون على كافة المستويات، خاصة في المجال الاقتصادي والوصول إلى رأي موحد في القضايا الاقتصادية ذات الأبعاد الدولية.

خامساً: عدم الانحياز والأمن الوطني في ظل النظام العالمي الجديد:

منذ أن عُقدت مؤتمرات التضامن بين الشعوب الأفريقية والآسيوية في العشرينيات من القرن الماضي والتي ارتقت مع انعقاد مؤتمر باندونج 1955، أدركت شعوب القارتين بأنها تعاني من مشاكل واحدة وأن مصيرها وعدوها واحد، لذلك كان يواجه حركة عدم الانحياز منذ نشأتها مشكلة أساسية تتمثل في كيفية تحقيق الأمن لدول عدم الانحياز، خاصة وهي دول تتميز بندرة الموارد، مع الحاجة إلى بناء مؤسسات تعمل على إشباع الحاجات الاقتصادية رغم أن معظم دول الحركة كانت أطرافاً في نزاعات وصراعات إقليمية. وقد دفع النظام العالمي الجديد دول حركة عدم الانحياز إلى أن يكون تحقيق أمنها الوطني هو غايتها الأساسية، والتي تدور في محيطها سياستها الخارجية والداخلية، خاصة وأن النظام الدولي المعاصر يتميز بوجود كيانات إما متعددة الجنسية أو منظمات وهيئات دولية، ولتعامل الدول النامية مع هذه الكيانات يتطلب نمط من التفاعلات يتسم بالحرص الشديد، خاصة وأن الكيانات الدولية والشركات متعددة الجنسيات أو الشركات غير القومية هي التي تتعامل مع السلع الإستراتيجية سواء كانت أسلحة أو تكنولوجيا أو مال وهي عناصر مؤثرة في بناء الأمن الوطني للدول النامية.

من دراسة وتحليل أسباب عدم الاستقرار ومصادر تهديد الأمن الوطني للدول النامية يتأكد أن مصادر التهديد الداخلية لها الغلبة على مصادر التهديد الخارجية ويتضح ذلك من تعدد سقوط أنظمة الحكم والاستيلاء على السلطة بطرق غير شرعية، ولقد أدى ذلك إلى التحول في فهم وبناء الأمن الوطني من مجرد الدفاع والإعداد العسكري إلى المفهوم الأوسع الذي يتعلق بالتحولات الاجتماعية والسياسية، ولم يعد قاصراً على الجوانب العسكرية فقط، ولقد شهدت الساحة الإستراتيجية الدولية العديد من التحولات الهيكلية، التي لم تعد قاصرة في تداعياتها على شكل واتجاهات توزيع مقومات القوة داخل هذه البيئة الجديدة، بل امتدت كذلك إلى كافة التفاعلات التي تشهدها بما فيها ظاهر الصراع، فهذه الظاهرة كانت تتحدد سابقاً وبدرجة كبيرة في ضوء آليات نظام القطبية الثنائية، لكن الآن أصبحت هناك سيولة أكثر في التعاملات الدولية وتوليد مصادر جديدة للصراع، ولقد ساهم ذلك في فقدان آليات الاستقرار وضبط الصراع، حيث بدأت حالة عدم الاستقرار والاضطراب المصاحبة لعملية التحول في النظام الدولي، تترك تداعياتها المباشرة وغير المباشرة على سباق التسلح بين العديد من دول العالم النامية، ومنها دول عدم الانحياز، حتى كانت النفقات العسكرية في أعلى معدلاتها خاصة بعد حرب الخليج الثانية، رغم إشكاليات ضبط وتقييد عمليات انتقال السلاح والتكنولوجيا العسكرية، بل وكذلك إلى التناقض البين في سياسات معظم الدول المصدرة للسلاح التقليدي، وينبع هذا التناقض من المحددات الاقتصادية الناجمة عن الأزمة التي واجهت شركات صناعة السلاح في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، والتدني الملحوظ في النفقات العسكرية العالمية على التسلح، وهي الأزمة التي تشتد وطأتها في حالة دول أوروبا الشرقية، وكذلك وجود دول لا تضع في اعتبارها الجهود الهادفة إلى الحد من تجارة السلاح.

كان لظاهرة عدم التماثل بين دول العالم الثالث وتجمعاته الجغرافية وزيادة حدة الخلافات والنزاعات، أن جرى التركيز الأساسي للطلب على السلاح، خاصة مع تطورات إستراتيجية الاحتواء بين القوتين العظميين بعد الحرب العالمية الثانية، ولقد انعكس ذلك على معدل نفقات الدفاع للعديد من الدول النامية بصفة عامة، ومنها دول عدم الانحياز، حيث قاربت النفقات الدفاعية للدول النامية المتوسط العالمي في النصف الأول من السبعينيات، ثم بدأ بالزيادة حتى فاق المتوسط العالمي بنسبة بين 7 ـ 15 بالمائة خلال فترة الثمانينيات، وكانت هذه الزيادة بسبب زيادة حدة المخاطر الخارجية والصراعات الإقليمية، كذلك زاد حجم ونوعية الإجراءات الأمنية اللازمة لحماية النخبة السياسية الحاكمة، ونظراً لزيادة عدد الدول المستقلة في العالم الثالث بمقدار ثلاثة أضعاف، ولم يكن للعديد من هذه الدول مؤسسات عسكرية قبل الاستقلال، فقد لجأت كل منها لتكوين جيشها الوطني، ولذا تضاعف حجم الإنفاق العسكري لهذه الدول بشكل ملحوظ، يضاف إلى ذلك انخفاض المنح والمساعدات العسكرية من الدول الكبرى للدول النامية بعد نهاية الحرب الباردة، ولذلك اضطرت الدول النامية للاعتماد بشكل متزايد على قدراتها الاقتصادية.

وبمقارنة النسب الكلية للإنفاق العسكري للدول النامية بصفة عامة، يتضح وجود فوارق جوهرية بين المناطق المختلفة المكونة له، حيث تخصص دول الشرق الأوسط حصصاً من دخلها لأغراض الدفاع هي الأعلى في العالم، فبعد أن كانت هذه النسبة في مطلع السبعينيات تفوق بمقدار الثلثين عن المتوسط العالمي، إلا أنها ارتفعت إلى قرابة ثلاثة أمثال المتوسط العالمي، ولقد شهدت دول القارة الأفريقية نفس الظاهرة، فلقد شهد الإنفاق العسكري ارتفاعاً كبيراً في السبعينيات بالرغم من الركود الاقتصادي الذي كانت تعانيه الدول الأفريقية، إلا أن الإنفاق العسكري وصل ذروته في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات، حيث وصل إلى ضعف مستواه، أما بالنسبة لمعدلات الإنفاق العسكري لدول أمريكا اللاتينية، فلقد كان هناك انخفاض ملحوظ، حيث انخفضت حدة الصراع والمنافسة بين هذه الدول إلى درجة كبيرة، وعلى الرغم من أن دول أمريكا الجنوبية قد استمرت في برامجها التسليحية، إلا أن حصتها من الإنفاق على المؤسسة العسكرية قد نما بمعدلات بطيئة جداً، مقارنة بالدول النامية الأخرى. أما منطقة شرق آسيا كان الإنفاق العسكري أقل من المعدلات التي كانت سائدة في السبعينيات. أما دول جنوب آسيا فهي تشكل بؤر صراع مستمر، حيث تتعدد الصراعات الدينية والعرقية والحدودية، والإنفاق العسكري في هذه المنطقة التي تعتبر من أفقر المناطق في العالم قد زاد بمعدل ثلاثة أضعاف المعدلات التي كانت سائدة في أوائل الثمانينيات، ويتحمل هذه الزيادة كل من الهند وباكستان، وكذلك سريلانكا والتي زاد معدل إنفاقها العسكري إلى 388 بالمائة، ويرجع سبب الارتفاع في الإنفاق العسكري إلى الصراعات العرقية والطائفية التي تهدد الوحدة السياسية للدولة.

يتضح من تزايد معدلات الإنفاق العسكري للدول النامية بصفة عامة ودول عدم الانحياز بصفة خاصة بازديادها بدرجة عالية عن معدل إنفاق الدول المتقدمة، رغم احتياج الدول النامية إلى مواردها من أجل التحول الاجتماعي، كما يتضح من تدفقات السلاح للدول النامية خلال الفترة ما بين عام 1950م وحتى 1990م، إن إجمالي التدفقات كانت 610.106 مليار دولار، كان نصيب دول الشرق الأوسط منها حوالي 248.458 مليار دولار، وكذلك كان نصيب دول شمال أفريقيا حوالي 45.356 مليار دولار، بينما كان نصيب الدول الأفريقية جنوب الصحراء حوالي 45.593 مليار دولار، أما نصيب دول جنوب آسيا كان حوالي 91.614 مليار دولار، وكان نصيب دول الشرق الأقصى حوالي 113.084 مليار دولار، بينما كان نصيب دول أمريكا الجنوبية حوالي 52.602 مليار دولار، وكان نصيب دول أمريكا الوسطى حوالي 13.399 مليار دولار (أنظر جدول تدفقات السلاح التقليدي للدولة النامية خلال الفترة 1950 - 1990 بالمليار دولار "أسعار 1990"). لذا يتضح الاستنزاف الاقتصادي لسباق التسلح، حيث زادت النفقات العسكرية للدول النامية بشكل واضح، خاصة مع التزايد السريع في نظم التسليح التقليدي الذي أصبح أكثر تعقيداً وتكلفه، كما أن الأسلحة المتطورة هي التي أصبحت مطلوبة بدرجة كبيرة، وتزايدت في مجالات التعاقد ووصلت إلى التدريب وتوفير الصيانة مما رفع معدلات الإنفاق العسكري، ولقد أدى ذلك إلى زيادة مستوى العنف بشكل ملحوظ.

ولمواجهة تنامي معدلات الإنفاق العسكري زاد عدد الدول المعنية بنزع السلاح، وكان في مقدمتها دول حركة عدم الانحياز، والتي كان لها دور بناء في النهوض بالترتيبات الإقليمية واحتواء العديد من الصراعات إلا أن يبقى دورها الحيوي أساسياً في العمل على تفعيل محادثات الحد من الأسلحة بكافة صورها وتوسيع نطاق الاتفاقيات الدولية، ومنها معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وكذلك الحد من تكنولوجيا الصواريخ، وهناك كذلك مقترحات أكثر جدية لتعزيز الأمن، مع الحد من اقتناء الأسلحة، مثل خطط إعادة التشكيل الدفاعي أو الأمن الجماعي، كما يجب أن تعمل دول عدم الانحياز على التفاهم والتنسيق مع القوى الخارجية من أجل القيام بدور بناء في الترتيبات الإقليمية للحد من الأسلحة، عوضاً عن تقليصها، الأمر الذي لم يطالب به العديد من الدول، ولذلك يجب أن تقوم الدول المتقدمة في إطار النظام العالمي الجديد بضبط مبيعاتها من الأسلحة، على أن يطبق ذلك على جميع أطراف الصراع.
***********************

[1] الدولة ذات التركيب الإثني المتعدد: هي الدولة التي يوجد بها العديد من الجماعات التي تقوم الروابط فيما بينها على الدين واللغة وليس الروابط السياسية.
 
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معلومات العضو
لالة بتينة

لالة بتينة

Admin

Admin
معلومات إضافية
كيف تعرفت علينا : غيره
الجنس : ounta
المهن : jami3i
الهواية : rkoub elkhayl
المزاج : ray9
الدولة : france
عدد المساهمات : 4981
تاريخ التسجيل : 14/05/2012
معلومات الاتصال
http://www.lalaboutayna.com/
مُساهمةموضوع: رد: حركة عدم الانحياز   حركة عدم الانحياز I_icon_minitimeالأحد يونيو 02, 2013 5:42 pm



المبحث التاسع


العوامل التي أدت إلى تراجع حركة عدم الانحياز


تتعدد عوامل الضعف الكامنة في حركة عدم الانحياز التي تؤثر على إمكانية ممارستها لمهامها لكن المشكلة الرئيسية التي تواجهها حالياً هو مفهوم عدم الانحياز ذاته، والذي تطور منذ أوائل الستينيات وأصبح غير مقصور على معني الالتزام السلبي الذي يحوي في جوهره انتهاج سياسة خارجية مستقلة سعت إليها الدول حديثة الاستقلال، واكتسب هذا المفهوم عبر مراحل متعددة رؤية متكاملة لما يجب أن تكون عليه العلاقات الدولية في مجالاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية من تكافؤ ومساواة، إلا أن فاعلية حركة عدم الانحياز لا يمكن تحقيقها إلا من خلال التغلب على عوامل الضعف الكامنة حتى يمكنها التعامل مع النظام العالمي الجديد وفقاً لمبادئها وأهدافها. ويتوقف علاج أسباب الضعف في حركة عدم الانحياز على سعي دول حركة عدم الانحياز لتحديث الحركة من خلال إعادة ترتيب أولوياتها التي تعاني منها الحركة حالياً، وهو الأمر الذي يتطلب مجموعة من السياسات الموحدة التي يمكن أن تتخذها دول عدم الانحياز من خلال إحياء حوار الشمال والجنوب والاعتماد على الذات بإيجاد نوع من التمايز في التعاون فيما بينها، وفي سبيل ذلك طرحت الحركة خططها المستقبلية لمواجهة التحديات التي تواجهها، وتحددت ملامح المتطلبات التي تحتاجها الحركة خلال المرحلة القادمة في التركيز على المشاكل الاقتصادية والتركيز على قضايا التنمية إضافة إلى التركيز على القضايا الملحة والخاصة بحقوق الإنسان وحماية البيئة وتعزيز دور الأمم المتحدة.

وضح أهمية تطوير مبادئ وأهداف حركة عدم الانحياز لتواكب التطورات العالمية فبدأت الاتصالات الداخلية فيما بين أعضاء الحركة بهدف وضع إستراتيجية مستقبلية تتناسب مع هذه المتغيرات العالمية ودعم المناخ الدولي الإيجابي، ويعتبر علاج أسباب ضعف حركة عدم الانحياز سبيلاً نحو تحقيق إسهام الحركة في صياغة نظام عالمي جديد لم تتحدد معالمه بدقة بعد، إلا أن علاج بعض أسباب ضعف الحركة يمكن أن ينفذ على المدى القريب وبعضها على المدى البعيد، إلا أن الأمر يتوقف بقدر كبير على ما سوف تقرره حركة عدم الانحياز من ترتيبات وارتباطات إزاء النظام العالمي الجديد، كما يتضح أهمية دور حركة عدم الانحياز في إصلاح الأمم المتحدة وإعادة هيكلتها والتي يجب أن تتسع من خلالها عضوية مجلس الأمن وتحقيق مزيد من الشفافية في ممارسات مجلس الأمن وتحقيق التوازن بين أنشطته وأنشطة الجمعية العامة، باعتبار أن ذلك إسهاماً في صياغة النظام العالمي الجديد.

ولذلك فإن حركة عدم الانحياز تواجه تحديات هامة ومتعددة تحتم عليها ضرورة الدخول في حوار حقيقي مع كافة الأطراف الدولية من أجل توفير احتياجاتها والمساهمة الفعلية في رسم خريطة النظام العالمي الجديد، الذي يتحقق في إطاره السلام العادل والشامل والمتكافئ والذي يلبي حقوق ومصالح الأمم والشعوب، مع طرح مفهوم جديد للأمن الدولي يقوم على مبدأ تكافؤ الفرص في المصالح والثقة المتبادلة والتعايش السلمي.

منذ ظهور حركة عدم الانحياز اتخذت القوتان العظميان موقف الحذر والترقب منها، مع أن حركة عدم الانحياز لم تكن تمتلك القوة المادية الذاتية التي تنافس بها الدول العظمى، خاصة وأن الحركة تحدد دورها في التوفيق بين القوتان العظميان والمساهمة في تحقيق الأمن والسلم الدوليين، ولم تكن سلبية حركة عدم الانحياز هي التي أدت إلى تراجع مسيرة الحركة، وحدت من الدور الذي كان يجب أن تقوم به سياسياً بل كان هناك العديد من الأسباب الذاتية الداخلية التي أدت في مجملها إلى تراجع حركة عدم الانحياز وتختلف هذه العوامل في الآتي:

أولاً: التوجه نحو مفهوم عدم الانحياز ذاته

إن سياسة عدم الانحياز وجدت من يعارضها منذ البداية في الدول المؤسسة للحركة ذاتها فالبعض رأي هذه السياسة بمثابة تطوير لمفهوم الحياد، ونظراً لأن سياسية الحياد قبل الحرب العالمية الثانية لم تحقق فعالية بالنسبة للأمن الوطني لبعض الدول المحايدة فمن ثم لا توجد أهمية أو جدوى من انتهاج هذه السياسة، إلا أن المشكلة المطروحة حالياً تتمثل في مفهوم عدم الانحياز والذي يعتبره البعض التزام سلبي، بينما الحقيقة أن المفهوم ذاته قد تطور منذ أوائل الستينيات وحتى نهاية التسعينيات، بما جعله لا يقتصر على معني الالتزام السلبي الواضح من تعبير عدم الانحياز ذاته، وذلك لأن المفهوم في جوهره يعني انتهاج سياسة خارجية مستقلة وهو ما سعت إليه الدول النامية، كذلك تطور مفهوم عدم الانحياز وأصبح التقدم الاقتصادي خلال منتصف الستينيات جزءاً من هذا المفهوم، وبذلك أصبح مفهوم عدم الانحياز يتضمن رؤية متكاملة لما يجب أن تكون عليه العلاقات الدولية في مجالاتها المختلفة سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية وكذلك الثقافية من عدل ومساواة وتكافؤ، لكن نقص فاعلية حركة عدم الانحياز في ظل علاقات القوى الدولية أصبحت مشكلة قائمة منذ بداية ظهور نظام عالمي جديد.

ثانياً: مشكلة تعامل حركة عدم الانحياز مع القوى الدولية

تواجه حركة عدم الانحياز مشكلة أساسية في إطار العلاقات الدولية، حيث ظهرت بعض التوجهات التي ترى أن مفهوم عدم الانحياز إذا كان صالحاً للتفاعلات الدولية أثناء مرحلة الاستقطاب الدولي إلا أنه لم يعد صالحاً بعد ذلك، ومن ثم أصبحت سياسة عدم الانحياز ليست ذات جدوى إلا لمرحلة معينة من مراحل النظام الدولي القديم قبل انهياره، ورغم أن هذا الرأي لم يجد مؤيدين له إلا أنه لا يخلو من التجني على أهمية حركة عدم الانحياز، فهناك مجموعات من القواعد والترتيبات المتعارف عليها في العلاقات الدولية، ونظراً لأن حركة عدم الانحياز تعد بمثابة تنظيم دولي، وليس منظمة دولية تسهم في وضع القواعد والترتيبات للتعامل، فإن دور حركة عدم الانحياز يظل له أهميته وحيويته في ظل التغيرات الدولية الحالية.

ثالثاً: تباين التوجهات وزيادة حدة الصراعات

1. أن تكوين حركة عدم الانحياز يضم وحدات سياسية ذات قدرات متفاوتة، كما تتعدد القوى في عدد كبير من الدول، ليس بينها قوى تنظم الاتصال والتنسيق بين الوحدات السياسية للوصول إلى إستراتيجية مشتركة تعمل في إطارها دول حركة عدم الانحياز، ومن ثم لا تعتبر حركة عدم الانحياز كتلة سياسية قائمة بذاتها، واستمرت حركة عدم الانحياز تعمل بصورة غير منتظمة كمجموعة من الدول غير المكتملة إيديولوجياً واقتصادياً وسياسياً، كما كانت ذات توجهات مختلفة بين أيديولوجية شيوعية وأيديولوجية رأسمالية، إلا أن دول حركة عدم الانحياز كان يجمعها فقط مفهوم اللاانحياز لأي من القوتين العظميين، وعدم الارتباط بأي من المعسكرين.

2. لقد استمرت حركة عدم الانحياز كتجمع سياسي لم يستطع فرض تواجده في النسق الدولي كقوى سياسية لها تواجدها ورأيها، مع أن دول عدم الانحياز استطاعت فرض تواجدها الدبلوماسي وليس المشاركة الإستراتيجية.

3. إن حركة عدم الانحياز مازالت محكومة بنظرية الصراعات بين دول الحركة، التي مكنت النسق الدولي العالمي من فرض سيطرته وهيمنته عليها، ويتضح ذلك في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، حيث تدور العديد من الصراعات بين كياناتها السياسية، ولذلك تمكن العديد من القوى الخارجية إثبات تواجدها العالمي بتدخلها في هذه الصراعات، وأصبحت التوترات المحلية والإقليمية ذات أبعاد عالمية، كما أن التوازنات بين دول عدم الانحياز بصفة عامة والدول المتصارعة بصفة خاصة لم يكن محلياً أو إقليمياً فقط، بل يتأثر وفقاً للعلاقات الدولية.

4. نظراً لأن تكوين حركة عدم الانحياز غير متجانس وغير متكافئ في تركيبته السياسية، كذلك غير مرتبط بمفهوم أيديولوجي واضح سوى بالسياسة التوفيقية اللاانحيازية، ومن ثم لا يوجد لحركة عدم الانحياز مصلحة قومية واحدة، بل مازالت تتجاذبها مصالح متعددة في إطار توجهات الكيانات السياسية التي يتكون منها، حيث تحكمها العديد من الصراعات المختلفة سواء كانت صراعات فردية أو صراعات بدعم من قوى خارجية.

5. يعتبر تزايد الصراعات بين دول حركة عدم الانحياز من السمات الأساسية لحركة عدم الانحياز وذلك أمر طبيعي، ويعكس ذلك التركيبة السياسية الضعيفة في إطارها التنظيمي متسع العضوية وغير المتجانس، فالاختلافات السياسية بين الدول غير المنحازة لها عدة مظاهر، إلا أن غالبها يقوم على مفهوم المصلحة الوطنية، ولا يمكن إحداث التوافق بينهما، وخاصة أن العديد من دول عدم الانحياز متجاورة، ويوجد بينها العديد من الخلافات السياسية الحادة بسبب المشاكل الحدودية التي يرجع تاريخها إلى التخطيط التحكمي للحدود خلال مرحلة الاستعمار، وخلال نضال الشعوب للحصول على استقلالها، ويتمثل ذلك في أفريقيا وبدرجة محدودة في آسيا، ولذلك إن التهديد بالانفصال عن الحركة والمطالبة بضم أو تحرير بعض المناطق والعودة للحدود الاستعمارية سيبقى ذات أهمية خاصة لحركة عدم الانحياز، فالصراعات الحدودية زادت حدة مع تزايد القيمة الاقتصادية لبعض المناطق المتنازع عليها، كما أن التباين في مستويات النمو الاقتصادي بين دول عدم الانحياز يثير العديد من الصراعات فيما بينها، وذلك نتيجة مباشرة للاختلافات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

6. تعتبر الصدامات بين الأنظمة التقدمية والأنظمة المحافظة من مصادر الصراعات بين دول عدم الانحياز، فهذه الصدامات لها ارتباط وثيق بالسياسات الداخلية المتقلبة في دول عدم الانحياز، فبعض الأنظمة تسعى للقيام بدور بارز في منطقة محددة، وفي إطار سعيها لتحقيق هذا الطموح تدخل في صراعات مع الدول غير المنحازة في ذات المنطقة، وهي صراعات تأخذ شكل مواجهة أيديولوجية تكون في الغالب ذات مصالح مادية، أو بغرض فرض السيطرة والزعامة الإقليمية، وينعكس ذلك على مبدأ التعايش السلمي، ويتناقض مع تعدد النظم السياسية والأيديولوجية لحركة عدم الانحياز بعيداً عن مبادئها.

7. لفترة طويلة اعتبرت دول عدم الانحياز أن الصراعات فيما بينها عارضة وغير أساسية بالمقارنة مع الصراع ضد الاستعمار، والحاجة الملحة إلىبناء نظام سياسي واقتصادي عالمي جديد على أساس ديموقراطي، يتحقق فيه التنمية والعدالة وإقرار السلام العالمي ونزع السلاح الشامل، كذلك كان من المعتقد أن الدول غير المنحازة وقد ألزمت نفسها باتباع سلوك مبدئي، قادرة على تسوية الخلافات فيما بينها وفقاً للمبادئ المتفق عليها، ولذلك كان يعتقد أن صراعات المصالح لا يجب أن تخلق صعوبات أمام العلاقات بين دول عدم الانحياز، ولقد أدى ذلك إلى عدم اهتمام وتركيز الدول غير المنحازة لتسوية واحتواء الصراعات فيما بينها، اعتماداً على مبادئها الأساسية، إلا أن تزايد وتصاعد حدة الصراعات أكد عدم الإخلاص لهذه المبادئ، بل كانت اجتماعات دول الحركة تُستغل لدعم مواقفها وتحقيق مصالح قومية محددة لا تعبر عن التعاون والتضامن، ولذلك فإن فاعلية حركة عدم الانحياز في تحقيق التسوية السلمية للمنازعات بين أعضائها هي من عوامل نجاحها واستمرارها.

رابعاً: عدم وجود آلية لتسوية الصراعات

1. يعتبر عدم وجود آلية ثابتة محدودة لتسوية الصراعات واحتوائها بين دول حركة عدم الانحياز من عوامل زيادة حدة المشاكل، ورغم ظهور توجهات مطالبة بتكوين لجنة لتسوية نزاعات الحدود القائمة بين الدول الأعضاء، إلا أن العديد من دول الحركة عارضت ذلك لعدم موافقتهم على أي شكل من أشكال تسوية المنازعات، متمسكين بحقوق السيادة التي تحقق لهم حرية اختيار وسائل تسوية صراعاتهم مع الدول الأخرى، رافضين بذلك أي إجراءات إجبارية يمكن أن تفرض عليهم، ولا يرجع عدم مقدرة الحركة في تسوية النزاعات بين أعضائها بسبب عدم وجود آلية محددة لتسوية المنازعات، ولكن يرجع كذلك إلى عدم وجود رغبة صادقة من الدول المتصارعة لتسوية هذه المنازعات، كذلك الضغوط والتدخلات الخارجية التي تهدف إلى زيادة حدة الصراعات بين أعضاء حركة عدم الانحياز.

2. نظراً لعدم وجود آلية مناسبة داخل حركة عدم الانحياز لتسوية الصراعات فيما بين أعضائها، فوضحت الحاجة للقيام بدور غير رسمي تقوم به الحركة لاحتواء هذه الصراعات، ويعتمد هذا الدور على الترتيبات المناسبة لكل حالة على حدة، ولذلك يتحدد دور حركة عدم الانحياز في مساعدة الأطراف المتصارعة لاتباع الطرق السياسية لإنهاء الصراع، كما تشجع المفاوضات بين الأطراف وهو ما قد يترتب عليه إمكان التوصل لحل مناسب لطرفي الصراع، ومن ثم فإن حركة عدم الانحياز لا تتدخل في المفاوضات، وهذا ما قد اتُفق عليه في مؤتمر وزراء خارجية حركة عدم الانحياز في عام 1981م وفقاً لورقة العمل اليوغسلافية التي قدمت، وبرغم ما جرى التوصل إليه إلا أن هذه الوسيلة محدودة وغير مضمونة النجاح. وفي ذات الوقت وضحت أهميتها لأن مزيداً من تدهور العلاقات بين أعضاء حركة عدم الانحياز وزيادة الصراعات بينها يهدد بقائها ذاته، فلاشك أن الحركة تفتقر إلى القدرة على التعامل بشكل حاسم وكافي في العديد من القضايا، ولكنها توفر فرصة أكبر للتفاوض والتشاور، كما يمكن في إطارها أن تُفصل الصراعات المحلية والإقليمية عن التدخلات الأجنبية غير المرغوبة.

خامساً: الإطار التنظيمي لحركة عدم الانحياز وأثره في تراجع مسيرتها

1. يعتبر الإطار المؤسسي لحركة عدم الانحياز من المشاكل والصعوبات التي تهدد مسيرة الحركة من الداخل، فعلى الرغم من أن عضويتها كانت خمس وعشرون دولة عند تأسيسها إلا أنها كانت تمثل ثلثي سكان العالم، لكن زيادة العضوية بعد ذلك كانت تشمل دول محدودة السكان وذات اقتصاد ضعيف، ولقد انعكس ذلك على الثقل السياسي للحركة، ومن ثم بدأ يتضح اختلاف الرأي حول المعايير التي تحدد قبول عضوية الدول في الحركة، إلا أن الغلبة كانت لعدم التحديد الدقيق لهذه المعايير حتى لا تكون عائقاً أمام توسيع نطاق الحركة، وتمثلت المشكلة الأساسية في العضوية خلال فترة من الفترات في العضوية الدائمة وغير المشروطة، وذلك بغض النظر عن التطورات التي حدثت في التوجهات السياسية للعديد من دول عدم الانحياز، ولذلك تعددت الخلافات حول إذا ما كانت العضوية في حركة عدم الانحياز للدول أم عضوية للحكومات، خاصة مع التغيرات المستمرة لحكومات دول عدم الانحياز، ومن ثم يكون هل استمرار العضوية في الحركة مرتبطة أساساً بمدى تمسك الحكومات بسياسة عدم الانحياز، وكذلك استمرار هذه الحكومات في السلطة، أو إذا تغيرت هذه الحكومات ولم تعد ملتزمة بسياسة عدم الانحياز، ومن ثم يتضح العديد من المشاكل حول استمرار عضوية هذه الدول أو سقوطها عنها أو على الأقل تعلق بصور مؤقتة.

2. يمثل إنشاء جهاز دائم أو أمانة عامة أو ما شابه ذلك من المشاكل التي تهدد مسيرة الحركة، حيث إن هذا الجهاز له ضرورته وحيويته حيث يقوم بالتنسيق لكافة النشاطات المشتركة لأعضاء حركة عدم الانحياز، خاصة في الفترات بين انعقاد مؤتمر القمة، إلا أنه كان هناك معارضة شديدة لفكرة إنشاء هذا الجهاز الدائم من منطلق أن حركة عدم الانحياز ليس الهدف منها تكوين كتلة أو مجموعة بالمعني المتفق عليه دولياً، بل لا يعدو أن يكون بمثابة تحالف ديموقراطي موسع لدول تعمل على دعم سياسات محدودة، ومن ثم وجدت هذه التوجهات عند إنشاء الحركة أن مثل هذا الجهاز الدائم أو الأمانة العامة قد يعرض الحركة لخطر الانقسام أو الخضوع للسيطرة، ولذلك جرى الاستغناء عن فكرة إقامة مثل هذا الجهاز عند بداية تأسيس حركة عدم الانحياز.

3. خلال انعقاد مؤتمر وزراء خارجية دول حركة عدم الانحياز في مدينة جورج تاون عام 1972م، وضحت الرغبة في إنشاء لجنة دائمة لحركة عدم الانحياز تتكون من سبع دول بمهمة مراجعة كافة الأعمال التحضيرية للاجتماع الوزاري السنوي، وفي مؤتمر قمة دول عدم الانحياز عام 1973م جرى توسيع عضوية اللجنة الدائمة بتشكيل مكتب تنسيق أكبر، تكون في هذه المرحلة من سبعة عشر دولة بما فيهم رئيسا مؤتمري القمة السابق واللاحق، على أن يمارس مهامه خلال الثلاث سنوات الفاصلة بين مؤتمري القمة، ومنذ عام 1974م تحول مكتب التنسيق ليكون بمثابة الجهاز الدائم لحركة عدم الانحياز، وخلال مؤتمر دول عدم الانحياز الذي عُقد عام 1976م في كولومبو جرى اتخاذ عدة توصيات تحدد سلطة مكتب التنسيق خلال انعقاد مؤتمرات القمة، تحقيقاً لهدف وضع قراراتها موضع التنفيذ، كما جرى توسيع عضوية المكتب ليشمل خمسة وثلاثون عضواً يجري اختيارهم بواسطة رؤساء الدول أو الحكومات، مع الوضع في الاعتبار مبادئ التوزيع الجغرافي العادل والاستمرار والتناوب، كما تقرر أن تكون اجتماعات المكتب مرة في السنة على مستوى الممثلين الدائمين للدول غير المنحازة، واتُفق على أن يتولى رئاسة مكتب التنسيق رئيس مؤتمر القمة السابق، وهو في ذات الوقت رئيس الدولة المضيفة، وتحددت مهام وسلطات رئيس المكتب في عقد اجتماعات المكتب وكذلك تنسيق اجتماع لجنة عدم الانحياز في الأمم المتحدة، على أن تصدر قرارات المكتب بالإجماع، وتكون اجتماعاته مفتوحة لجميع الأعضاء وتوزعت مقاعد المكتب الخمسة وعشرون ليكون لأفريقيا ثلاث عشر مقعداً، وآسيا ثمانية مقاعد، بينما أمريكا اللاتينية تخصص لها أربعة مقاعد، وأوروبا مقعد واحد، وتقوم كل من الأقاليم منفردة باختيار الدول التي تشغل المقاعد المخصصة لها.

4. مع تزايد المخاطر التي هددت حركة عدم الانحياز وافتقاد أعضائها إلى التضامن، جرى خلال الاجتماع الوزاري لمكتب التنسيق عام 1979م الاهتمام بتسوية المنازعات بين أعضاء الحركة، ولكن رغم ذلك فإنه لا يعتبر مكتب التنسيق جهازاً حاكماً، حيث يتعارض ذلك والطبيعة الديموقراطية لحركة عدم الانحياز، وتلى ذلك توسيع عضوية مكتب التنسيق إلى ستة وأربعون دولة. ثم أصبحت عملية الانضمام إلى عضوية المكتب مفتوحة كما وضح ضرورة الأخذ بمنهج أكثر ديموقراطية فيما يتصل بعلاقات مكتب التنسيق بكل من الدول الأعضاء واللجان والتنظيمات، بهدف تحديد مهامه وحقوقه والتزاماته تحديداً دقيقاً أثناء وبعد انعقاد مؤتمرات القمة.

5. مع تزايد عضوية حركة عدم الانحياز وضح أهمية التطوير في الإطار التنظيمي لحركة عدم الانحياز حتى تتحقق الفاعلية، كما يجب أن يعاد النظر في تكوين حركة عدم الانحياز وتحديد الخطوط الرئيسية لأهدافها في ضوء الظروف والمتغيرات الدولية الجديدة، وكذلك يلزم إعادة تحديد وتوصيف مبادئ عدم الانحياز، كما يجب احتواء المنازعات الداخلية، وإذا كانت حركة عدم الانحياز قد قامت أساساً على فكرة أو عقيدة معينة قُبلت من كافة الدول الأعضاء طواعية، وبغض النظر عن الاختلافات القائمة بينها، فإن حركة عدم الانحياز في وصفها الحالي مطالبة بالالتزام بهذه القواعد الأساسية، وهذا يفرض عدم التدخل في سياسات أعضاء الحركة طالما هم ملتزمون بصفة عامة بمبادئ عدم الانحياز، ونظراً لأن مكتب التنسيق لحركة عدم الانحياز ليس هو الجهاز الفعال الذي من خلاله تستطيع الحركة إصدار أحكامها وقراراتها في شأن الدول الأعضاء، لذا يلزم تشكيل الجهاز المناسب الذي يعمل على دعم سياسة عدم الانحياز بطريقة واعية وبأسلوب ديموقراطي.

سادساً: غياب القادة المؤسسين للحركة وانكشاف التركيبة الهشة

كان لوجود القادة التاريخيين وفي مقدمتهم نهرو دوراً بارزاً في تكوين التجمع الدولي الأفرو ـ آسيوي للدول التي استقلت حديثاً، بالإضافة إلى تيتو في يوغسلافيا وجمال عبدالناصر في مصر، ومن خلال فكرة الحياد الإيجابي وعدم الانحياز جرت مواجهة القطبين الشرقي والغربي، واستطاع الزعماء الثلاثة أن يحققوا توازناً مقبولاً مما سمح لهذه الدول من مواجهة القوى العظمى، وأن يدافعوا عن حق دول عدم الانحياز، وكذلك الدفاع عن حق الشعوب الصغيرة التي طالبت في تقرير مصيرها في الأمم المتحدة، كذلك جرت مساعدتهم اقتصادياً وعسكرياً، كما كان لوجود الزعماء التاريخيين أثره الواضح في تجميد ووقف الصراعات المحلية، مما منح حركة عدم الانحياز قوة خلال الفترة ما بين نشأتها وحتى عام 1973م، إلا أن هذه القوة بدأت تتلاشى بسبب غياب هؤلاء الزعماء المؤسسون للحركة، كذلك كان الترهل الكمي في عدد دول عدم الانحياز والذي كان معظمهم منحازاً، والذي أدى في النهاية إلى انكشاف التركيبة الهشة للحركة وخاصة بعد انعقاد قمة دول عدم الانحياز في هافانا عام 1979م، وغياب تيتو من الساحة السياسية بوفاته في 5 مايو 1980م.

سابعاً: توزيع القوى داخل الحركة وانعكاسه على تراجع دورها السياسي

1. كان لصورة توزيع القوى السياسية في النسق الدولي انعكاسها الواضح والمؤثر في تراجع حركة عدم الانحياز عن دورها السياسي، حيث بدأت تظهر داخل الحركة صورة مشابهة لتوزيع القوى بين دول عدم الانحياز من خلال قيام العديد من دول الحركة بالارتباط اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً إما بدائرة السلام السوفيتية أو دائرة العالم الحر الأمريكية، وحتى عام 1979م استطاعت حركة عدم الانحياز وقف الاختراق السوفيتي إليها، وكذلك الحد من محاولات التسرب التي قامت بها العديد من الدول الكبرى الغربية، ولذلك نجحت دول الحركة في مقاومة الضغوط التي استهدفت اجتذابها إلى التكتلات الدولية، إلا أنه في بداية الثمانينيات كانت هناك بعض المحاولات لتوجيه حركة عدم الانحياز في اتجاه التحالف الوثيق مع الكتلة الشرقية ولقد تزعمت هذا الاتجاه كوبا إلا أنه منذ عام 1983م استطاعت حركة عدم الانحياز العودة إلى سياستها التوفيقية غير المنحازة إلى أي من القطبين الدوليين وهذا الاتجاه تبنته قمة عدم الانحياز السابعة في الهند ودعمته يوغسلافيا والدول المؤسسة للحركة، كما كان هناك اتجاه يطالب إعادة فرز أيديولوجي، وأنه يجب استبعاد الدول المحافظة من التجمع بحيث تنضم الدول الثورية في تحالف طبيعي مع الاتحاد السوفيتي.

2. لقد عارض أغلب أعضاء حركة عدم الانحياز هذه التوجهات، فالتحالف المباشر أو غير المباشر مع أي من التكتلات الدولية يمثل انهيار لأحد المفاهيم الأساسية التي تقوم عليها حركة عدم الانحياز، كما أن مفهوم عدم المساواة بين التكتلات الدولية سيصل بالحركة إلى إنهاء دورها الفاعل، ويقضي على مستقبل الحركة في علاقاتها الدولية المعاصرة، في الوقت ذاته فإن حركة عدم الانحياز لم تزل تمثل الطريق الرئيسي والوحيد للنضال من أجل عالم أكثر ديموقراطية، وإقرار نظام سياسي واقتصادي عالمي أكثر عدلاً، إلا أن الدور الخارجي لحركة عدم الانحياز قد شهد اختلاف كبير بين تقييمات إيجابية مبالغ فيها، وكذلك تقييمات سلبية، فلقد رأت التقييمات الإيجابية أن العديد من دول عدم الانحياز قد شهدت تطورات تقدمية في نظامها الداخلي، اكتسبت خلالها قوة دافعة على عكس ما كان متوقعاً، أما التقييمات السلبية فقد رأت أن حركة عدم الانحياز تمر بأزمة حادة بسبب الصراعات الداخلية، كما أن الضغوط الخارجية تزداد عليها بهدف تغيير مسار الحركة وتهدد السمات الجوهرية لها، كما يعتبر أسلوب إيجاد حلول مناسبة للنزاعات وتنفيذها مبدأ أساسي من مبادئ الحركة، لكن تتباين اتجاهات دول عدم الانحياز تجاه هذه المشكلة، فهناك اتجاه يطالب بإنشاء أسلوب دائم يتيح للحركة إيجاد الحلول السلمية، أما الاتجاه المحافظ يرفض تحديد أي نوع من الأساليب، ولقد ترتب على هذا الانقسام في الرأي تبلور اتجاه داخل الحركة يطالب بإيجاد حل ملائم يؤيده غالبية دول حركة عدم الانحياز.

3. يرتبط الموقف الذي يجب أن تتخذه دول عدم الانحياز تجاه تدخل إحدى دول عدم الانحياز في الشؤون الداخلية لدولة أخرى تدخلاً عسكرياً، وبرغم أن جميع دول الحركة تعلن رفضها هذا التدخل إلا أن مواقفها الفعلية تختلف من حالة لأخرى، فبينما يكون هناك تفسير لبعض التدخلات على أنها عملاً من أعمال المساندة والتضامن مع الدولة التي جرى التدخل في شؤونها، وقد يكون هناك إدانة لجميع أعمال التدخل من حيث المبدأ، وبذلك يكون حركة عدم الانحياز غير قادرة على التوصل إلى تحقيق موافقة أغلبية أعضاءها بشأن عملية التدخل في الشؤون الداخلية لأعضاء حركة عدم الانحياز.

ثامناً: عدم اتخاذ حركة عدم الانحياز قرارات مصيرية ملزمة

1. من الملاحظ أن حركة عدم الانحياز لم تتخذ قرارات حاسمة وملزمة حتى في النزاعات التي تفجرت بين أعضائها، فمعظم قراراتها كانت توفيقية في إطار توصيات عامة ويرجع ذلك لعدم امتلاكها القوة المركزية التي تخطط لها دبلوماسياً واستراتيجياً وتعتمد عليها في تنفيذ قراراتها. كذلك لم يكن لها قوة عسكرية تعتمد عليها في احتواء الصراعات المحلية ولقد حالت دون تحقيق ذلك عدة صعوبات، تمثلت في أسلوب تشكيل هذه القوة وأسلوب السيطرة عليها وأماكن تواجدها، ولقد تعددت أمثلة عجز حركة عدم الانحياز في اتخاذ قرارات هامة خاصة بالأزمات الدولية ومنها الحرب الأهلية النيجيرية عام 1967م، وانحياز موسكو إلى الهند في الحرب الهندية ـ الباكستانية في ديسمبر 1971م، كذلك أحداث أفغانستان عام 1979م، وكذلك عجز حركة عدم الانحياز عبر لجنة وساطة في إنهاء الحرب العراقية ـ الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات بداية من عام 1980م، كذلك لم يكن هناك تحرك فعال لحركة عدم الانحياز تجاه الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982م، وكذلك في غزو العراق للكويت في أغسطس 1990م

2. يجب ألا يغفل الدور الذي تمارسه حركة عدم الانحياز في الأمم المتحدة، حيث يتضح دورها البارز في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي صدر في عام 1982م والذي يقضي بانسحاب القوات الإسرائيلية من لبنان وفق قراري مجلس الأمن رقمي 508 و509، كما أن الجمعية العامة للأمم المتحدة وبضغط من دول عدم الانحياز وافقت عام 1982م على ثلاثة مشروعات قدمتها دول عدم الانحياز تؤكد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وأخيراً كان تحرك دول عدم الانحياز داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة والتي أدانت في قراراتها الاستخدام المفرط للقوة الإسرائيلية ضد الفلسطينيين منذ سبتمبر عام 2000م.

تاسعاً: التغيير المستمر في السلطة السياسية وأثره على فاعلية الحركة

نظراً لأن حركة عدم الانحياز لا تجمعها مصلحة قومية ثابتة ولافتقادها للتجانس والترابط فإن الصراعات المحلية كانت ومازالت أحد سماتها الأساسية، ونظراً لأنها تتكون من كيانات سياسية متعددة ومتداخلة، اتخذت الحرب الباردة بين القوتين العظميين منها مسرحاً لصراعها، فقد شهدت العديد من دول الحركة تحولات في طبيعة أنظمتها السياسية ساعد تدخل المعسكرين في زيادة مشاكلها المحلية، ودفع بهذه المشاكل إلى أن تصبح أحد عوامل تراجع دور عدم الانحياز عن دوره السياسي، كما كان تخلف قطاع السياسة الخارجية في الكثير من دول حركة عدم الانحياز، خاصة وأن الدول الصغرى هي التي تشكل غالبية دول حركة عدم الانحياز، ومن ثم لجأت هذه الدول إلى قوى خارجية لرعاية مصالحها وتوفير الحماية لها، ولقد كان ذلك من أخطاء سياستها الخارجية خاصة في إطار علاقاتها الدولية والتي ألحقت بها أضراراً بالغة سواء داخلية أو خارجية.

عاشراً: مصادر التسليح وانعكاسه على مبادئ وأهداف الحركة

لقد كان ارتباط دول عدم الانحياز بأحد القطبين الرئيسيين بهدف الحصول على الأسلحة جعلها بصورة غير مباشرة ترتبط بدائرة العالم الحر الغربي أو بدائرة السلام السوفيتي، مما أوجد حالة من التناقض بين حركة عدم الانحياز وأهدافها الرئيسية التي تأسست من أجلها بعد أن أصبحت دولاً منحازة تابعة لإحدى القوى الكبرى بسبب سياسة التسليح، وكذلك سياسة تقديم المعونات الاقتصادية، مما أفقدها بعضاً من أهدافها ودورها بما يهددها مستقبلاً.

حادي عشر: عدم وجود سياسة إعلامية موحدة للحركة

إن غياب السياسة الإعلامية الموحدة المواكبة للتحديات التي تواجهها حركة عدم الانحياز، بالرغم من المؤتمرات التي يعقدها المجلس الحكومي لتنسيق شؤون الإعلام بين دول عدم الانحياز، والتي كان هدفها مناقشة وضع إستراتيجية إعلامية موحدة لدول عدم الانحياز، ومن ثم فإن النشاطات التي شهدها التجمع على مستوى اجتماعات المجلس الحكومي لتنسيق شؤون الإعلام في حركة عدم الانحياز، كذلك اجتماعات رابطة التنسيق بين وكالات الأنباء في دول الحركة، واجتماعات الهيئات العامة للإذاعة في دول الحركة، وهذه النشاطات ينقصها وضع القرارات التي اتخذتها موضع التنفيذ لخدمة أهداف الحركة، ورغم أن ذلك يجري بصورة غير مخططة أو منسقة وبهدف منع وسائل الإعلام المضادة من اختراق حركة عدم الانحياز، إلا أنه يتضح أهمية بناء المؤسسات الإعلامية العامة والخاصة في دول الحركة أولاً، ثم المساهمة في تكوين رأي عالمي مقبول خارج حركة عدم الانحياز لمناصرتها وتأييدها، ودفعها إلى مجال التقدم من خلال تأسيس الاتحاد العام للصحفيين غير المنحازين، والاتحاد العام للهيئات الإعلامية للإذاعة والتليفزيون، وبذلك يمكن تكوين تجمع عام حاشد داخل دول عدم الانحياز، كما يمكن كسب التأييد الخارجي أن أمكن ذلك.

ثاني عشر: انكماش سياسة عدم الانحياز أمام سياسة الوفاق الدولي

لقد بدأت سياسة عدم الانحياز في التراجع كلما ازداد التقارب بين الكتلتين وهدأت الحرب الباردة بعد أن ضمن القطبان تحقيق مبدأ التوازن في حروب الوفرة الاقتصادية في الدول النامية بصفة عامة ودول عدم الانحياز بصفة خاصة بعد غياب القادة التاريخيين للحركة، ولذلك بدأ الرابط المشترك للكفاح ضد الاستعمار ينحسر بعد السبعينيات، ولذلك فإن سياسة عدم الانحياز كنظرية وتطبيق دخل مرحلة مصيرية منذ الثمانينيات، فإما أن تستمر في فقدان الشعور والحماس الجماعي المشترك، ومن ثم تصبح في عداد النظريات السياسية التي فقدت هويتها ووجودها، وإما أن تجري مواجهة التحديات التي تواجهها حركة عدم الانحياز، وتعيد خصوصيتها وأهدافها، إلا أن ذلك صعب التحقيق دون توفر رأي عام مؤيد لسياسية عدم الانحياز سواء كان ذلك في إطاره التنظيمي المؤسسي أو في إطار دول عدم الانحياز كوحدات سياسية لها أهدافها وتطلعاتها السياسية.

ثالث عشر: الواقع الاقتصادي ومساهمته في تراجع دور الحركة سياسياً

يعتبر الواقع الاقتصادي لحركة عدم الانحياز وحاجة معظم دوله إلى موارد التنمية الاجتماعية والاقتصادية سبباً رئيسياً في تراجع حركة عدم الانحياز عن أداء دورها السياسي التوفيقي، ولقد أدت حاجة معظم دول الحركة للدعم الاقتصادي إلى الارتباط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالقوى العظمى أو الكبرى، والتزامها إما بدائرة العالم الحر الرأسمالي أو دائرة السلام السوفيتية وإن كانت معظم دول عدم الانحياز قد تبنت الارتباط بالأحلاف العسكرية والتمسك بسياسة عدم الانحياز مع قبول المساعدات الاقتصادية غير المشروطة، إلا أن هذا الوضع بدأ في التغير مع انتهاء الحرب الباردة، في ظل سياسة الوفاق التي تعاني بسببها العديد من دول عدم الانحياز من ضغوط خارجية.

رابع عشر: تعدد تجمعات العالم الثالث وانعكاسه على مسيرة الحركة

لقد كان تعدد تجمعات العالم الثالث دون صفة دقيقة ومحددة ومتفق عليها للتنسيق بين هذه التجمعات، والتي تمثلت في مجموعة الخامسة عشر إلى مجموعة السبعة والسبعون، وكذلك تعدد التجمعات الإقليمية، إلى تراجع أهمية حركة عدم الانحياز، ورغم وجود بعض التوجهات المطالبة بدمج حركة عدم الانحياز مع مجموعة السبعة والسبعون، إلا أن ذلك لم يجد سبيله إلى التطبيق إلا جزئياً من خلال قرار قمة عدم الانحياز في جاكرتا عام 1992م بإنشاء لجنة مشتركة للتنسيق بين حركة عدم الانحياز ومجموعة السبعة والسبعون، ولكن يلاحظ أن معظم تجمعات العالم الثالث لازالت بدون إطار تنسيق فعال يربطها فيما بينها، بهدف مواجهة التحول نحو نظام عالمي جديد.

خامس عشر: حركة عدم الانحياز والمضامين الجديدة

في بداية الثمانينيات، بدأت حركة عدم الانحياز تعاني أزمة حادة، تمثلت في الصراعات المسلحة بين أعضائها؛ فضلاً عن إتباع بعضهم سياسته الخارجية إتباعاً غير مباشر لإحدى القوتَين العظميَين، في ذلك الوقت: الاتحاد السوفيتي أو الولايات المتحدة الأمريكية؛ فبدا أن الحركة ابتعدت كثيراً عن أهدافها ومبادئها، وتخلت عن الكثير من ثوابتها. غير أنه بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، عقدت القمة الثالثة عشرة لحركة عدم الانحياز (قمة كوالالامبور)، والتي أحدثت حالة مبدئية جديدة في اصطفاف القوى السياسية في العالم، إذ بدأت الولايات المتحدة الأمريكية تتصرف بأسلوب، يستهدف السيطرة الفعلية، والسريعة، على العالم وإخضاعه لمصالحها الخاصة.

بدت المواجهة بين القطبَين (الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية)، وكأنها انتهت؛ إلا أنها في الحقيقة، اتخذت أشكالاً جديدة، في المرحلة الحالية. ووضح ذلك في الخطاب، الذي وجهه الرئيس الروسي، "بوتين"، إلى مؤتمر القمة الثالثة عشرة لحركة عدم الانحياز، إذ رأى أن الحركة هي إحدى أهم الركائز في تشكيل العلاقات الدولية، وتطوير الحضارة الإنسانية؛ وأعلن تصميمه على مواصلة التعاون المتبادل على مواجهة الأخطار والتحديات الجديدة، ومن أهمها الإرهاب، والنزاعات، والأزمات بين الجماعات الإثنية، والمشاكل البيئية. وفي القمة الرابعة عشرة التي عُقدت في هافانا، أعلن "ألكسندر لوكاشينكو"، رئيس بيلاروسيا، الدولة الأوروبية الوحيدة العضو في حركة عدم الانحياز، أهمية أن تصبح الحركة مركز قوة سياسية مستقلة في العالم. ولقد رسمت حركة عدم الانحياز "خريطة طريق" لتحركها المستقبلي، من خلال وثيقة، تضمنت إعلان أهداف الحركة ومبادئها ودورها.

ولقد تضمنت الوثيقة تحديد آليات مكافحة الفقر، والهجرة غير الشرعية، والتعصب العرقي. كما دانت جميع أشكال الإرهاب. ورفضت استخدام مصطلح "محور الشر"، الذي تكرره الإدارة الأمريكية. وعلى الرغم من أن المناوئين للسياسة الأمريكية، حاولوا جرّ الحركة إلى اعتماد مواقف حادة، وجذرية؛ إلا أن معظم الأعضاء، فضلوا استخدام أسلوب محايد، وأقلّ انحيازاً. فعندما حاولت بعض دول أمريكا اللاتينية التلميح إلى "الجار الشمالي الإمبريالي"، وسعت إلى أن تُضفي على حركة عدم الانحياز طابع البديل من عالم أحدي القطبية، تسيطر عليه الولايات المتحدة الأمريكية، لم يوافق على ذلك أغلب الدول الأعضاء في الحركة، والتي لا ترغب في إثارة المشاكل مع واشنطن. وكذلك اقتراح وصف إسرائيل، بأنها المسبب الوحيد للنزاع في الشرق الأوسط لم يَحْظَ بتأييد العديد من دول الحركة. ولذلك، كانت القمة الرابعة عشرة هي نهاية مرحلة أساسية في تاريخ الحركة؛ وفي الوقت عينه بداية لنهج سياسي جديد، تجاه المتغيرات: الإقليمية والدولية.

ولقد شهدت القمة الرابعة عشرة اجتماعات خاصة، تداولت كيفية تطوير منهجية عمل حركة عدم الانحياز، وآليات اتخاذ قراراتها. ولقد حُددت دول الترويكا الثلاث للقمة، التي تتولى إدارة شؤون الحركة، وقوامها، كوبا التي تتولى الرئاسة الحالية، وماليزيا، دولة الرئاسة السابقة؛ ومصر، دولة الرئاسة المقبلة. ومهمتها هي المساهمة، بفاعلية أكثر، في إنعاش الحركة وتعزيز دورها، ودعم قضايا دولها. ولقد وضح أن الحركة، لا تزال قادرة على العمل، من منطلق رصيد إرادتها السياسية، وتوجهات دولها الأعضاء إلى ضرورة ممارسة دور جديد، يوافق المتطلبات المتجددة في تشكيل النظام الدولي. ناهيك بأن أهداف الحركة ومبادئها صالحة بعامة للاستمرار، في ظل التحولات العالمية، إذ لا يزال على الساحة الدولية الكثير من القضايا والمشكلات السياسية، يجب العمل على الإسهام في حلها.

ومن ثَم، فإن الحركة مطالبة بإعادة تحديد الدور، الذي يمكن أن تضطلع به، في الفترة المقبلة، من حيث كونها ممثلاً لمصالح العالم الثالث: السياسية والاقتصادية. كما أنها مطالبة بتحقيق التعاون بين دولها، في ما يُعرف بتعاون الجنوب/ الجنوب؛ ومواجهة الصراعات الداخلية بينها وبين دولها، في ظل تفاقُم المشاكل العرقية، والحروب الأهلية، ونزاعات الحدود. وهذه الأمور وغيرها، تتطلب صياغة مفهوم جديد لعدم الانحياز، يسمح بتحقيق الحدّ الأدنى لمصالح دول الحركة، والخروج من إطارها القديم إلى واقعها الحالي.


الملاحق


· قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الرقم 1803، الصادر في 14 ديسمبر 1962


1. إن حق الشعوب والأمم في السيادة الدائمة على ثرواتها ومواردها الطبيعية يجب أن يمارس في صالح تنميتها القومية، ولرفاهية شعب الدول المعنية.

2. إن البحث عن هذه الموارد وتطويرها والتصرف بها وكذلك استيراد رؤوس الأموال المطلوبة لهذه الأغراض يجب أن يكون وفق القواعد والشروط التي تعتبرها الشعوب والأمم بحرية ضرورية أو مرغوباً فيها.

3. في الحالة التي يمنح فيها التحويل، فإن رأس المال المستورد والأرباح المحققة يجب أن يحكمان وفق التشريع الوطني والقانون الدولي، كما يجب أن توزع الأرباح وفق النسب المتفق عليها بين المستثمرين والدولة المضيفة مع مراعاة ضمان عدم الإخلال لأي سبب كان بسيادة الدولة على ثرواتها ومصادرها الطبيعية.

4. إن التأميم ونزع الملكية يجب أن يكون مستنداً إلى أسس أو أسباب النفع العام أو الأمن أو المصلحة الوطنية المعترف بأرجحيتها على المصالح الفردية أو الخاصة داخلية كانت أو خارجية، وفي هذه الحالات يجب دفع تعويض ملائم للمالك وفق قواعد نافذة المفعول في الدولة التي تتخذ مثل هذه الإجراءات في ممارسة سيادتها وفق القانون الدولي أو عن طريق التحكيم أو القضاء الدولي في حالة وجود خلاف بينهما.

5. إن الممارسة الحرة لسيادة الشعوب والأمم على مواردها الطبيعية يجب أن تعزز بالاحترام المتبادل بين الدول على أساس المساواة في السيادة.

6. إن التعاون الدولي من أجل التنمية سواء كان ذلك على شكل استثمارات لرأس المال الخاص أو الخدمات أو مساعدة فنية يجب أن تكون على نحو يعزز تنميتها القومية المستقلة.

7. إن خرق حقوق الشعوب والأمم في سيادتها على ثرواتها الطبيعية يناقض روح مبادئ ميثاق منظمة الأمم المتحدة ويعيق تطور التعاون الدولي وإدامة السلام.

8. إن اتفاقيات الاستثمار الأجنبي المعقودة بحرية من قبل أو بين الدول ذات السيادة يجب أن يؤخذ بحسن نية وعلى الدول والمنظمات الدولية أن تحترم سيادة الشعوب والأمم على ثرواتها ومواردها الطبيعية وفق ميثاق الأمم المتحدة.

الجداول



· مؤتمرات دول قارتي آسيا وأفريقيا قبل انعقاد مؤتمر باندونج

· مؤتمرات قمة دول عدم الانحياز منذ باندونج 1955 حتى نهاية القرن العشرين

· مجموعات اقتصادية مطلوب أن تنسق حركة عدم الانحياز معها

· تدفقات السلاح التقليدي للدولة النامية خلال الفترة 1950 - 1990 بالمليار دولار "أسعار 1990"




تطور اهتمامات حركة عدم الانحياز


بلغراد 1961 [بلغراد]

1- الكفاح ضد الاستعمار . 2- دعم الاستقلال السياسي . 3- رفض التعاون مع أحد المعسكرين

القاهرة 05/10/1964

1- التنديد بتدخل usa في الفيثنام وكوريا 2- دعم حركات التحرر في إفريقيا وآسيا 3- تنمية التعاون الثقافي والاقتصادي بين دول الحركة

لوزاكا 08/10/1970 [ زامبيا ]

1- تصفية الاستعمار 2- دراسة مشكلات التنمية الاقتصادية 3- التنديد بسياسة إسرائيل الاستيطانية 4- نبذ التمييز العنصري

الجزائر 05/09/1973

1- تنقية العلاقات الدولية 2- التنديد بسياسة إسرائيل التوسعية 3- إعطاء مفهوم بعدي للاستقلال السياسي والاقتصادي 4- حق الدول في الإشراف على مواردها الاقتصادية 5- إصلاح النظام الدولي وتوفير مساعدات مالية للدول النامية دون شرط 6-إقامة نظام اقتصادي عالمي جديد على أسس العدالة والمساواة 7-حوار جنوب جنوب

كولومبو 08/1976

[ سيريلانكا ]

1- تحديد مخطط التعاون بين دول الحركة في مجالي الإعلام [ وكالة الأنباء ] والاتصال 2- حق الشعب في السيادة والمساواة والأمن 3- تشجيع حوار شمال جنوب

4- تحقيق الاستقلال الاقتصادي 5- تدعيم توصيات مؤتمر الجزائر .

هافانا09/1979

[ كوبا]

1- الاستقلال الاقتصادي بنظام دولي جديد

2- الحوار شمال جنوب ، والحوار جنوب جنوب



نيودلهي 1983

[ الهند ]

1- إعادة هيكلة النظام الاقتصادي العالمي في مفاوضات شمال جنوب

2- حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة

3- دعم قضايا استقلال الشعوب مثل ناميبيا 4- تنمية التعاون جنوب جنوب

هراري 1986

[ زيمبابوي ]

1- محاربة التمييز العنصري بجنوب إفريقيا

2- حل قضية الصحراء الغربية

بلغراد 08/1989

1- قضية المديونية والحلول الكفيلة

2- تنمية سياسة التعاون جنوب جنوب للحد من تحديات النظام الدولي الجديد

جاكرتا 08/1992 [إندونيسيا]

1- تجسيد التعاون جنوب جنوب 2- التفكير في إقامة نظام دولي جديد وعادل ومبني على الاحترام المتبادل شمال جنوب 3- قضية تفاقم المديونية وحلولها العاجلة للحد من ضغوطات الدول الكبرى وهيمنتها الاقتصادية 4- وضع ترتيبات جديدة للحركة بعد زعامة usa للأحادية وتفكك الإتحاد السوفيتي

إندونيسيا 23-25/02/2003

1- قضية فلسطين 2- قضية العراق

3- الصراع في العالم الثالث [ كوت دي فوار ]

 
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معلومات العضو
لالة بتينة

لالة بتينة

Admin

Admin
معلومات إضافية
كيف تعرفت علينا : غيره
الجنس : ounta
المهن : jami3i
الهواية : rkoub elkhayl
المزاج : ray9
الدولة : france
عدد المساهمات : 4981
تاريخ التسجيل : 14/05/2012
معلومات الاتصال
http://www.lalaboutayna.com/
مُساهمةموضوع: رد: حركة عدم الانحياز   حركة عدم الانحياز I_icon_minitimeالأحد يونيو 02, 2013 5:43 pm


الهيكل التنظيمي لحركة عدم الانحياز



إن حركة الدول غير المنحازة- كمنتدى هام للتنسيق السياسي بين دول الجنوب- تمارس مهامها بناء على نسق إداري فريد من نوعه، لا يعرف التدرج الهرمي، وإنما يقوم على التناوب والشراكة، بما يسمح لجميع الدول الأعضاء- دون تفاضل أو تمييز من أي نوع – بالمشاركة في صنع القرارات والسياسات العامة.

وفي نفس الوقت، فإن الحركة قد وضعت مجموعة من المبادئ المنهجية، والمفاهيم، والبرامج والاتفاقيات التي تسترشد بها في أداء مهامها، أو تشكل الأساس للقيام بتلك المهام، وتمثل توافقًا في الآراء بين الدول الأعضاء. وقد وردت كلها في الإعلانات وبرامج العمل، والقرارات، والبيانات، والتقارير وغيرها من النصوص الصادرة عن مؤتمرات القمة أو المؤتمرات الوزارية.

الدول الأعضاء والمراقبون والضيوف


المشاركة المعمول بها فى الحركة ثلاثة أنواع تعترف الحركة بثلاث فئات مختلفة من المشاركة : العضوية الكاملة، والمراقبون، والضيوف.

وتعتبر مبادئ باندونج، ومعايير عضوية حركة عدم الانحياز، معايير للإنضمام سواء للأعضاء الجدد أو المراقبين. وتضم الحركة، في الوقت الراهن، 118 دولة عضوًا ، كما تتمتع 16 دولة و 9 منظمات بصفة المراقب .

1. الأعضاء:

تتألف إجراءات الانضمام من طلب يتقدم به كتابة رئيس الدولة أو الحكومة أو وزير الخارجية، إلى رئيس الحركة الذي يقوم بتعميمه على كافة الدول الأعضاء، قبل انعقاد القمة أو المؤتمر الوزاري بوقف كاف، حيث يُتَّخذ بشأنه القرار المناسب. ويقوم مكتب التنسيق بمناقشة الطلب، والتوصية- في حالة عدم وجود اعتراضات- بانضمام العضو الجديد إلى مؤتمر القمة أو المؤتمر الوزاري.
معايير العضوية لدول حركة عدم الانحياز:

1- أن تكون الدولة قد انتهجت سياسة مستقلة تقوم على التعايش السلمي بين الدول ذات النظم السياسية والاجتماعية المختلفة، وتقوم على عدم الانحياز، أو أن تكون الدولة قد أبدت اتجاهًا يحبذ مثل تلك السياسة.

2- أن تكون الدولة صاحبة الشأن، من الدول المؤيدة لحركات الاستقلال الوطني بطريقة متسقة.

3- ألا تكون الدولة عضوًا في تحالف عسكري متعدد الأطراف، مبرم في سياق الصراع بين الدول الكبرى.

4- إذا كانت الدولة طرفًا في اتفاقية عسكرية ثنائية مع إحدى القوى الخارجية ،، أو كانت عضوًا في تحالف دفاعي إقليمي، فإنه يجب ألا تكون الاتفاقية أو التحالف قد أُبرما عمدًا في سياق الصراعات بين الدول الكبرى.

5- إذا كانت الدولة قد منحت قواعد عسكرية لإحدى القوى الخارجية ، فإنه يجب ألا يكون هذا الامتياز قد مُنح في سياق الصراعات بين الدول الكبرى.

تتمتع الدول الأعضاء بما يترتب على العضوية من حقوق كاملة والتزامات، بينما يجوز للمراقبين المشاركة فقط في مداولات الحركة والجلسات العامة، أما الضيوف فيحضرون فقط الاجتماعات الرفيعة المستوى للحركة (وخصوصًا الجلسات الافتتاحية والختامية) إذا ما وافق مكتب التنسيق على ذلك.

2. المراقبون:

يحصل المراقبون على صفة مراقب بناء على نفس معايير انضمام الأعضاء. وللمراقبين حق حضور الجلسات العامة للمؤتمر وأخذ الكلمة بتصريح من المكتب.

3. الضيوف:

يمكن منح صفة الضيف بناء على اقتراح البلد المضيف، وبإجازة مسبقة من مكتب التنسيق.



أعضاء حركة عدم الانحياز (حسب الإقليم)-

العدد الإجمالي: 118

الى حدود 2009


أفريقيا (53)
*****
1 الجابون
2 الجزائر
3 الرأس الأخضر
4 السنغال
5 السودان
6 الصومال
7 الكاميرون
8 الكونغو
9 المغرب
10 النيجر
11 اريتريا
12 انجولا
13 اوغندا
14 اثيوبيا
15 بروندى
16 بنين
17 بوتسوانا
18 بوركينا فاسو
19 تشاد
20 تنزانيا
21 توجو
22 تونس
23 جامبيا
24 جزر القمر
25 جمهورية الكونغو الديمقراطية
26 جمهورية افريقيا الوسطى
27 جنوب افريقيا
28 جيبوتى
29 رواندا
30 زامبيا
31 زيمبابوى
32 ساو تومي & برانسيب
33 سوازيلاند
34 سيراليون
35 سيشيل
36 غانا
37 غيتيا
38 غيتيا الاستوائية
39 غيتيا بيساو
40 كوت دى فوار
41 كينيا
42 ليبيا
43 ليبيريا
44 ليسوتو
45 مالاوى
46 مالى
47 مدغشقر
48 مصر
49 موريتانيا
50 موريشيوس
51 موزمبيق
52 ناميبيا
53 نيجيريا



آسيا (38)
*******
1 الاردن
2 الإمارات العربية المتحدة
3 البحرين
4 العراق
5 الفلبين
6 الكويت
7 المالديف
8 المملكة العربية السعودية
9 الهند
10 اليمن
11 افغانستان
12 ازبكستان
13 اندونيسيا
14 ايران
15 بابوا-غينيا الجديدة
16 باكستان
17 بروناى-دار السلام
18 بنجلاديش
19 بوتان
20 تايلاند
21 تركمانستان
22 تيمور-ليستى
23 جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية
24 جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية
25 الفلبين
26 قطر
27 المملكة العربية السعودية
28 سنغافورة
29 سيريلانكا
30 سوريا
31 تايلاند
32 تيمور-ليستي
33 تركمانستان
34 الإمارات العربية المتحدة
35 أوزبكستان
36 فانواتو
37 فيتنام
38 اليمن


أمريكا اللاتينية والكاريبي (26)
*****************
1 الباهاما
2 أنتجوا & باربيودا
3 اكوادور
4 باربادوس
5 بنما
6 بوليفيا
7 بيرو
8 بيليز
9 ترينداد & توباجو
10 جامايكا
11 جرينادا
12 جمهورية الدومنيكان
13 جواتيمالا
14 دومينيكا
15 سان فينسان & جرينادين
16 سان كيتس & نيفيز
17 سانتا لوتشيا
18 بنجلاديش سورينام
19 شيلى
20 غيانا
21 فينزويلا
22 كوبا
23 كولومبيا
24 نيكارجوا
25 هاييتى
26 هوندوراس

وروبا (1)
******
1 روسيا البيضاء

المراقبون في حركة دول عدم الانحياز.
***************************
الدول:

1- أرمينيا

2- أذربيجان

3- البرازيل

4- البوسنة والهرسك

5- الجبل الاسود

6- السلفادور

7- الصين

8- المكسيك

9- اورجواى

10- اوكرانيا

11- بارجواى

12- صربيا

13-طاجيكستان

14- قارغيزستان

15- قازاقستان

16- كرواتيا

17- كوستاريكا

المنظمات:

1- الاتحاد الإفريقي

2- الامم المتحدة

3-الحركة الجديدة لاستقلال بورتوريكو

4- امانة الكومنولث

5- جامعة الدول العربية

6- جبهة تحرير كاناك الوطنية الاشتراكية

7- مركز الجنوب

8- منظمة المؤتمر الإسلامى

9- منظمة تضامن الشعوب الافرو-اسيوية

الضيوف:
******
يتم تحديدهم قبيل القمة
 
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 

حركة عدم الانحياز

استعرض الموضوع التالي استعرض الموضوع السابق الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

 مواضيع مماثلة

-
» حركة حلوة لتزيين البيض المسلوق بالوان الطعام الصحية

خدمات الموضوع
 KonuEtiketleri كلمات دليليه
حركة عدم الانحياز , حركة عدم الانحياز , حركة عدم الانحياز ,حركة عدم الانحياز ,حركة عدم الانحياز , حركة عدم الانحياز
 KonuLinki رابط الموضوع
 Konu BBCode BBCode
 KonuHTML Kodu HTMLcode
إذا وجدت وصلات لاتعمل في الموضوع او أن الموضوع [ حركة عدم الانحياز ] مخالف ,, من فضلك راسل الإدارة من هنا
صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
لالة بثينة  :: المنتدى العام :: قسم القانون الدولي-